ما يحدث في مصر من انقلاب عسكري بغطاء مدني، يمثل حدثا خطيرا، يغتال العملية الديمقراطية الناشئة في التجربة المصرية، التي عرفت رياح ما سمي بالربيع والثورات العربية.

حدث الانقلاب العسكري يؤشر على أن الدول العربية لازالت بعيدة عن التأسيس لممارسة ديمقراطية حقيقية، قائمة على التناوب على السلطة وعلى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع كمصدر أساسي للشرعية الدستورية والقانونية، بل الأكثر من ذلك يعرقل “تجربة الانتقال الديمقراطي العربي”، خصوصا إن اختار الشعب التيار الإسلامي.

لقد أدى حدث الانقلاب العسكري دخول مصر إلى النفق المظلم والمجهول، وسيدفع إلى الفوضى، وفقدان الثقة في العملية السياسية عموما، ولعل من بين أهم الأسباب الحقيقية التي ساهمت في الاحتقان المصري هو أن جل قطاع الإعلام يعرف فوضى حقيقية في غياب لأدنى شروط ومبادئ المهنية الإعلامية.

ونعتقد بأن جوهر العملية السياسية وجود اختلاف في المواقف والتصورات والمشاريع السياسية، التي يجب أن تحسم بالآليات وقواعد اللعبة الديمقرطية، بدل تحكّم واحتكار العسكر للقرار السياسي والذي يعود بنا إلى سنوات الظلم والفساد والاستبداد التي قامت الشعوب العربية بإسقاطها.

أكيد أن حدث الانقلاب العكسري المرفوض ديمقرطيا مهما كانت مببراته، يعطي أكثر من رسالة أن الديمقرطية العربية لا تقبل الجميع ولا يمكن أن تستوعب التنوع السياسي، بل إنها ديمقراطية المقاس والشروط التي يجب أن تحاكم لأنها تفرز الاسلاميين على مستوى الحكم.

ما يحصل في مصر له عنوان واحد وهو “انقلاب عسكري”، رغم الرؤى السياسية للتيار الليبيرالي التقدمي دعاة الحداثة والحرية والديمقراطية الذي غلّب المرجعية الإيديولوجية على المصلحة الوطنية العامة للشعب، هذا التيار ذهب إلى مجموعة من التوصيفات منها: شرعية الشارع أسبق من شرعية الصناديق، ثم إن الارادة الشعبية تسمو على الآليات الديمقراطية. فعجباً لمن كان بالأمس يعترض على التدخل العكسري وحكم الجيش، وأصبح اليوم يعطيه شرعية ديمقراطية بدل الشرعية الدستورية والقانونية التي أسست لها التجارب الديمقراطية في العالم.

قد يقول قائل إن التيار الاسلامي ارتكب أخطاء كثيرة في ممارسته للسلطة، هذا صحيح لكن هذه الأخطاء والتعثرات التي ورثها عن نظام الحكم الفاسد لما يزيد عن 30 سنة لا يمكن أن يتم إصلاحها بعصا سحرية في سنة واحدة، كان من الممكن أن نعطي فرصة ونغلب الآليات الديمقراطية في إسقاط مشروعية الرئيس وشرعيته الدستورية بعيدا عن اغتيال واغتصاب الديمقراطية.

لذلك نعتقد بأن المرحلة أخطأ فيها الجميع سلطة ومعارضة، هؤلاء قدّموا خدمة جليلة لرجوع وتصدر تيار الثورة المضادة- “فلول النظام السابقّ” الذي قامت ضده ثورة 25 يناير 2011- للمشهد السياسي المصري الذي كان هو الرابح الأكبر مما سمي بثورة 30 يونيو 2013 بدعم مباشر من طرف الجيش.

وخلاصة القول، فإن الدرس المصري يعطي عنوانا بارزا عن غياب التأسيس لحوار جامع بين مكونات المجتمع المصري، والتأسيس لمقاربة تشاركية مشتركة من طرف جميع أطياف المجتمع.

لذا فالمدخل الجوهري لتجاوز كل هذه التعثرات والأخطاء التي يجب أن يقر ويعترف بها الجميع، هو البحث عن المشترك ونسج توافقات وتحالفات مجتمعية من أجل تدبير هذه المرحلة الانتقالية بعيدا عن منطق البحث عن المنافع والمكاسب السياسية الضيقة، والتي لا يمكن الحديث عنها إلا بعد التأسيس لدولة مدنية وديمقراطية تستوعب وتؤسس للقواعد والآليات الديمقراطية التي يجب أن يحترمها الجميع.