انفجر الربيع العربي على حين غفلة من الناس وعمّت رياحه كل المعمور وانشغل الكُلّ بتتبع مجرياته طويلا، إذ شكل مادة دسمة للإعلام بكل صنوفه. وقد فاجأ هذا الربيع الجميع داخل بلدانه وخارجها، إذ لم تستطع أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية توقعه وهو ما أحدث صدمة لدى صانع القرار الغربي، خاصة حين عصف بأنظمة سياسية كان يعتبرها رصيدا استراتيجيا لمصالحه وسياساته. لكن مفعول الصدمة لم يَطُل، إذ سرعان ما استعاد هؤلاء رباطة جأشهم وشرعوا في تحليل الأوضاع داخل دول الربيع العربي ووضع المخططات التي من شأنها وأد هذا الأمل في مهده والقضاء المبرم عليه وعلى تبعاته.

قد يتهم قائل هذا التحليل بالوقوع في شراك نظرية المؤامرة لكن المُنْصِفَ يتتبع شواهد الواقع، وهي كثيرة، لتأكيد ما تقدم. ويكفي في هذا الصدد الرجوع إلى المادة الإعلامية الغزيرة التي وثقت للحدث ولمواقف كل الأطراف منه، خاصة مواقف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، سواء بداية الربيع العربي أو ما وقع فيما بعد أو ما يحصل الآن.

لكن لماذا يسعى الغرب لإجهاض التجارب السياسية الناتجة عن الربيع العربي؟ لماذا هذا الحرص من قِبَلِه على نسف كل ما تحقق من حريات وديمقراطية وانتخابات نزيهة وغيرها؟ هل السبب الحقيقي والأساس هو وصول الاسلاميين (المُخالِفُ الإيديولوجي للغرب) إلى سدة الحكم في بعض دول الربيع العربي؟ أم أن المسألة أكبر من تنابز إيديولوجي مع خصم سياسي؟

من المسلمات السياسية لدى الغرب عموما، والولايات المتحدة الأمريكية خصوصا، التي لا ينكرها عارف بقواعد السياسة العالمية أنه لا وجود لصديق ثابت أو عدو دائم بل هناك فقط مصالح ثابتة. من منظور هذه المُسَلّمة يمكن تقديم مقاربة لتلك التساؤلات المطروحة أعلاه. قد يكون عنوان المعركة الحالية ضد الربيع العربي التي تفصح عنه الإجراءات قبل التصريحات هو إسقاط حكم الاسلاميين، سواء في مصر أو غيرها، لكن الغرض الحقيقي والعميق لهذه الجولة من الحرب هي إجهاض محاولات بناء دولة وطنية قوية في العالم العربي سواء كان مصدر هذه المحاولات الإسلاميون أو غيرهم من القوى الوطنية المخلصة أيا كانت صبغتها الإيديولوجية. فالدولة الوطنية القوية تعني التحرر السياسي والاقتصادي والثقافي والمؤسسي من الاستكبار الغربي المهيمن ماديا ورمزيا. كما ترمز هذه الدولة للنهضة العلمية والمجتمعية والخروج من طوق التخلف بكل أشكاله فهل نتصور رضى القوى الغربية المستكبرة وقبولها بتحول الدول العربية من دول فاشلة غارقة في الاستبداد والفساد وكل مظاهر التخلف إلى دولة وطنية قوية؟ في اعتقادي إن هذا هو الخط الأحمر الغليظ الذي لا يسمح لأي من النخب العربية تخطيه. فالاستكبار الغربي بنى، منذ قرنين، اقتصاده على أساس نهب ثروات هذه الدول وتحويلها إلى مجرد سوق استهلاكية لبضائع مصانعه وشركاته. وشَيَّد منظومة علاقاته الدولية على أساس تبعية القرار السياسي والاقتصادي والثقافي للبلدان المتخلفة للمحور الغربي. كما أن دفاعه عن الحريات الفردية كان الغرض منه، ولا يزال، تحويل الشعوب المستضعفة لتابع بليد ومستهلك غبي لثقافته وأنماط سلوكه، التي تستحمر الإنسان وتستبلد حسه وذوقه، والتي تكفلت بتسويقها آلته الاعلامية الخطيرة المتسلطة على العقول والغازية للنفوس.

