من أَكْيَسُ النَّاسِ، ومَنْ أَعجزهم مع نفسه؟

تتناوش الإنسان وتتخطفه وتنسيه، آدميته وبشريته وإنسانيته. اليوم؛ “حزمة” من المشاغل و”باقة”من الأحزان، ومجموعة من الإكراهات، وعدة عقبات، وأكثرها فتكا النفس التي يحملها الإنسان، فهي سرعان ما تَحمله إلى ما تريد لا إلى ما يريد، تُعدمه الإرادة، وتُحمله ما لا يطيق. وللناس موقفان أمام هذه التحديات: مستسلم لها ومتسلح ضدها. ذلك لأن الإنسان هو مجموعة من الطباع البنيوية: طباع الملائكة وطباع الشياطين وطباع الوحوش. والتطبع تصنع وتبديع وتهذيب في الطباع. فالطابع الملائكي مثالي عند الإنسان. لكن تمثله في الصفات والأفعال قابل للتطبيق في السلوك والمعاملات: عند مغالبة النفس ومخالفة الهوى ومجانبة الجهل. تلك هي النفس اللوامة. أما الطابع الشيطاني فسهل البلوغ، لأنه تجرد من الإنسانية وتقمص للأفعال الشيطانية: قناع المكائد. ومنازعة الله تعالى، ومسخ الهوية البشرية، وطمس القيم الآدمية، وهدر الفطرة الإنسانية. تلك هي النفس المريضة. أما الطابع الوحشي، فتُكسبه النفس الإمارة بالسوء، تلك التي تتزعم الفساد والكبر والثراء الفاحش والجشع والظلم والغطرسة. من الطبيعي أن الإنسان فيه غريزة الجنس والأكل والشرب وحب التملك والجاه والسلطة… لكن الفطن والعاقل والكيس هو الذي يضع الأمور في نصابها ومشروعيتها وشرعيتها، ويكبح النفس ويتحرى الفطرة السوية لكسب النفس اللوامة. أما العاجز فهو الذي يطلق العنان للنفس ولا يفطمها بل يعبدها. فالناس في منظور خبير البشرية، رسول الله صلى الله عليه وسلم إثنان لا ثالث لهما:

عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني” 1 .

الكَيّس.. رياضة النفس

– روى ابن أبي الدنيا والطبراني رحمهما الله بإسناد جيد عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: “أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشِرَ عَشرَةٍ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: “أَكْثَرَهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَشَدُّهُمُ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ. أُولَئِكَ هُمُ الأَكْيَاسُ. ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ””.

– ورد في الخبر: “إِنَّ لِرَبِّكُم في أيَّامِ دَهْرِكُم لَنَفَحَاتٍ، أَلاَ فَتَعَرَّضُوا لَهَا”. الله تعالى جعل للإنسان العقل مناطا للتكليف، لأجل التمييز والتخيير والتقليب تحت مبدأ لا إكراه في الدين، جاعلا له الإرادة الحرة. قال سبحانه: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا 2 ، فللكيس منا، فرص للعمل ونفحات تربوية وربانية يغتنمها في مواسم الخير، ويروض نفسه ويعودها فعل الخيرات وترك المنكرات. فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته. ومن علامات النجاح في النهايات الرجوع الى الله في البدايات) كما قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حكمه العطائية. فأمامنا موسم الرياضة النفسية، والتربص الوجداني، والمحك الإيماني، رمضان، استعدادا لخوض مباراة السد مع النفس الأمارة بالسوء وهزم السلطة الخاضعة والنفس الأمارة بالسوء. فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، اللهم بلغنا رمضان”.

ما أكرم الله تعالى، يعرضنا للنفحات، ويقحمنا في الخير، ويهيئ لنا المحطات، ليرفع هممنا إليه، ويمنحنا الفرص الإضافية، والمحطات الاستدراكية، لإغناء رصيد بنكنا العملي. فتش عن هامش الربح في المنظومات والمذاهب العالمية، لا تجد الحسنة بعشر أمثالها إلا في الميزان الإلهي. وابحث في الاتجاهات التجارية في العالم، لا تجد مبدأ، قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 3 ، أية تجارة هذه؟ أي بيع هذا؟ فالمال مال الله والنفس بيد الله وأنت عبد من عباد الله.

العاجز.. ريادة النفس

ما أحوجنا جميعا، والعاجز منا خاصة، إلى من يذكرنا بالنبإ العظيم، في قوله تعالى: عم يتساءلون. عن النبأ العظيم. الذي هم فيه مختلفون 4 . وقول الحق عز وجل: إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وأثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين 5 . ما أحوجنا إلى من يسقط النفس الأمارة بالسوء، من على عرش بشرينا وإنسيانينا وآدميتنا. ويروضها لتكون قلبة للتعايش والألفة معنا. ما أحوجنا إلى من يقلب كياننا بتوبة نصوح. ففي الأثر “من فتح له باب من الخير فلينتهزه. فإنه لا يدري متى يغلق عنه”. ويقول العارف بالله الإمام عبد القادر الجيلالي رحمه الله. في الفتح الرباني، يا قوم انتهزوا واغتنموا باب الحياة مادام مفتوحا، من قريب يغلق عنكم، اغتنموا أفعال الخير مادمتم قادرين عليها. اغتنموا باب التوبة وادخلوا فيه مادام مفتوحا لكم. اغتنموا باب الدعاء فهو مفتوح لكم. اغتنموا باب مزاحمة إخوانكم الصالحين فهو مفتوح لكم)، إن لم نغتنم رمضان فقد نكون قد ضيعنا اللبن في الصيف. وقد نكون من المغبونين الذين فوتوا فرصة التحكم في الذات والحسم مع النفس. وقد نكون قد رسبنا في مدرسة الصبر…

