أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور هشام عطوش، مسؤول “مكتب الدراسات الاقتصادية والمالية” الذي هو أحد مكونات “مركز الدراسات والأبحاث” التابع للأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حوارا شاملا حول الوضعية الاقتصادية في المغرب.

الحديث المتزايد عن الأزمة الاقتصادية، والقطاعات المتضررة منها، والسيولة النقدية، وحجم المديونية والجهات المانحة، والتدبير الرسمية في معالجة كل هذه القضايا الاقتصادية الشائكة، هي المواضيع التي يعرض لها الجزء الأول من هذا الحوار الاقتصادي المذيل بلغة الأرقام وتفاصيل الواقع. فإلى نص الحوار:

يتزايد الحديث عن الظرفية الاقتصادية الصعبة التي تخيم اليوم على المغرب. ما حقيقة ذلك؟ وما هي مؤشرات هذه الوضعية الصعبة؟

بداية أتقدم لموقع الجماعة نت بجزيل الشكر لإثارته موضوع الظرفية الاقتصادية أو لنقل موضوع المعضلات الاقتصادية البنيوية للمغرب. أما بخصوص ما يروج منذ شهور عن تأزم الوضع الاقتصادي للبلد فإن المواطن العادي الذي يرتاد الأسواق لا يحتاج لدراية علمية في المجال ليعلم أن هناك كساد، وأنه يتوجب عليه استغلال مدخراته أو اللجوء للاقتراض لسد حاجياته. أما بعين المتتبع للتطورات الاقتصادية المتسارعة منذ سنة 2010 على الأقل فمن السهل الجزم أن ما يعيشه الاقتصاد المغربي اليوم ليس سوى نتاج لأخطاء الأمس القريب، وتبعات سياسات ما بعد الاستقلال، وعدم توفر الإرادة السياسية الحقيقية لمواجهة النفوذ الاقتصادي لبعض العائلات المدعومة بالرأسمال الأجنبي.

ولعل أهم ما ميز الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة هو ضغط الإكراهات البنيوية على البنيات الاقتصادية. ومن أهم هذه الإكراهات نجد ضعف التنافسية وتفاقم العجز الخارجي وضعف إحداث مناصب الشغل وتراجع توازنات الميزانية، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يشكو المواطنون وبحدة من إشكالية الولوج للقطاعات الاجتماعية خاصة الصحة والتعليم، ما يجعل المغرب يتراجع في جل التصنيفات الدولية. كل ذلك يعزى في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي بخصوص الظرفية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، دجنبر 2012، للانتظارية وانعدام الثقة.

بلغة الأرقام الأزمة الاقتصادية هي حقيقة بالمغرب من خلال تراجع المغرب في مجموعة من التصنيفات الدولية سنة 2013:

– مؤشر مناخ الأعمال 97/183 بلدا، أي أقل ب4 مراتب عن 2012 بسبب صعوبة إجراءات الملكية وضعف حماية المستثمر والضغط الضريبي وعسر الاقتراض؛

– المؤشر العالمي للتنافسية 70/144، ويعزى هذا التصنيف أساسا لإشكاليات الحكامة الاقتصادية وضعف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية؛

– المؤشر العالمي للابتكار 88/141 (سنة 2012) بعيدا عن جل دول التعاون الخليجي؛

– مؤشر الحرية الاقتصادية 90/177 بلدا، أي أن المغرب من البلدان التي تشكو من ضعف الحرية الاقتصادية؛

– مؤشر مدركات الفساد 88/176 دوليا و10/18 عربيا (سنة 2012)، والسبب راجع بالأساس للبيروقراطية الإدارية؛

– مؤشر التنمية البشرية 130/186 بلدا، بعيدا خلف الجزائر (93) وتونس مهد الربيع العربي (94)؛

– تصنيف Standards & Poor’s نقطة BBB- سلبي. ما يعني ضعف الاقتصاد وإشكالية سداد الدين السيادي.

