أجمع العلماء: على أنه يجب الصيام على المسلم العاقل البالغ، الصحيح المقيم، ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض، والنفاس.

فلا صيام على كافر، ولا مجنون، ولا صبي ولا مريض، ولا مسافر، ولا حائض، ولا نفساء، ولا شيخ كبير، ولا حامل، ولا مرضع. وبعض هؤلاء لا صيام عليهم مطلقا، كالكافر، والمجنون، وبعضهم يطلب من وليه أن يأمره بالصيام، وبعضهم يجب عليه الفطر والقضاء، وبعضهم يرخص لهم في الفطر وتجب عليه الفدية، وهذا بيان كل على حدة.

صيام الكافر، والمجنون: الصيام عبادة إسلامية، فلا تجب على غير المسلمين، والجنون غير مكلف لأنه مسلوب العقل الذي هو مناط التكاليف، وفي حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم” 1 .

صيام الصبي: والصبي -وإن كان الصيام غير واجب عليه – إلا أنه ينبغي لولي أمره أن يأمره به، ليعتاده من الصغر، مادام مستطيعا له، وقادرا عليه. فعن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم – صبيحة عاشوراء – إلى قرى الأنصار: “من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه، فكنا نصومه بعد ذلك، ونصوم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن” 2 “فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه إياه، حتى يكون عند الإفطار” 3 .

من يرخص لهم في الفطر، وتجب عليهم الفدية

يرخص الفطر للشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، وأصحاب الأعمال الشاقة، الذين لا يجدون متسعا من الرزق، غير ما يزاولونه من أعمال. هؤلاء جميعا يرخص لهم في الفطر، إذا كان الصيام يجهدهم، ويشق عليهم مشقة شديدة في جميع فصول السنة. وعليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكينا، وقدر ذلك بنحو صاع 4 أو نصف صاع، أو مد، على خلاف في ذلك، ولم يأت من السنة ما يدل على التقدير. قال ابن عباس: رخص للشيخ الكبير أن يفطر: ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه. رواه الدارقطني والحاكم وصححاه. وروى البخاري عن عطاء: أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال ابن عباس ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان 5 مكان كل يوم مسكينا. والمريض الذي لا يرجى برؤه، ويجهده الصوم، مثل الشيخ الكبير، ولا فرق. وكذلك العمال الذين يضطلعون بمشاق الأعمال. قال الشيخ محمد عبده: فالمراد بمن “يطيقونه” في الآية، الشيوخ الضعفاء والزمني 6 ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجري من مناجمه. ومنهم المجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا شق الصيام عليهم، بالفعل، وكانوا يملكون الفدية. والحبلى، والمرضع – إذا خافتا على أنفسهما، أو أولادهما 7 أفطرتا – وعليهما الفدية، ولا قضاء عليهما، عند ابن عمر، وابن عباس. روى أبو داود عن عكرمة، أن ابن عباس قال، في قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه، كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى، والمرضع – إذا خافتا (يعني على أولادهما) – أفطرتا، وأطعمتا. رواه البزار. وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذي لا يطيقه، فعليك الفداء، ولا قضاء عليك. وصحح الدارقطني إسناده. وعن نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال: تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدا 8 من حنطة. رواه مالك، والبيهقي. وفي الحديث: “إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم”. وعند الأحناف وأبي عبيد وأبي ثور: أنهما يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما. وعند أحمد، والشافعي: أنهما – إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا – فعليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وعلى ولدهما، فعليهما القضاء، لا غير.

من يرخص لهم في الفطر، ويجب عليهم القضاء

يباح الفطر للمريض الذي يرجى برؤه، والمسافر، ويجب عليهما القضاء. قال الله تعالى: ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر.

وروى أحمد، وأبو داود، والبيهقي، بسند صحيح، من حديث معاذ، قال: “إن الله تعالى فرض على النبي صلى الله عليه وسلم الصيام، فأنزل: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) إلى قوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فكان من شاء صام. ومن شام أطعم مسكينا. فأجزأ ذلك عنه. ثم إن الله تعالى أنزل الآية الأخرى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فأثبت صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام”.

