إن الثورة المصرية التي بدأت منذ الخامس والعشرين من يناير 2011 ميلادية قد أدهلت العالم، وأرهبت الأعداء خاصة في أمريكا و”إسرائيل” والدول العربية التي لم يحدث فيها أي تغيير، وبالأخص دول البترودولار، ولا أدل على ذلك تلك التهاني التي جاءت مع الانقلاب على محمد مرسي الرئيس المنتخب ديمقراطيا في جمهورية مصر، فيما يسمى بالجمهورية الثانية. لكن الكيد الذي تعرض له الرئيس منذ توليته، وما كيل له من الانتقادات اللاذعة التي لم يتعرض لها زعيم قط، حتى في الدول التي يقال عنها ديمقراطية، يصب في خانة إفشال تجربة الاسلاميين في مصر، والمشروع الاصلاحي الذي جاء به الرئيس.

قد نتفق أن الرئيس قام بأخطاء،كما الناس يخطئون ويصيبون، لكنه لم تتلطخ يديه بالدماء، ولم ينتهك الأعراض، حتى نقف حجر عثرة ضده، وكأننا لو أتينا بملحد أو ليبرالي، أو تقنواقراطي سيقوم بأحسن مما قام به في هذه الفترة الوجيزة. لكن المتربصين بالإسلام والإسلاميين شرا استغلوها للقضاء عليه، ومن وراء ذلك القضاء على المشروع الاسلامي وتصويره للعوام بالخائب والفاشل. تلك شنشنة نعرفها من همزهم ولمزهم في قنوات الاعلام المغشوشة والمفضوحة، وقد استغلت القوى الغاشمة والمعادية لمصر هذه الأخطاء لتركب عليها وتمني الشعب الطيب بأنها صاحبة الخلاص، وقد خططوا للانقلاب على الشرعية التي بناها الشعب بدم الشهداء وعرق المستضعفين، فلما سنحت لهم الفرصة جاءوا لينقضوا على السلطة، وفي سرعة البرق انكبت المساعدات والتمويلات التي كانت منقطعة عن مصر، وتتالت البرقيات بالتهاني لشعب مصر، في الحقيقة لجيش مصر، لتبارك له انسلاله من النافذة الخلفية إلى الحكم، وخرست ألسن دعاة الديمقراطية، لأنه والحالة هذه كان الانقلاب ضد الظلاميين بزعمهم، وانفرجت أسارير المغرضين الحانقين على حكم الاسلاميين. جوقة إعلامية مفضوحة !

وها هو فرعون المستبد رجع ليحكم، وبدأت سياسة تكميم الأفواه، وغلق المكاتب التابعة للحركات الاسلامية، والاعتقالات بالجملة، وتلفيق التهم، ونشر الاشاعات الكاذبة، في ظرف وجيز، مما يظهر أن المتآمرين من الجيش، والشرطة، والقضاء، والإعلام، كانوا ينتظرون الفرصة، ينتظرون صرخة من بضعة آلاف من الناس ليعلنوا انقلابهم، بدعوى تخليص الشعب. تلك الفرصة التي استغلها السامري ليصنع لبني إسرائيل عجلا له خوار، يعبدونه من دون الله. بنفس الاتقان السامري الجهنمي للعجل، والتضليل لبني إسرائيل في غيبة موسى مع حضور هارون عليهما السلام، تمت المؤامرة على مرسي وإخوانه في حضورهم وغيابهم في نفس الوقت.

لكن كل ذلك كان متوقعا وليس مستغربا، فالجيش تربى في أحضان ماما أمريكا وخاصة القادة، والإعلام ألف المال الحرام فكانت بضاعته خسيسة ودنيئة، وكذلك القضاء والشرطة هم بقايا النظام السابق الذي ربى الجميع على الامتيازات الباطلة، والمكافأة على الانجازات الوهمية، أما رجال الأعمال وتوابعهم من الفنانين فقد استمرؤوا المال الحرام في الكسب والإنفاق، كل هذه التكتلات اتحدت لما تصادم مشروع الرئيس مع هذه المصالح الفئوية، مصالح الطغمة التي كانت تمتص دماء الشعب لعشرات السنين، وتتحالف ضد مصالح الوطن، وحين اجتمعت هذه المصالح واتحدت جهود أصحابها، تألبوا على ممثل الشعب الوحيد محمد مرسي واتفقوا على الانقلاب عليه. لكن المستغرب ليس قيام هؤلاء بالتحريض على الانقلاب، إنما يكمن في قيام بعض رجال الدين بالتسويق لهذا الانقلاب وإعطائه الشرعية، لا ندري لماذا يسوق الانقلابيون لعملهم الدنيء هذا باستجلاب الرموز الدينية.