وتؤكد المعطيات الرسمية الصادرة مثلا عن المندوبية السامية للتخطيط بعد ضبط الحسابات الوطنية المؤقتة لسنة 2012 هذا المنحى التراجعي لجل المؤشرات الماكرواقتصادية مع استثناء معدلي البطالة والتضخم اللذين يتم التصريح بتحسن طفيف للأول (9% مقابل 8,9% سنة 2011) واستقرار الثاني تقريبا في 2%!

طالع أيضا  د. عطوش: هذه مداخل بناء اقتصاد وطني قوي ومواطن

– معدل نمو الاقتصاد الوطني 2,7% مقابل 5% سنة 2011؛

– عجز الميزانية في حدود 5% باللجوء للاستدانة والهبات (65 مليار درهم سنة 2012)؛

– ازدياد نفقات الاستهلاك النهائي للأسر بالحجم فقط ب 3,6% عوض 7,4% سنة 2011؛

– انخفاض الطلب العالمي الموجه للمغرب إلى 1% من الناتج الداخلي الخام؛

– ما يقرب من مليون مشتغل في حالة شغل ناقص، ومثلهم عاطلون 16,4% منهم حاصلون على شواهد؛

– تراجع معدل الادخار الوطني من 26,6% سنة 2011 إلى 24,3% سنة 2012 بسبب لجوء الفاعلين لمدخراتهم؛

– انخفاض تحويلات المغاربة القاطنين بالخارج ب 3,8% خلال سنة 2012 حيث بلغت 3,56 مليار درهم مقابل 58,6 مليار درهم سنة 2011 ؛

– تفاقم حاجيات تمويل الاقتصاد الوطني إلى 10% من الناتج الداخلي الإجمالي عوض 8% سنة 2011؛

إذن يمكن اعتبار سنة 2012 أسوء سنة للاقتصاد المغربي خلال العشر سنوات الأخيرة في انتظار ما ستؤول إليه الأمور هذه السنة.

ولكن ما هي أهم القطاعات المتضررة بلغة الأرقام؟

باستثناء قطاعي التأمينات والفلاحة فإن باقي القطاعات تترنح تحت وطأة الأزمة العالمية. أما قطاع التأمينات فقد استطاع إنجاز مؤشرات هامة. حيث حقق مبلغ الأقساط الصادرة ارتفاعا ب 8,9% مابين 2012 و2011 توزع خصوصا مابين تأمين العربات وحوادث الشغل وغيرها ب 17 مليار درهم والتأمين على الحياة والرسملة ب 8,8 مليار درهم. وبلغت الاحتياطات التقنية الإجمالية 107 مليار درهم، أما النتيجة المالية الصافية لمقاولات التأمين فناهزت 3,1 مليار درهم.

بالنسبة لقطاع الفلاحة الذي استفاد هذه السنة من تساقطات لا بأس بها يتوقع معها تحقيق سنة فلاحية فوق المتوسط بعدما اضطر المغرب السنة الفارطة لإحداث صندوق استعجالي لدعم الفلاحة وكذا اللجوء للاحتياطي الاستراتيجي للقمح الذي لا يتعدى 4 أشهر واستيراد كميات إضافية من الحبوب في سوق عالمي متأزم.

أما بخصوص القطاعات غير الفلاحية فنجد استقرار معدل نموها منذ ثلاث سنوات في ما يناهز 4,5%. وخلال سنة 2012 سجل في السياحة انخفاض عدد الوافدين من البلدان التقليدية للسياحة المغربية (فرنسا وألمانيا وهولاندا وبلجيكا) مابين 2 و6% وتراجع مداخيل السياحة لغير المقيمين في المغرب لما مجموعه 58,2 مليار درهم مقابل 59,1 مليار درهم خلال سنة 2011.

قطاعات أخرى متضررة وهي التجارة والبناء والأشغال العمومية وقطاع الكهرباء والماء حيث تراجعت قيمتها المضافة بالأسعار الثابتة خلال الفصل الرابع من 2012 مقارنة مع نفس الفصل تباعا ب 4,7 و4,1% و3,5%. ونفس الأمر يتكرر خلال الفصل الأول من سنة 3201 حيث انخفضت الأرقام الاستدلالية لإنتاج الصناعة التحويلية والمعادن والطاقة الكهربائية تباعا ب 0,7% و2% و4,4%. وهمت أكبر الانخفاضات قطاع الإسمنت ب 20,8%.