إن الحرب المستعرة حاليا على الديمقراطيات الناشئة عن الربيع العربي، في تونس ومصر خاصة، هي في تقديري حرب على مبدإ التحرر والاستقلال عن دائرة النفوذ الغربي أيّاً كان من يجرؤ على العمل وفق هذا المبدأ، إسلاميا أو غيره. وإذا كان الإسلاميون يتصدرون المشهد السياسي الحالي في دول الربيع العربي، فإن شواهد تاريخية كثيرة، منها من لا يزال قائما، تؤكد على قاعدة استهداف الاستكبار الغربي لمبدإ التحرر والاستقلال في المقام الأول قبل أن يستهدف الاختلاف أو التناقض الايديولوجي. وإذا لم يكن الأمر كذلك ففي أي سياق يمكن إدراج حرب الولايات المتحدة الأمريكية على حركات التحرر الوطني ومحاولات بناء الدولة الوطنية المستقلة والحرة في كثير من دول أمريكا اللاتينية آخرها فنيزويلا وبوليفيا؟ وأي تفسير يمكن إعطاؤه للتدخل الغربي السافر والصريح في أفريقيا وحؤوله، باستمرار، دون تمكن معظم بلدان هذه القارة من بناء دولة وطنية مستقرة وقوية رغم ما تزخر به من إمكانات، بل عمدت مؤسسات الاستكبار الغربي على تعميق الخلافات وزرع بؤر توتر دائمة وإغراق هذه البلدان في الفساد والاستبداد من خلال التحكم في النخب الحاكمة بل صناعتها على المقاس ودعمها سياسيا وعسكريا لإدامة تسلطها وخدمتها لمصالح سادتها وأولياء نعمتها؟ وقبل هذا من أجهض تجربة بناء الدولة الوطنية في إيران التي قادها مصدق خلال منتصف القرن العشرين، أليس الاستكبار الغربي؟

إن النخب الوطنية المخلصة في كل الدول العربية، سواء كانت قوى إسلامية أو ليبرالية أو يسارية، مدعوة اليوم بإلحاح لإدراك طبيعة المعركة ضد الربيع العربي وخطورتها وتداعياتها على الحقوق والحريات والتنمية والدخول العاجل في حوار عميق للوصول إلى تدبير حكيم للاختلافات الإيديولوجية والتوافق على ميثاق جامع يحقق مطالب الربيع في اجتثاث الفساد والاستبداد وعدم السماح بإعادة إنتاجه تحت أية صورة أو مسمى كان وتلبية أشواق الشعوب العربية التواقة للتحرر من كل أنماط الاستعباد محليا كان أو أجنبيا. وعدم إدراك هذه النخب لطبيعة وحجم مخاطر المرحلة وتقوقعها داخل نطاقها الإيديولوجي والمصلحي وعدم توافقها على أرضية تحرر مشتركة، سيسمح للمخططات والمؤامرات المحلية والخارجية، التي تحاك بالليل والنهار على قدم وساق، أن تجد طريقها للتحقق مما ينذر بانتكاسة خطيرة للربيع العربي وتحوله فعلا إلى شتاء حالك ودخول المجتمعات العربية إلى نفق مظلم يعلم الله وحده عواقبه ومآلاته ويتحمل الجميع المسؤولية عن ما ستؤول إليه الأوضاع آنئذ. وقد بدت ملامح هذا السيناريو المرعب تلوح في الأفق حيث يحرص الآن سدنة الاستكبار الغربي على سرقة ثورة 25 يناير وإعادة إنتاج حكم مستبد أبشع من الذي أسقطته تلك الثورة العظيمة. ولولا الصمود الشعبي المتصاعد والإصرار الكبير على عدم التفريط في مكتسبات ثورتهم المجيدة لقال المصريون على الربيع العربي السلام.