عندما يحين موعد النشرة الإخبارية كانت يد المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله، تمتد لتشغّل المذياع قائلا: لنسمع ما فعل الله في كونه اليوم)، فننصت إلى أخبار ما أحدثه الله في كونه من خير، ومن خير ظاهره شر. “ولا يفعل ربك إلا خيرا”.

يسأل سائل منفعل مما حدث في مصر: “كيف، سقط الإسلاميون في مصر ونسمي هذا خيرا؟ لن يقوم بعد اليوم قائمة للحل الإسلامي في مصر وفي غيرها من البلدان الإسلامية. فماذا هو الخير الذي من وراء هذا الشر؟”.

لنعلم ولنتذكر أن لله في كونه قوانين وسنن تتحكم في مسار الأحداث، ولا مناص منها ولا تحابي أحدا، وجب على المتتبع أن يعلمها ويتركها راضيا تشتغل، دون اضطراب أو خوف، فإنها توجه الأحداث إلى موعود الله عز وجل. ولنثق ولنتيقن بأنه، سبحانه، منجز وعده، وأنه غالب على أمره، و لكن أكثر الناس لا يعلمون.

وموعود الله عز وجل أن يمن على الذين استضعفوا ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين…

ووعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض.. وليمكنن لهم دينهم.. وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا.

منذ أربعة عشر قرنا والأمة الإسلامية ترزح تحت كلكل العض والجبر، وحديثا تحت الاستبداد الحداثي، إلا ما استثني مع بعض الحكام العادلين. وبَنى الاستبداد لتحصين نفسه نظاما من مؤسسات وسياسات ترعرعت عبر التاريخ واستقرت وأثمرت مجتمعة ذهنيات وعادات وأنانيات، وتوارثت الأجيال عن بعضها البعض تلكم الذهنيات، وتلكم العادات وتلكم الأنانيات، نظاما من مؤسسات بعضها:

+ المؤسسات والمجالس العلمية ومختلف الهيآت التعليمية والثقافية التي تنفذ سياسات تبني عقليات تابعة وفهما يخدم الرضوخ للتسلط وتؤصل للتحكم باسم الإسلام، يسميه الماركسيون أفيون الشعوب. إنها إديولوجيا الإسلام الرسمي.

+ المؤسسات الإدارية والسياسية عبر سياسة التحكم والتسلط المباشر، وغير المباشر، بجميع الأساليب وما تزرعه من أمراض البيروقراطية والرشوة والمحسوبية والزبونية، وغيرها، وأوجه الفساد كلها.

+ المؤسسات العسكرية والبوليسية ومختلف أصناف المخابرات عبر سياسة القمع والردع والإهانة والتخويف بجميع الأشكال.

+ المؤسسات الاعلامية عبر سياسة التضليل والتمجيد والتوجيه والتحريض والتخدير، وغيرها من أساليب التأثير.

+ المؤسسات الدينية من جمعيات ومنابر المسجد وطرق صوفية ومواسم دينية عبر سياسة التنويم والتخدير والتلهية.

أخذت هذه المؤسسات عبر التاريخ أشكالا مختلفة، لكن جوهرها واحد ووظيفتها واحدة:

– بناء وترسيخ وصيانة الذهنية الرعوية لدى الشعب، لذلك يجب أن يستضعف ويفقر ويجهل ويضلل ويردع ويخدر لكي يتبع.

– بناء وترسيخ وصيانة الأنانية المستعلية والمستكبرة عند الحكام وسدنتهم لكي يتحقق التسلط والتحكم، وتبنى طبقة الملأ الأعلى الموحدة المصالح.

– بناء وترسيخ وصيانة العادات الجارفة عند الشعب، وعند الحكام، لكي يبقى الكل حبيس عاداته وسلوكه لا قدرة له على تغيير ما بنفسه بله تغيير ما بحاله.

يجب، طبعا، أن يُضفى على هذه السياسات والمؤسسات، أمام الشعور الإسلامي العام، الشرعية الإسلامية: شرعية الحكام وشرعية العلماء التي تُكوّن متظافرة إيديولوجيا الحكم باسم الإسلام.