طالع أيضا  د. عطوش: هذه مداخل بناء اقتصاد وطني قوي ومواطن

بالنسبة للتجارة الخارجية وحسب الإحصائيات المؤقتة لسنة 2012 الصادرة عن مكتب الصرف فإن العجز التجاري بلغ 25% من الناتج الداخلي الخام، ومعدل تغطية الصادرات للواردات فتفاقم تراجعه ليصل ل 47,2%، أما احتياطي العملة فهو أقل من 4 أشهر من الاستيراد.

أما بالنسبة للتشغيل، تبقى “الخدمات” القطاع الوحيد الذي عرف إحداث مناصب شغل جديدة خلال 2012 ب 111.000 منصب شغل في فروع النشاط الخاصة ب “الخدمات الشخصية” والتجارة بالتقسيط وإصلاح الأدوات المنزلية و”الخدمات المنزلية”. كل القطاعات الأخرى سجلت فقدان مناصب شغل: “الفلاحة، الغابة والصيد”، 59.000 منصب مفقود؛ “الصناعة بما فيها الصناعة التقليدية” 28.000 منصب مفقود؛ “البناء والأشغال العمومية”، 21.000 منصب شغل مفقود.

إذن وعلى الرغم من الاستمرار في تنفيذ الاستراتيجيات القطاعية وتحفيز بعض القطاعات بالنفقات الضريبية وبإعانات الدولة إلا أن سوء التقدير الاقتصادي لمتخذي القرار وكذا تراجع نفقات الاستهلاك الداخلي والطلب الخارجي لا يمكنان من تحسين ظروف المقاولات المغربية.

ما هو تقييمكم لأزمة السيولة النقدية التي يمر بها المغرب؟

وصل النقص في السيولة النقدية إلى مستويات قياسية بلغ في بعض الفترات الفصلية حوالي 66 مليار درهم، مع العلم أنه كان لا يصل في السنوات السابقة إلا في حدود 16 مليار درهم. يعزى هذا الأمر لمجموعة من الإكراهات نخص بالذكر منها: تأدية الأرباح على الأسهم لفائدة المساهمين الأجانب بالنسبة للشركات المتواجدة بالبورصة؛ تراجع نسبة احتياطي العملة الصعبة لأقل من 4 أشهر من الاستيراد؛ استمرار العجز في الميزان التجاري بسبب ارتفاع الواردات مرتين مقارنة مع الصادرات؛ ضعف عائدات السياحة والاستثمارات الأجنبية الخارجية وتحويلات الجالية المغربية بالخارج؛ سحب العديد من رجال الأعمال لأموالهم من البنوك خوفا من عمليات الحجز على الحسابات البنكية التي قامت بها المديرية العامة للضرائب؛ تراجع معدل ادخار الأسر.

تمثلت الإجراءات المتخذة من طرف بنك المغرب في مضاعفة تدخله (بالنسبة للقروض 7 أيام وطلب عروض بمعدل 3%) بثلاث مرات منذ بداية 2012 لإقراض الخزينة والأبناك، وكذا في تخفيض معدل الاحتياطي النقدي اللازم للأبناك إيداعه لدى البنك المركزي في شتنبر 2012 من 6% إلى 4% لتمكينها من بعض الأموال الإضافية. إن الإجراءات التي يقوم بها البنك المركزي من رفع للعرض النقدي وخفض للاحتياطي سيكون له تأثير لا محالة على التضخم كما يعرض حقوق المُودِعِين للخطر.

أما البنوك فقد شددت الاختناق على طلبات الاستدانة كما حددت مبلغ السحب الأقصى المسموح به يوميا من الشبابيك الإلكترونية في 3000 درهم.

وكم يبلغ حجم المديونية في المغرب؟ ومن هي الجهات المانحة لهذه القروض؟

يمكن اعتبار مديونية الاقتصاد الوطني مفرطة حيث بلغ حجمها مقارنة بالناتج الداخلي الخام 97% سنة 2011، وهذه النسبة في ازدياد بما أن وتيرة الاقتراض لم تتوقف في الوقت الذي تراجع فيه معدل نمو الاقتصاد.