من المفارقات أن نجد أغلب الليبراليين واللائكيين في خطاباتهم ومبادئهم يؤكدون مبدأ فصل الدين عن السياسة، لكن حين يقفزون على الحكم بطرق غير شريفة، تجدهم يوظفون الدين لأجل مصالحهم، هنا نقف وقفة مع هؤلاء المتناقضين مع مبادئهم. ونقول كونوا صريحين مع الشعوب فأنتم ميكيافليين وصوليين، فقد حققتم مآربكم قفزا على مبادئكم، ولن نسمح لكم بالاستدلال بها أمام الشعوب مرة أخرى. لأن من باع مبادئه سيبيع وطنه. ولا تحتجوا بدائكم هذا في وجوه الاسلاميين، الذين تتهمونهم بالوصولية، ويصدق فيكم، قول القائل رمتني بدائها وانسلت.

أما الرموز الدينية فتناقضاتها مع دينها أشد وأخطر، هذه الرموز التي تلبس تارة لبوس الحكمة ودرأ الفتنة، في مواقف بحث الشعوب عن حريتها واسترداد كرامتها، وتلبس لبوسا آخر حين يكون الأمر انقلابا على الشرعية وإرادة الشعوب، حينها تظهر بمظهر الناصح الأمين، فتأر الناس بالانصياع والطاعة وعدم الخروج على الحاكم، ويُلِّبسون على الناس دينهم بنصوص شرعية، مرة يوظفونها لخدمة الاستبداد، ومرة يعطلونها لخدمة الاستبداد أيضا، وليس ذلك إلا حسب الظرفية والمصلحة، والتبعية لأولي النعمة وأصحاب الفخامة. وهذا هو التلاعب بالدين بعينه.

هكذا ظهر رمزان دينيان أحدهما أحمد الطيب شيخ الأزهر، والآخر تواضروس الثاني بابا الاسكندرية في مصر، ليبصموا بالعشرة على الانقلاب وليطالبوا الطرف الثاني وهم الأغلبية الشعبية بالانصياع والاستسلام للأمر الواقع. وتطييب خواطر الشعب ببعض النصوص الشرعية، هنا في مثل هذه المواقف، نقول للماركسيين قد صدقتم إذا قلتم الدين أفيون الشعوب، فهؤلاء جاءوا لتخدير الشعب، وقتل إرادته. ونقول للائكيين قد صدقتم إن قصدتم بفصل الدين عن السياسة إبعاد هؤلاء السذج عن المشهد السياسي، لكن هؤلاء وهؤلاء لا يريدون إبعاد كل من يخدم مصالحهم من رجال الدين، أمثال هؤلاء.

إن المفسدين يُرهبون الناس بالأمناء على الدين؛ الذين جاءوا ليقولوا للناس: إن الدين جاء ليوجه السياسة لتخدم مصالح العباد، ولا تناقض بين الدين والدولة، بل لا بد من دعوة ودولة تسيران وفق خط متواز، ويحمل هذا الهم الأمناء على الأمة، ذلك ما لا يريدونه، ولا يستسيغونه. إن ما وقع في مصر يستدعي من كل غيور على الأمة، وخاصة ممن يُستغلون من رجال الدين للتسويق لبعض السياسات التي لا تخدم الإسلام ولا المسيحيين في مصر، وذلك بإعادة النظر في فهم ما يجري، وأن لا يكونوا أداة لتقويض الأمة المصرية التي هي اللبنة الأساسية في بناء صرح الأمة الإسلامية. ولذا فعلى رجال الدين أن لا يخادعوا الناس بعمائمهم وصلبانهم للترويج لسياسة طرف على طرف، أو تمويه العوام بدلائل مجتزأة أو اجترار لاجتهادات فقهية قد مضت خدمة لمشروع يهدم ما تبقى من إرادة الأمة وانعتاقها من طاغوت الحكم الجبري العضوض.

أما المحتجين بإثارة الفتنة من المتفيقهين فنقول لهم، إن أكبر فتنة أن ترى الحق يغتصب فيخرس لسانك، أو تغلف صمتك الباطل بنصوص شرعية دينية كاذبة، حبا للدعة وانصياعا للباطل، ولا عذر لك عند الله، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولنا في الحسين عليه السلام سبط النبي الأمين عليه الصلاة والسلام قدوة ومثلا أعلى.