والمرض المبيح للفطر، هو المرض الشديد الذي يزيد بالصوم، أو يخشى تأخر برئه 9 . قال في المغني: وحكى عن بعض السلف: أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من وجع الأصبع والضرس، لعموم الآية فيه، ولأن المسافر يباح له الفطر، وإن لم يحتج إليه، فكذلك المريض) وهذا مذهب البخاري، وعطاء، وأهل الظاهر. والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام، يفطر، مثل المريض وكذلك من غلبه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك، لزمه الفطر وإن كان صحيحا مقيما وعليه القضاء. قال الله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. وقال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج. وإذا صام المريض، وتحمل المشقة، صح صومه، إلا أنه يكره له ذلك لإعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر. وقد كان بعض الصحابة يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يفطر، متابعين في ذلك فتوى الرسول صلى الله عليه وسلم. قال حمزة الأسلمي: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل علي جناح؟ فقال: هي “رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها، فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه” 10 ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة – ونحن صيام – قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم” فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: “إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم” فأفطروا، فكانت عزمة، فأفطرنا، ثم رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في السفر 11 وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر 12 ولا المفطر على الصائم ثم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر، فإن ذلك حسن 13 . وقد اختلف الفقهاء في أيهما أفضل؟ فرأى أبو حنيفة، والشافعي، ومالك: أن الصيام أفضل، لمن قوي، والفطر أفضل لمن لا يقوى على الصيام. وقال أحمد: الفطر أفضل. وقال عمر بن عبد العزيز: أفضلهما أيسرهما، فمن يسهل عليه حينئذ، ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقه أفضل. وحقق الشوكاني، فرأى أن من كان يشق عليه الصوم، ويضره، وكذلك من كان معرضا عن قبول الرخصة، فالفطر أفضل وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء – إذا صام في السفر – فالفطر في حقه أفضل. وما كان من الصيام خاليا عن هذه الأمور، فهو أفضل من الإفطار. وإذا نوى المسافر الصيام بالليل، وشرع فيه، جاز له الفطر أثناء النهار. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم 14 ، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه: أن ناسا صاموا، فقال: “أولئك العصاة” 15 رواه مسلم والنسائي، والترمذي وصححه. وإذا ما نوى الصوم – وهو مقيم – ثم سافر في أثناء النهار فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الفطر له، وأجازه أحمد وإسحاق. لما رواه الترمذي – وحسنه – عن محمد بن كعب قال: أتيت في رمضان أنس بن مالك، وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب 16 . وعن عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط 17 في رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه ثم قال: اقترب، فقلت ألست بين البيوت فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم 18 ؟. رواه أحمد، وأبو داود، ورجاله ثقات. قال الشوكاني: والحديثان يدلان على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه، من الموضع الذي أراد السفر منه. وقال: قال ابن العربي: وأما حديث أنس، فصحيح، يقتضي جواز الفطر، مع أهبة السفر. وقال: وهذا هو الحق. والسفر المبيح للفطر، هو السفر الذي تقصر الصلاة بسببه، ومدة الإقامة التي يجوز للمسافر أن يفطر فيها، هي المدة التي يجوز له أن يقصر الصلاة فيها. وتقدم جميع ذلك في مبحث قصر الصلاة ومذاهب العلماء وتحقيق ابن القيم. وقد روى أحمد، وأبو داود، والبيهقي، والطحاوي. عن منصور الكلبي: أن دحية بن خليفة خرج من قرية، من دمشق مرة، إلى قدر عقبة 19 من الفسطاط، في رمضان، ثم إنه أفطر، وأفطر معه ناس. وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته، قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك.

من يجب عليه الفطر والقضاء معا

وجميع رواة الحديث ثقات، إلا منصور الكلبي، وقد وثقه العجلي. اتفق الفقهاء على أنه يجب الفطر على الحائض، النفساء ويحرم عليهما الصيام، وإذا صامتا لا يصح صومهما، ويقع باطلا، وعليهما قضاء ما فاتهما. روى البخاري، ومسلم، عن عائشة، قالت: “كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة”.


[1] رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.\
[2] العهن: الصوف.\
[3] رواه البخاري، ومسلم.\
[4] “الصاع” قدح وثلث.\
[5] مذهب مالك وابن حزم أنه لاقضاء ولا فدية.\
[6] المرضى مرضا مزمنا لا يبرأ.\
[7] معرفة ذلك بالتجربة أو بإخبار الطبيب الثقة أو بغلبة الظن.\
[8] “المد” ربع قدح من قمح.\
[9] يعرف ذلك، إما بالتجربة أو بإخبار الطبيب الثقة أو بغلبة الظن.\
[10] رواه مسلم.\
[11] رواه أحمد ومسلم وأبو داود.\
[12] “فلا يجد الصائم على المفطر” أي لا يعيب عليه.\
[13] رواه أحمد ومسلم.\
[14] “الغميم” اسم واد أمام عسفان .\
[15] لأنه عزم عليهم، فأبوا، وخالفوا الرخصة.\
[16] في سنده عبيد بن جعفر وهو ضعيف.\
[17] “الفسطاط”: مصر القديمة.\
[18] استفهام إنكاري.\
[19] أي أن المسافة التي قطعها من القرية التي خرج منها تعدل المسافة التي بين مصر القديمة وميت عقبة المجاورة لا مبالغة ، وقدرت هذه المسافة بفرسخ. فقه السنة، الشيخ سيد سابق.\