نحن في شغل شاغل مع الأنباء الكونية: أخبار المخاض العسير الذي يمر به العالم، والمحن التي تعيشها الأمم، ومآل الشأن العام الوطني والمحلي، والهم الخبزي المعاشي، وتتبع سراب الحلقات والمسلسلات الخيالية، والانغماس في الدردشات الاليكترونية الوهمية… التي تسرق منا الوقت الذي هو عمرنا، وتختلس مالنا الذي هو عصب حياتنا، وتعطل عقلنا الذي هو مناط تكليفنا، وتنسينا آخرتنا التي إليها معادنا… ما أحوجنا إلى مؤذن اليكتروني وفايسبوكي، يذكرنا بأداء الصلوات الخمس، في الوقت الذي يريد الله لا في الوقت الذي يريد عبد الله، ما أحوجنا إلى واعظ اليكتروني وفايسبوكي، يذكرنا بغض البصر وزنا العين. ما أحوجنا إلى منبه اليكتروني وفايسبوكي ينبهنا إلى عمرنا الذي أفنيناه أمام الشاشة، ومالنا الذي صرفناه في اقتناء الشاشات، وصحتنا التي ذبلت بسبب الأشعة التي تسلطها الشاشة، على الحواس. ما أحوجنا إلى مساعد اجتماعي اليكتروني وفايسبوكي، يجمع الروابط الأسرية والاجتماعية والعاطفية الحقيقية، التي مزقتها الشاشة، وجعلت أفراد المجتمع رهائن الحلقات التي تعرض على الشاشة…

أيها العاجز منا، ما حك جلدك إلا ظفرك، فإرادتك هي إدارتك لنفسك. غدا يوم القيامة لا يضرك لا زيد ولا عمرو إن ضل أو اهتدى، لا ينفعك مَلك أمام مالك الملوك، ولا يشفع لك مُلكك أمام ملك الموت، ولا يجيرك جاهك أمام الجبار، ولا مالك أمام المصير، ولا تنفعك حيلتك أما العلام، ولا تقدر على الفرار، فأين المفر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا. وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا” 6 . فالبدار البدار، والرفيق قبل الطريق، والزاد للطريق، وإعداد الجواب للسؤال قبل فوات الأوان… قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية. أو علم يُنتفع به. أو ولد صالح يدعو له” 7 . فالعهدة إذن على العمل. ورحمة الله أوسع من العمل. واقتفاء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عين علم العمل، والإرادة رغبة في العمل. والصدق برهان العمل. والنية أبلغ من العمل. يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: وما المراد من العلم إلا العمل؟)، عرفت يا أخي فالزم. ما دامت لك القدرة والاستطاعة فاعمل. أمامك الفرص فاغتنمها. لا تغتر بمالك. ولا تعجب بصحتك. ولا تأمن من الحياة. ولا تضمن فراغك… روي عن ابن أبي الدنيا: أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب وطول الأمل، والحرص على الدنيا)، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك).

سيوضح لك رمضان، وستسنتج من رمضان، وتستخلص من رمضان، أن صلاح النفس سهل يحتاج إلى إرادة وبيئة مساعدة ومحتضنة. يا سعادة من يستخلص الدروس ويستنتج العبر ويتعظ بالعظات، يا فلاح من يستبدل العادات بالعبادات لينال الأجر من الله. في رمضان لابد من تحديد: مشروع تربوي وهدف اجتماعي ومقصد اقتصادي ومبتغى تعليمي… لماذا لا أقلع عن التدخين في رمضان؟ لماذا لا اعتزم الحفاظ على الصلاة في رمضان؟ لماذا لا أقلع عن العادات السيئة في رمضان؟ لماذا لا أتعلم تنظيم حياتي ووقتي في رمضان؟ لماذا أبخل عن ممارسة رياضة النفس؟ لماذا لا أعتبر رمضان هذه السنة آخر فرصة لي للصلح مع الله ومع الذات ومع المجتمع؟ لماذا لا أصوم صوم مودع؟ لماذا أنقلب على أعقابي بعد رمضان؟


[1] رواه الترمذي وقال حديث حسن. قال الترمذي وغيره من العلماء: معنى دان نفسه: حاسبها.\
[2] الملك الآية 2.\
[3] التوبة 111.\
[4] سورة النبأ، الآيات 1-3.\
[5] يس الآية 12.\
[6] رواه ابن ماجة.\
[7] رواه مسلم.\