ما تعيشه مصر اليوم هو مخاض طبيعي لِسُنة التدافع بين مكونات المجتمع المصري، بعد أن قامت ثورة عظيمة كان من نتائجها إسقاط نظام استبدادي فاسد وقيام نظام جديد مكانه، جسد في نظر البعض إفرازا حقيقيا لثورة 25 من يناير وتعبيرا عن الإرادة الشعبية، وترى فيه المعارضة استمرارا لنظام مبارك، إذ لم يحقق أهداف الثورة وإنما التف على مطالبها من خلال “أخونة الدولة”.

هذه النظرة المختلفة، أوقعت مصر في حالة من الاستقطاب الشديد بين المعارضين والمؤيدين وأدخلت البلاد في دوامة من العنف والعنف المضاد وارتكاب الأخطاء المتكررة الناتجة عن عدم استقرار البلاد… مما جعلها بين مرحلتين أو خيارين.

في البداية لا بد من التأكيد أن القوى السياسية المختلفة في مصر قد ارتكبت أخطاء كثيرة ومتكررة سواء من طرف المشاركين في الحكم أو القوى المعارضة له، فالطرف الأول لم يساهم بالشكل المطلوب في احتواء الأطراف السياسية المختلفة، كما أنه لم يقدم تنازلات تجعل المعارضة تساهم معه في بناء مصر الجديدة وتأخر في اتخاذ قرارات تاريخية وثورية تحقق أهداف الثورة وتقطع مع الجيوب المقاومة لها.

أما المعارضة فقد ارتكبت كذلك مجموعة من الأخطاء القاتلة والتي جعلت رصيدها الشعبي يتقلص واكتفت بالنقاشات داخل الصالونات المكيفة في القنوات الفضائية أو عبر تغريدات عاجزة على المواقع التواصلية. ويمكن تلخيص هذه الأخطاء في عدم القبول بتنظيم سياسي ذي مرجعية إسلامية داخل الحكم وبالتالي اعتبار نجاحه نجاحا للمشروع الإسلامي وفشله فشلا للإسلاميين في المنطقة، وتوفير الغطاء السياسي لاستعمال العنف وفتح الباب أمام الفلول وبقايا النظام السابق ليتصدروا المشهد وإعطائهم الفرصة ليصبحوا ثوارا ومدافعين عن الثورة، ناهيك عن الاستقواء بالخارج (أصبحت تهمة متبادلة بين الحكم والمعارضة) للتدخل في الشؤون الداخلية واستدعاء الجيش للنزول من جديد لمعترك السياسة ومعظم قادة المعارضة الحالية هم الذين أداروا عاما ونصف العام من المرحلة الانتقالية تحت إشراف المجلس العسكري وفشلوا في تحقيق أهداف الثورة.

كل هذه الأخطاء سواء من المعارضة أو الحكم جعل مصر تقع بين خيارين:

الأول: انكماش الثورة والرجوع إلى الخلف والانشغال بالخلافات السياسية وتحرك القوى المضادة للثورة لإجهاض المكتسبات التي تحققت رغم قلتها وأهميتها، وبالتالي استنزاف مقدرات البلاد وتجريف ما تبقى من موارد ومواصلة الاستقطاب الحاد والوقوع في الفتنة الطائفية والاقتتال الداخلي وتقسيم البلاد، ومن تم السماح للفلول وأعداء الثورة من النظام السابق بالرجوع إلى المشهد من جديد، وفي هذه الحالة فإن الخاسر الأكبر هو الشعب المصري بجميع مكوناته.

الثاني: خيار استكمال مسار الثورة الذي بدأ من خلال الانتقال من دولة اللاقانون والاستبداد والفساد إلى دولة ديمقراطية دستورية حديثة برؤية محددة من أجل تفكيك المنظومة القديمة التي خلفتها بيروقراطية النظام السابق، وهذا يقتضي من الجميع القبول بالتسوية المرحلية لجميع الخلافات “تصفير الخلافات”، من أجل تحول ديمقراطي سليم يعتمد على الالتزام بمبادئ الحرية المسؤولة والاحتكام إلى الصندوق والاعتماد على اقتصاد ذاتي يستند إلى دورة إنتاج متكاملة من أجل بناء دولة وطنية ممأسسة.

إن أخطاء الممارسة الديمقراطية لا تعالج إلا بمزيد من الديمقراطية وليس بهدمها، لأن هذه الأخيرة لا تجزأ؛ إما أن نقبل بها وبنتائجها وإما أن نبحث عن شكل جديد يليق بنا، فمن أسباب استقرار الأنظمة الوصول إلى استقرار سياسي وهو تعبير حقيقي عن نجاح القوى السياسية في الوصول إلى قواعد حاكمة للعلاقات والخلافات والقدرة على ترجمتها إلى شكل توافقي تستفيد منه البلاد والعباد.