نشرت الأستاذة أمان جرعود، مسؤولة القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، مقالا تحليليا حول ما يجري من أحداث متعاقبة في مصر، في موقع نون الإلكتروني. نعيد نشره تعميما للفائدة:

إن ما يجري على الساحة المصرية مؤخرا من عزل للرئيس المنتخب واعتقال مجموعة من الرموز السياسية والإعلامية وإغلاق قنوات فضائية وقمع للمظاهرات السلمية… وما آل إليه الوضع فجر يوم الإثنين 8 يوليوز من تقتيل لأبناء الشعب المصري وبناته على يد الجيش، حيث فاق عدد الشهداء الخمسين شهيدا فضلا عن مئات الجرحى والمعتقلين، ورغم كل المحاولات المكشوفة لتبرير ما وقع وإلباسه لبوس الشرعية والقانونية، رغم كل هذا وغيره يبقى ما حدث في مصر انقلابا عسكريا بجميع المقاييس، وانقلابا على الشرعية الدستورية المدعومة بالسند الشعبي، بل هو انقلاب وإجهاض لثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة التي جمعت أبناء الشعب المصري تحت راية واحدة وهدف واحد هو إسقاط النظام الفاسد، بعيدا عن المرجعيات والخلفيات الإيديولوجية.

وإذا كانت دماء شهداء الثورة وسام شرف، فالدماء التي سالت اليوم أمام نادي الحرس الجمهوري هي وصمة عار تلطخ صفحة ما يحاول البعض الترويج له على أنه ثورة ثانية أو ثورة تصحيحية أو غيرها من المسميات.

وإن أي محاولة لتبرير ما يقع أو مباركته، ستكون ضدا على إرادة الشعب المصري وإذكاء لواقع الفرقة والتشرذم الذي يهدم أكثر مما يبني.

إن ما يحدث اليوم في مصر لا ينبغي عزله عما تعيشه المنطقة من أحداث، وعما رسم لها ولمصر تحديدا من أدوار تأخذ بعين الاعتبار معطيات سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية، الرابح الأكبر منها هو العدو الصهيوني. فكما لا يصح تهويل منطق المؤامرة وجعله الفاعل الوحيد في الأحداث، لا يستقيم كذلك تهوينه وإسقاطه من الحسبان.

كما أن ما يجري الآن على أرض مصر، ووقع من قبل في عدد من البلدان العربية، هو فضح لكذب المتشدقين بالديمقراطية المنقلبين عليها، فضح لمنطق الكيل بمكيالين، حيث تتحول الديمقراطية إلى إرهاب فقط لأن نتائجها لا تناسب مقاسهم ولا تستجيب لمصالحهم. فعن أية ديمقراطية يتحدثون؟

وحتى إن كانت الرئاسة المصرية قد ارتكبت أخطاء في فترة حكمها التي لم تتجاوز السنة الواحدة، فهي لا تعدو أن تكون أخطاء تدبيرية لا تسلم منها أية ممارسة سياسية، ولا تبرر ما وقع ويقع وما سيقع إن لم يستوعب الجميع خطورة المرحلة وحساسيتها التي تستدعي حكمة بالغة لإدارتها، وحكمة تجعل الجميع يؤمن أن منطق الإقصاء هو منطق الضعيف، وأن شركاء الأمس في ميدان التحرير لابد أن يتعلموا كيف يصبحوا شركاء اليوم، ليصلوا بالثورة إلى أهدافها الحقيقية، وهذا لن يتحقق إن لم يكن لدى كل مكون وكل طرف استعدادا مبدئيا لتقبل الآخر، واستعدادا لتقديم تنازلات من أجل توسيع مساحات المشترك، واستعدادا لتغليب المصالح الوطنية العليا، واستيعابا لحجم التركة الثقيلة لسنوات الفساد، وإدراكا لحجم التحديات الداخلية والخارجية.

ما كانت الثورة يوما مجرد لحظة انتقالية وكفى، إنها مرحلة انتقالية بكاملها تستدعي من الجميع استفراغ الوسع لاجتيازها بسلام. وأخطأ من ظن أن الانقلاب قد يحل المشكلة بل لا يعدو أن يكون تعميقا للأزمة. إن من يصل الحكم على ظهور الدبابات لا يستحق أن يحكم شعبا، قد يستطيع قيادة دبابة لكنه حتما عاجز عن قيادة شعب.

لقد كانت أرض الكنانة دائما قلب الأمة النابض، وعليها أن تبقى كذلك فتحقن دماء أبنائها وترسم لنفسها خارطة طريق جديدة تستوعب الجميع، فمصر كانت وستظل أرضا لكل المصريين، لأن الوطن لكل المواطنين.

ثم إذا نظرنا من زاوية أخرى لا نرى فيما يحدث إلا تمحيصا للأمة، فكل ما يجريه الله تعالى في الكون يدفع الأمة لإعادة صياغة نفسها من جديد، يدفعها لتصحيح أخطائها حتى تكون بالفعل خير أمة أخرجت للناس، آنذاك تكون مستحقة لتنزل نصر الله الموعود.