إن لله عز وجل أياما يُسجى الوجود فيها بفيوضات وبركات ونفحات ربانية فضلا عن نزول شآبيب الرحمات ونشر المغفرة وإقالة الزلات، حَري بالمؤمن التعرض لها محوا لخطاياه وسبقا لارتقاء المنازل السامقة عنده عز وجل، ولقد درجت الأمة على تعظيم ما عظمه الله سبحانه من شهور كشهر شعبان بالتسابق لصيام أكثره والاحتفاء بلياليه، لاسيما ليلة النصف من شعبان التي اعتادت الأمة إحياءها بصنوف العبادة ورفع الدعوات إلى قاضي الحاجات جل جلاله للآثار الواردة في فضلها، وقد ألف أهل العلم قديما وحديثا في ذلك مؤلفات خاصة، فللنجم الغيطي، وابن حجر المكي، وعلي القاري وسالم السنهوري والبيهقي وغيرهم رسائل معروفة في فضل الليالي والأيام المباركة، ومن أنفع ما ألف كتاب (اللطائف) لابن رجب الحنبلي، وكتاب (فضائل الأوقات) للإمام البيهقي.

وشهر شعبان هو من أحب الشهور لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه شهره كما روى البيهقي بسنده عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: “خيرة الله من الشهور شهر رجب وهو شهر الله، من عظَّم شهر رجب فقد عظم أمر الله، ومن عَظَّم أمر الله أدخله جنات النعيم وأوجب له رضوانَه الأكبر، وشعبان شهري فمن عَظَّم شعبان فقد عَظَّم أمري، ومن عَظَّم أمري كنت له فَرطا وذُخرا يوم القيامة، وشهر رمضان شهر أمتي، فمن عظَّم شهر رمضان وعظَّم حُرمته ولم ينتهكه وصام نهاره وقام ليله وحفظ جوارحه، خرج من رمضان وليس عليه ذنب يطلبه الله به.” ولا يُضر سند الحديث بمُرَّة لتعدد شواهده ، ومن تم كان الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرَ الصيام لأكثر أيامه بل كان يصومه كله، ففي صحيح مسلم عن أبي سلمة قال سألت عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: “كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا”.

وفي السنن “عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم شهرين يجمع بينهما إلا شعبان ورمضان”.

وعن عبد الله بن أبي قيس أنه سمع عائشة تقول: “أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوم شعبان ثم يصله برمضان”.

وعن أنس بن مالك قال قيل “يا رسول الله أي الصوم أفضل؟ قال صوم شعبان تعظيما لرمضان، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان”.

والأحاديث مروية كذلك في فضائل الأوقات (الجزء: 1 الصفحة: 111) وعند النووي في الرياض (الجزء: 1 الصفحة: 291) باب بيان فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم.

ويقول ابن القيم مؤكدا صيامه عليه السلام لشعبان كله في بدائع الفوائد:

قال عبد الله: قلت لأبي: إذا صام شعبان كله؟ قال لا بأس أن يصوم اليوم الذي يشك فيه إذا لم ينو أنه من رمضان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان فقد دخل ذلك اليوم في صومه).

إن حرص المصطفى صلى الله عليه وسلم على صيام شعبان إنما كان لِما في هذا الشهر من عظيم الأمور المجراة في الكون، كرفع أعمال العباد إلى الله تعالى، وأفضل مقام يكون فيه العبد عند رفع أعماله هو الصيام حبا وطاعة لله عز وجل واستمطارا للقرب و الاصطفاء والمغفرة منه سبحانه.

ففي السنن عن أسامة بن زيد قال قلت: “يا رسول الله إني أراك تصوم في شهر ما لا أراك تصوم في شهر ما تصوم فيه. قال أي شهر؟ قلت: شعبان، قال: شعبان بين رجب وشهر رمضان يغفل الناس عنه، يرفع فيه أعمال العباد، فأُحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم. قلت: أراك تصوم يوم الاثنين والخميس فلا تدعهما. قال: إن أعمال العباد ترفع فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم”.

وهذا الحَدث العظيم الذي يشهده الكون في شعبان أشار له ابن القيم في طريق الهجرتين عند كلامه في تقدير أمر النطفة والجنين فقال: ونظير هذا أيضا رفع الأعمال وعرضها على الله فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).