طالع أيضا  د. عطوش: هذه مداخل بناء اقتصاد وطني قوي ومواطن

بلغ دين الخزينة لوحدها سنة 2012 ما يناهز 490,5 مليار درهم ـــــ ما يناهز 60% من الناتج الداخلي الخام ــــ موزعة على النحو التالي: الدين الداخلي 374,9 والدين الخارجي 115,6 مليار درهم. تجدر الإشارة هنا أن الدين العمومي الخارجي المضمون من طرف الدولة لفائدة المؤسسات العمومية والقطاع البنكي والجماعات المحلية ناهز 95 مليار درهم متم شتنبر 2012.

بالنسبة لمصادر التمويل هناك السوق الداخلي ينضاف إليه السوق المالية الدولية والبنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي وصندوق النقد العربي والمقرضون الثنائيون (خاصة دول الاتحاد الأوربي والدول العربية).

ويبقى الأمر اللافت للنظر هو أن 40% من الأسر تستنزف مدخراتها وتلجأ للاستدانة، وفقط 6,6% من الأسر تتمكن من الادخار فيما يتعايش الباقي مع مدخوله.

وأمام ارتفاع عجز الميزانية وحجم الدين الداخلي، التجأ المغرب إلى طلب خط ائتمان احتياطي من صندوق النقد الدولي قدره 6,2 مليار دولار مع ما يرافقه من شروط مجحفة.

كيف يتم معالجة الأزمة على المستوى الرسمي؟ وإلى أي حد تستطيع الإجراءات الحكومية الحد من أثار الأزمة؟

مع حجم التحديات السالفة الذكر وانطلاقا من أن الشعار الذي اتخذته الحكومة لبرنامجها هو محاربة الفساد واقتصاد الريع وبناء اقتصاد قوي ضامن للتشغيل والحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكبرى، إلا أن طبيعة السياسات المتبعة والبرامج المعتمدة في إطار القوانين المالية لسنتي 2012 و2013 لا تظهر وفاء الحكومة لتعهداتها.

إن الطريقة التي تدبر بها الأمور أو كما جاء في سؤالكم تعالج به الأزمة الاقتصادية يشكل خطرا على المستقبل الاقتصادي للبلد؛ إذ أن الاستمرار بمنطق الاستراتيجيات القطاعية غير المندمجة والمعتمدة أساسا على الاقتراض وكذلك الضغط على الطلب الداخلي من خلال الزيادة في المحروقات وسن المساهمات التضامنية والرسوم الإضافية في وقت تراجع فيه الطلب الخارجي لن يقود إلا للباب المسدود.

إن ما ينتهج في المغرب هو على عكس ما يعمل به من تقشف وترشيد للنفقات منذ سنتين في جل دول العالم خاصة تلك التي نتعامل معها. ويزداد الطين بلة عندما تصرف الأموال الطائلة على المهرجانات في الوقت الذي تشكو فيه الحكومة من شح مصادر تمويل البرامج الاجتماعية (الصحة نموذجا) ويتفاقم عجز الميزانية ليبلغ مستويات قياسية لا يتم كبحها إلا بالغرامات والرسوم والضرائب والديون.

إن إرجاء الإصلاحات الجوهرية أو الاكتفاء بالتنصيص على بعضها في البرنامج الحكومي وعدم التدقيق بشأنها في إطار قانون المالية لسنة 2013 واللجوء لمنطق المناظرات المتكررة عبر السنين لاجترار خلاصات وتوصيات يمكن أن يقوم بها فريق مصغر من المتخصصين، وعدم تمكن الحكومات المتعاقبة من ربط النفقات بالفعالية المؤسساتية، واتخاذ الحكومة الحالية كلما دعت ضرورة إخماد الحريق الاقتصادي لإجراءات استثنائية غير مبرمجة وغير محسوبة العواقب (الزيادة في المحروقات وإلغاء جزء من الاستثمار و…)، … لا تسمح لنا اليوم باستبعاد شبح السكتة الاقتصادية.