هذا لا ينفي إسلام وإيمان بعض المتعاونين مع الحكام من المثقفين والعلماء والسياسيين والدراويش الصوفية، إنما هم أنفسهم خريجو وضحايا نظام السياسات والمؤسسات.

دخل على الخط مع هذه التشكيلة التقليدية التي نشأت وترعرعت عبر تاريخ المسلمين تشكيلة حديثة حداثية أفرزها فكر وسياسة العالم الحديث وإيديولوجياته اليمينية واليسارية، وأدخلها الاستعمار المادي والفكري لبلاد المسلمين، الذي جوهره الهيمنة وهدفه الاستحواذ على الخيرات، فولدت عندنا وتكونت من ذرارينا نخبة مغربة لائكية.

بقدر كراهية هذه النخبة لمؤسسات وسياسات التشكيلة التقليدية الإسلامية العروبية ونبذها، وبقدر كراهية ما أثمرته من ذهنيات وأنانيات وعادات “إسلامية”، وبقدر جهلها بإسلام العدل والشورى وحقوق الإنسان، ارتمت كلية في أحضان الفكر الحداثي الأنواري أو الفكر اليساري. رضعت فكره وفلسفته وقيمه وتبنتها وتبعته، وناضلت وتناضل لصالحه ولمصالحه، فأصبح لهذه النخبة، بدورها، الذهنية الرعوية والأنانية المستعلية والعادات الجارفة الحداثية.

أنظر إلى التشكيلتين كيف اجتمعتا عبر المؤسسات التي حضرت إلى إعلان الانقلاب على الرئيس مرسي أمّنه الله.

1- مؤسسة الجيش أداة الردع والتي تحتوي على ممثلين للتشكيلتين، إذ المحرك الأساسي فيها هو التشكيلة الحداثية. ليست هذه المؤسسة إلا مجرد أداة يُلجأ إليها لاستعادة المؤسسات والسياسات المحافظة على الذهنيات والأنانيات والعادات سواء التقليدية أو الحداثية.

2- الأزهر الشريف، مؤسسة العلماء الرسميين الذين أغلبهم صادقون ومؤمنون طيبون لكنهم ضحية إيديولوجية الإسلام السياسي الرسمي. الكثير منهم مستكينون تابعون خانعون للمتحكم.

3- حزب النور الوهابي خريج المؤسسة العلمية الرسمية الوهابية، وحامل إديولوجية الإسلام السياسي الرسمي الوهابي صاحب فتوى “عدم جواز الخروج على الحكام”.

4- الكنيسة النصرانية الرسمية التي يستعملها الغرب ذريعة وحصان طروادة لهيمنته وكيده، ويستغل كراهيتها الصليبية للإسلام.

5- البرادعي ممثل التشكيلة الحداثية اللائكية التابعة للغرب والخاضعة له، والحاملة لفلسفته والمبشرة بها، والمستعلية بأمواله وإعلامه، وصاحبة الذهنية والأنانية والعادات التي لا تحب الإسلام، ولا ترغب في أن يرشدها الإسلام والإيمان.

أطلت يا عبد الله ولم نسمع بعد عن بشرى الانقلاب.

البشرى هو أن الأمة، في مجموعها، بهذا الانقلاب تقدمت إلى الأمام خطوة كبيرة في فهمها لوضعها، واتضحت لها الصورة أكثر لمعرفة مواطن خللها والطريق الذي يجب أن تسلك. تلقت توعية هائلة وتدريبا عمليا، بمتابعة الأحداث الأخيرة، تعجز الآلاف من المحاضرات والكتب والمسرحيات و لأفلام أن تحققه في هذا الظرف الوجيز:

1- اتضحت بوضوح مواقف التشكيلة الحداثية، وانفضحت بجلاء ذيليتُها للغرب المستعمر، وانكشفت أنانيتها المستعلية وتبدد وهم الديمقراطية التي يدّعون وانكشف زيفها. “رمتني بدائها وانسلت” كما يقال، يتهمون الإسلاميين في نيتهم للانقلاب على الديمقراطية وينسون أنهم كانوا وهم اليوم متلبسون بجريمة الانقلاب عليها. يفعلون ذلك لأنهم متيقنون أن لا أمل لهم في الوصول إلى غايتهم في السلطة والتحكم في رقاب الأمة عبر صناديق الاقتراع. لذلك ركبوا الدبابة للوصول إلى الحكم وخدمة الأسياد.