وفضلا عن ذلك ففي هذا الشهر تشهد ليلة النصف فيه حركة ملائكية من تدبير الناس في الأرض، يقول الإمام البيهقي في الشعب: ليلة القَدر لتقدير ما ينزل من القرآن فيها إلى مثلها من السنة القابلة فقط، فأما سائر الأمور التي تجري على يدي الملائكة من تدبير أهل الأرض فإنما تبين ليلة النصف من شعبان).

وعن النضر بن كثير قالت عائشة رضي الله عنها: ما فيها يا رسول الله؟ – أي ليلة النصف - قال: “فيها يكتب كل مولود من بني آدم في هذه السنة، وفيها أن يكتب كل هالك من بني آدم في هذه السنة، وفيها ترفع أعمالهم وفيها تنزل أرزاقهم”.

والدعاء يكون فيها مستجابا، فعن ابن عمر قال: “خمس ليال لا يرد فيهن الدعاء: ليلة الجمعة، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتا العيد”.

وقال الشافعي: بلغنا أنه كان يقال إن الدعاء يستجاب في خمس ليال، في ليلة الجمعة وليلة الأضحى وليلة الفطر وأول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان).

وفي حديث علي عليه السلام في الشُعب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا يومها، فإن الله تعالى يقول ألا من مستغفر فأغفر له ألا من مسترزق فأرزقه ألا من سائل فأعطيه ألا كذا حتى يطلع الفجر”.

وأخرج الترمذي وابن ماجة وأحمد وغيرهم عن يحيى بن أبي كثير قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، وخرجت عائشة تطلبه في البقيع فرأته و رأسه إلى السماء فقال: “أَكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسولُه؟ قالت: قلت يا رسول الله، ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله يغفر ليلة النصف من شعبان لأكثر من عدد شَعَر غنم كلب”.

ولهذا الحديث شواهد من حديث عائشة وأبي بكر الصديق وأبي موسى الأشعري وقد رواه محمد بن مسلمة الواسطي عن يزيد بن هارون موصولا، ومن تم فإنه لا يضر الانقطاع

بين يحيى وعروة، وأرطأة حَسَّن الترمذي أحاديثه، يقول الكوثري : الانقطاع بمجرده لايدل على ترك الحديث إطلاقا.

وفي نزوله عز وجل يقول الإمام أحمد: وهذا النزول المراد به والله أعلم فعلا سماه الرسول عليه السلام نزولا بلا انتقال ولا زوال، أو أراد به نزول مَلك من ملائكته بأمره.

وقال البيهقي: سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول: “النزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال بل هما صفتان من صفات الله بلا تشبيه جل عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا”).

وعن مكحول عن كثير بن مرة الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم: “في ليلة النصف من شعبان يغفر الله عز وجل لأهل الأرض إلا المشرك والمُشاحن”.

قال البيهقي: هذا مرسل جيد، وعن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمن ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يَدَعوه).

وعن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: “قال يطلع الله في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مُشاحن”.

قال البيهقي: وقد روينا هذا من أوجه للدلالة على أن للحديث أصلا من حديث مكحول.

وعن العلاء بن الحارث أن عائشة قالت: “قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل يصلي فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجعت فلما رفع إلى رأسه من السجود وفرغ من صلاته، قال يا عائشة أو يا حميراء: أظننت أن النبي قد خاس بك. قلت: لا والله يا رسول الله ولكنني ظننت أنك قبضت لطول سجودك. فقال: أتدرين أي ليلة هذه؟، قلت: الله ورسول أعلم. قال: هذه ليلة النصف من شعبان إن الله عز وجل يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هُمْ”.

قال الأزهري: قوله قد خاس بك، يقال للرجل إذا غدر بصاحبه فلم يؤته حقه قد خاس به).

وهكذا فإن هذه الليلة ليلة مباركة، واللبيب من دخل إلى رحاب المغفرة والرحمة الإلهية بثياب التذلل والانكسار له عز وجل ليفوز فيها، مطهرا قلبه من الضغائن والأحقاد والكُره وما يشحد قلبَه من أدناس القلوب وأسقامها، وقد أفلح حقا من أتى اللهَ بقلب سليم منيب رحيم متسم بالتصافي تجاه الناس ولا يرنو سوى لمرضاة الله عز وجل وانتظامه في علق وسلك المصطفين الأخيار، إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم.