إنه ليس من الإنصاف القول إن الذين خرجوا في ميدان التحرير ومحيط قصر الاتحادية ومناطق متفرقة من مصر هم أنصار الثورة المضادة، بل هم جزء من الشعب المصري خرج ينتفض على رئيس البلاد، بكل بساطة لأن ظروف حياته اليومية لم يتغير منها شيء، وربما قد زادت سوءا، لكن لا يمكن الإنكار أن أزلام النظام السابق، نظام حسني مبارك، كانوا هناك يتقدون حماسة منتظرين رحيل مرسي بفارغ الصبر. وإنه ليس من الإنصاف أيضا أن نقول إن المتظاهرين في ميدان ربيعة العدوية أو في محيط جامعة القاهرة وفي مناطق كثيرة من البلاد هم فقط من جماعة الإخوان المسلمين أو الجماعة الإسلامية، بل هم جزء من الشعب خرج ليطالب بالحفاظ على شرعية اقتنع بها وأراد أن يسير معها في الطريق إلى أن تتحقق مطالبه. وبمعنى أكثر إجمالا إن للفئتين مطالب، فئة ترى أن نظام مرسي كفيل بتحقيقها وفئة أخرى ترى أن مرسي وجماعته لن يزيدوا الوضع إلا تأزما، وفريق ثالث منصهر وسط الجماهير يلملم أشتاته ليتقوى من جديد يحاول جاهدا أن يعود إلى مواقعه الأساسية التي انسحب منها بعد ثورة 25 يناير.

صدر بيان الجيش الثاني، وبدا للعالم أن هناك فريقين: منتصر ومنهزم، احتفالات عند “المنتصرين” وحزن عند “المنهزمين” هكذا رئي المشهد عبر وسائل الإعلام، لكن هل هذه هي حقيقة الأمر؟ في اعتقادي إن الوضع مختلف تماما إن تعالى “المنهزمون” عن جراحهم واستيقظ “المنتصرون” من نشوة فرحهم.

نعم هناك خاسر ورابح، أما الرابح فهي الثورة المضادة وفلول النظام السابق، وأما الخاسر فهو مصر وشعبها. وقد يبدو هذا الحكم متحيزا مجانبا للموضوعية مفتقدا الدقة، ولذلك كان لزاما سد هذه الفجوة كي لا يظهر الكلام أنه انتصار لمرسي وأنصاره وبخس وتقليل من شان معارضيه، فنقول إن إدارة الرئيس مرسي ارتكبت عدة أخطاء، وليست المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والفساد في الإدارات وغيرها من صنيعه ولا هو قادر أو مطالب بالقضاء عليها كلها فهذا إرث السنين ويحتاج إلى سنين، وما يمكن القول إن مرسي وإدارته قد فشلوا في توحيد الصف الوطني فلم يقدم تنازلات كافية ترضي جميع الأطراف، والحقيقة لا يجب أن نسميها تنازلات فالتنازل يكون صاحبه في إحدى الحالتين: الإكراه أو الطواعية، وما كان على مرسي أن يقدمه للأطراف الأخرى ليس فيه إكراه لأنه احتكم إلى الآليات الديمقراطية فأعطته وأنصاره الأغلبية، وليس فيه طواعية لأنه ليس في رفاهية تجعله يعطف على الآخرين فيعطيهم بمقدار، ولكن المنطق يقول إن كل من شارك في هدم النظام الفاسد من حقه أن يشارك في البناء، أي أنه حق له وإن لم تعطه الصناديق أغلبية، لأن الصناديق والآليات الديمقراطية وسائل اخترعها الإنسان فهي ليست مقدسة، لكن هناك قيم إنسانية مقدسة يجب احترامها والعمل بها، من تعاون وتشارك في البناء واستثمار الطاقات وعدم تعطيلها وردم هوة الخلافات وغير ذلك. ورحم الله الإمام المجدد عبد السلام ياسين الذي ترك علما غزيرا ينتفع به في كيفية إدارة الدولة بعد إسقاط الاستبداد، فلا يتم التأسيس لاستبداد بعده بل يشترك كل الصادقين مهما كانت مرجعياتهم لصياغة ميثاق على أرضية إسلامية يرضى به الشعب ويصوت عليه، ميثاق يحدد معالم الغد فلا يطغى القوي ليستبد بالضعيف، ميثاق يحقن الدماء ويتيح الفرصة للجميع للانخراط في البناء.

