ما أشبه اليوم بالبارحة؛ البارحة من سنة 1992 لما تحالف بعض مدعي الديمقراطية في الجزائر مع العسكر للانقلاب على الشرعية الانتخابية بإلغاء نتائج الدور الأول الذي اكتسحته الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ثم غرقت البلاد بعدها حتى أخمص قدميها في أنهار من الدماء أكثر من عشر سنوات. وكان كل ذلك تحت غطاء كثيف من خطابات التخويف من نوايا الإسلاميين بـ”كسر سلم الانتخابات بعد الصعود”. ومنذئذ والبلاد تحت الحكم العسكري الاستبدادي حقيقة وإن اختبأ وراء الانتخابات والمؤسسات شكلا وواجهة.

أما اليوم فهو ما نراه من تحالف بعض أدعياء الثورة في مصر مع العسكر للانقلاب على أول رئيس منتخب بعد عقود الاستبداد المظلم. والحقيقة أن الانقلاب لم يحدث يوم 30 يونيو 2013، بل حدث مباشرة بعد الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة حيث خرج معارضو الرئيس بسياسييهم وإعلامييهم ليطلبوا بكل “جرأة” من محمد مرسي التنازل لحمدين صباحي. ثم تأكد الانقلاب بصورة كاملة لا لبس فيها ليلة انتخابات الجولة الثانية حيث صوت الكثير من هؤلاء لشفيق قائد الفلول. ومباشرة بعد فوز الدكتور مرسي بالرئاسة بدأ مسلسل التنفيذ العملي للانقلاب في خطوات منسقة بشكل واضح بين أركان الجيش والشرطة وعدد من أدعياء الثورة والقضاء. فأركان الجيش والشرطة الذين خرجوا اليوم ليعلنوا انحيازهم للإرادة الشعبية وللضرب بقوة على يد كل من “يفسد على الشعب فرحته بالثورة” انسحبوا في اليوم الثاني لانتخاب مرسي رئيسا بشكل كامل من الشوارع وتركوها مستباحة لبلطجية الفلول ومتطرفي المعارضة ليروعوا الناس ويقطعوا الطرقات ويقنصوا مؤيدي الرئيس ويحرقوا مقراتهم. وكأن الأغلبية التي صوتت على الرئيس وأكدت هذا الاختيار مرة أخرى من خلال تصويت ما يناهز ثلثي الشعب على الدستور، وكأن كل هؤلاء ليسوا شعبا ولا اعتبار لإرادتهم.

وقد كان شعار المعارضة الواضح هو التعطيل والعرقلة ورفض كل شيء إلا أن يكون إذعانا كاملا لشروطهم التي لا حد لها لا بمنطق التوافق ولا بمنطق الصناديق الانتخابية.

والمؤسف أنهم وظفوا في حربهم هذه كتيبة من اﻹعلاميين التي طالما بيضت صفحة مبارك ونظامه المستبد، فقد تسلحت بكل ما في قاع قاموس السباب والتهجم والقذف والتحريض ضد مخالفيها، بل اتخذت من استديوهاتها غرف عمليات لتحديد الأهداف المطلوب ضربها، ومع ذلك لم تُمنع قناة ولا سُجن إعلامي. هذه الكتيبة نفسها خرج دهاقنتها ليلة الانقلاب على قلب متآمر واحد حاملين الطلاء الأسود ليزيدوا سوادا إلى تسويد الجيش لشاشات القنوات الإسلامية بتسويغات عدائية لا علاقة لها لا بالموضوعية ولا شرف المهنة المفترى عليه. فما قول هؤلاء لو أن الرئيس مرسي استعمل نفس مبررات “الإجراءات الاحترازية” و”ضرورات اللحظة الثورية” في تعامله مع المعارضة وإعلامها؟

أما القضاء فكان هو ضابط إيقاع كل هذه الحروب الشعواء، حيث حل مجلس الشعب، وحل الجمعية التأسيسية، وبرأ معظم رموز نظام مبارك، وحفظ جل قضايا البلطجية الذين عاثوا فسادا وتخريبا وحرقا وقتلا خلال السنة الماضية، ثم انتهى قبيل الخطوة الأخيرة من الانقلاب بإعادة النائب السابق إلى منصبه لينصب المشانق لمؤيدي الرئيس مرسي والشرعية.