ولقد أحس عقلاء الغرب بالضربة التي أصابت الديمقراطية الغربية في العمق بفضيحتها من قبل في الجزائر والآن في مصر، فاستنكر بعضهم متلعثما الانقلاب وسماه البعض ثورة. إنها ركائز الحداثة التي نشهد انهيارها. ربما اقترح لائكيونا المنافقون على الغرب تطوير مفهوم الديمقراطية بإضافة بند يقول: “لا تُقبل نتائج الانتخابات إذا أفرزت نجاح الإسلاميين. يجب إعادتها وإعادتها، وفي حالة استمرار ذلك النجاح فالانقلاب مشروع من أجل أن نثبت طابورنا الخامس في الحكم كي يخدم مصالحنا”.

انظر إلى غباء لائكيينا وسخافتهم من خلال هستريا حقدهم على الإسلام وغيظهم الذي كاد يميت أحدهم على الهواء مباشرة، ودموع الفرح التي ينشرونها على قنواتهم بعد الانقلاب.

2- انكشف أكثر قصور التشكيلة التقليدية الإسلامية، بما فيها الوهابية، وجمودها وقلة وعيها وظهر عجزها وانحباسها في سجن الإديولوجيا الإسلامية الرسمية.

3- تأكد أن مؤسسات وسياسات الاستبداد لا تزال تقاوم، لأن ما بني على مدى قرون لا يمكن أن يندثر بثورة واحدة. أمام ثورة الدولة العميقة المضادة لا بد، كما وقع في الغرب، من ثورة الجمهورية الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة. ولنسمها قومات البناء.

4- تأكد أن إعادة بناء الأمة الني خربها الاستبداد يجب أن تشتغل على الواجهات الثلاث:

* قومة على الذهنية الرعوية بالتربية ثم التربية ثم التربية ثم والتعليم.

يجب أن يشتغل العمل الإسلامي على الدعوة بالتربية والتعليم والتوعية والتعبئة بدل الإمساك بجهاز الدولة الخرب بميراث إدارة معوقة وفساد مستشر إضافة إلى الكيد والمؤامرة الاستعماريين عبر اللائكيين الحداثيين الانقلابيين .

* قومة على الأنانية المستعلية المتمثلة في الطبقة المستكبرة والمتسلطة على رقاب الأمة، بقول الحق والتربية على قوله والصمود فيه. فعلى قدر ثمار القومة على الذهنية الرعوية تتقوى القومة على الأنانية المستعلية.

* قومة على العادات الجارفة الذاتية، لكي تقوى الأمة على تغيير ما بها يجب أن تُغير ما بنفسها.

5- وجب على حملة مشروع الأمة من جماعات إسلامية أن يتعاونوا وأن يرصوا الصفوف بنضج أكثر، بعيدا عن الأستاذية والهيمنة، ووعي أقوى بالمرحلة ويستمروا في اكتساب المصداقية أكثر عند الشعب المستضعف وتعبئته في مسار البناء الدعوي التربوي والتعليمي والتنظيمي. هذا البناء الذي يُكسبه القوة الذاتية من وضوح الرؤيا والمسار، ومن علم وعمل وخلق وانضباط.

لا اعتماد لنا إلا على الله، ونعم بالله، وعلى القوة الذاتية التي نكتسبها بإيماننا وعلمنا وعملنا وأخلاقنا ووضوح طريقنا ومنهاجنا، وبوعينا بواقعنا وقوتنا المادية ووحدة صفنا وعملنا الجماعي وصبرنا. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.