وإن كنا نحمل إدارة الرئيس مرسي قسما من المسؤولية عن هذا الانقسام الداخلي فإننا لا نعفي المعارضة التي مارست طوال هذه المدة السلبية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهي جعلت نفسها في موقع اللامسؤولية، بل كانت تحاول جاهدة تسخير كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لابتزاز مرسي وإدارته. وخلاصة الأمر إن مصر لم تجد رجالا حكماء بالقدر الكافي يتعالون على الحسابات الضيقة والجزئيات السياسة لينصهروا في بعضهم البعض ويجعلوا مصلحة مصر فوق كل الاعتبار.

والآن قد عزل مرسي، ماذا بعد ذلك؟ هل ربح المعارضون وهزم المؤيدون؟ كما يحلوا للبعض تصوير ذلك، أم ماذا خسر المصريون برحيل مرسي؟

لم تكن المعارضة السياسية هي التي ملأت ميدان التحرير ولا الفلول وإن حشدوا، كانوا حاضرين، لكن الحاضر بقوة هو المواطن البسيط الذي لم يرى شيئا تحقق منذ ثورة 25 يناير، هذا البسيط المسكين الذي أرهقته المشاكل اليومية والأزمات المتتالية يطمح إلى زوالها ويتمنى لو يغلق عينيه ويفتحهما فيجد الدنيا قد صارت جنة حوله، هذا المواطن البسيط الذي سيغادر الميادين عائدا إلى بيته سرعان ما يكتشف أن الواقع الذي كان قبل 30 يونيو هو نفسه الواقع بعده، وتدور الأيام وتعود عجلة المشاكل اليومية تطحنه من جديد وربما بشكل أعنف. إذن ماذا خسر؟ لقد خسر فرصة أن يتحول من مطالب إلى حامل أعباء نهضة الوطن إلى جانب قيادة اختارها بنفسه، لكنه لم يصبر معها ولم يثبت ولم يقتنع بفكرة قسمة التضحيات لأن الإرث الذي تركه الفساد ثقيل يحتاج إلى صمود ووقت. ويقول قائل الآن يختار الشعب قيادة جديدة ويكمل معها المشوار، الأمر مختلف فليست القيادة التي خرجت من رحم ثورة توحد فيها الجميع وهي قيادة عانت ما عانى الشعب قبل وأثناء الثورة مثل القيادة التي جاءت بعد انقلاب.

أما المعارضة التي لا تقدر فرحتها برحيل مرسي من سدة الحكم فهي ضعيفة كفاية بحيث لا يمكنها إلا أن تكون تابعة للجيش وإملاءاته، فهي خاسرة على كل حال وإن رفضت قوانين اللعبة التي سيفرضها الجيش فسيكون عليها أن تنحاز إلى صف أعداء الأمس . إن معارضة الأمس التي شاركت في الانقلاب على الرئيس سيكون عليها أن ترضى بالفتات الذي يتبقى بعد ما يعود الفلول إلى مواقعم التي انسحبوا منها سابقا، وبعدما يعود الجيش ليتمكن من مفاصل الدولة كما كان.

ومما لا يخفى على أحد إن النظام القادم سيكون أقوى بكثير وأكثر تماسكا من نظام مرسى لسببين: الأول أن الجيش لن يقف على الحياد هذه المرة بل سيعود إلى ما كان عليه سابقا، والثاني أن أعوان نظام مبارك سيعودون إلى مواقعهم بصيغة جديدة على صدورهم أوسمة المحررين الأبطال بعدما أعطاهم انقلاب 30 يونيو فرصة ذهبية، وعند ذاك سيكون صعبا على المواطن البسيط الذي لم يجد تغييرا حقيقيا في واقعه ولن يجده أن يقوم بانتفاضة أخرى.

لقد أعطت إدارة الرئيس مرسي والمعارضة معا الفرصة للنظام القديم كي يعود إلى المشهد، وهذه المرة بشكل أكثر تأقلما مع الظروف الجديدة، ليكون الخاسر الأكبر هو مصر التي بدأت تتساقط الثمار التي على أغصانها، تلك الثمار التي خرجت من زهرات شباب سقطوا في ثورة 25 يناير 2011.