إن الوضع المصري اليوم، والذي جاء بعد ثورة 25 يناير العظيمة، يقدم لنا مجموعة من الخلاصات الأساسية:

أولا: أن تجد الثورة كل تلك المقاومة الشرسة من المستبدين والمنتفعين ليحافظوا أو يستردوا ما كانوا يضعون أيديهم عليه من ثروات بالنهب والاختلاس وما يشيعونه في المجتمع من رذائل وشقاق، فهذا أمر طبيعي ومتوقع. فقد ينحنون للعاصفة لكنهم يستمرون في تأجيج النار من تحت الرماد الذي عششوا تحته سنين طويلة في شكل أخطبوط متجدر في الإدارة والجيش والقضاء والإعلام.

درس الحرية عبر التاريخ يقول بأن جولات وصولات الصراع مع الاستبداد لا تزيد القوى الشعبية الحرة إلا منعة وصلابة وتجدرا في المجتمع، وقوة وصدقية لمنطقها بألا لقاء مع الاستبداد، لأنه لا يقبل بأقل من أن يكون استبدادا مطلقا. لذلك فالحاسم في المعركة مع الاستبداد لن يكون إلا من خلال التجدر المتواصل وسط المجتمع تهييئا لجبهة شعبية قوية مكتسحة عارمة، لها أمام كل جحر من جحور الاستبداد متراس منيع.

والآكد من هذا أن ما حدث في مصر سيشكل أنصع لوحة إيضاح ولحظة أخرى مهمة من لحظات الفرز البين المطلوب في اتجاه التغيير الجوهري.

ثانيا: نعم إنها لوحة إيضاح جديدة أمام الشعوب المسلمة حتى تحدد اختيارها بشكل واضح وحاسم. فما حدث في مصر يضع الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن تسير الأمور على شاكلة ما وقع في الجزائر، حيث أحكم العسكر قبضته على كل المشهد على أنقاض وديان من اﻷشلاء والدماء التي ثبت أن جلها كانت تقف وراءها عصابات المخابرات. وإما خيار تغليب المصلحة العليا للأوطان والتي تبدأ بتقدير جميع الأطراف لدقة المراحل الانتقالية ومقتضياتها التي تتطلب قدرا كبيرا من إرادة العمل المشترك والتوافق وبناء الثقة تمهيدا للوضع الطبيعي الذي يصبح فيه الجميع مستعدا لتقبل نتائج التنافس والاحترام التام ﻹرادة الشعب واختياراته.

ثالثا: إن كان الربيع العربي طرح على الإسلاميين سؤال تدبير الحكم وممارسة السلطة، فإنه طرح علامة استفهام حقيقية وكبيرة على إيمان “الديمقراطيين” بالديمقراطية، ففي مصر ورغم أن الدكتور محمد مرسي حصل، ومن ورائه جماعة الإخوان المسلمين وغالبية التيار الإسلامي، على ثقة الناس في الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والبرلمانية والدستورية، فإن التيارات المخالفة لم تقبل أن يستلم خصمهم السلطة ومقاليد الحكم وينفذ برنامجه الذي صوت عليه الناخبون.

ورغم إيماننا العميق أن إدارة المجتمعات والدول، بله المراحل الانتقالية، تدار بالحس التشاركي والمسؤولية الوطنية والتعاون الصادق لنهضة البلد والخروج بها سالمة من مطبات ومنعرجات بناء الدولة الوليدة، ورغم وقوفنا عند الأخطاء الكثيرة المرتكبة من قبل الرئاسة المصرية، إلا أنه ما ينبغي لعاقل أن يبرر انقلاب العسكر على رئيس منتخب، ولا لديمقراطي حقيقي أن يسوغ إقصاء فصيل واعتقال قياداته وإغلاق قنواته ومنعه من الفعل والحركة والعمل.

رابعا: إن الفرقاء والمختلفين وجدوا داخل وطن ليعيشوا فيه جميعا ويتعايشوا. نعم نتفهم أن هذا الحديث قد لا يجد آذانا صاغية والديمقراطية المدَّعاة تسحل على الهواء مباشرة بأياد عسكرية وبمباركة المتغنين بالديمقراطية داخليا وإقليما ودوليا، ولكننا ننظر بعين المستقبل الذي لا يمكن أن يستحوذ فيه فصيل ولا أن يضطلع ببنائه طرف.

لا شك أن تنافس المشاريع والرؤى سيبقى وسيظل، ولا غرو في أنه ثراء للوطن والدولة والمجتمع إن حمله العقلاء. لذلك على الجميع أن يحسم مواقفه إزاء الاختلاف والتعدد والتداول والتنافس والانتخاب والشرعية ووظيفة العسكر والعلاقة مع الخارج… لأن ما حصل في مصر يرجعنا إلى المربع الأول في أبجديات السياسة من أجل مساءلة الجميع عن حقيقة القناعات الراسخة والمواقف المبدئية.