في بلادنا كان المال ولا يزال دولة بين الأغنياء منا لا جدال. للأغنياء القصور، والدور، والأسواق المكيفة المغطاة عابرة القارات، والحقول البلورية على مرمى البصر، والعمارات والتجزئات بعدة مسميات؛ عمران وضحى، وليراك وما لا تستطيع إحصاءه قواميس اللغة من العناوين المذهّبة، والمكتوبة بمختلف أنواع الخطوط والأحجام واللغات. ولهم المعامل والشركات والمؤسسات، والمدارس والمعاهد والكليات، ولهم المسابح والمسارح ودور عرض أزياء وأبقار ومصنّعات، وما شئت من دور نشر وحشر للمطبوعات من كتب ومرئيات ومسموعات، ولهم أن يَبنوا، ويقتنوا، ويستغنوا بلا ضرائب ولا تعقيدات، وبألف حساب ولا حساب ولا تحريم ولا تجريم ولا تغريم ولا زكاة. ولحساب من نعرف ومن لا نعرف من الدول والأسر والأفراد والشركات، والأشباح من أحياء وأموات. ولهم أن يبيّضوا الأموال، ويسوّدوها في الربا والخمور ومهرجانات الفجور، ومؤتمرات الحمائم والصقور وألعاب القوى والهوى والقمار والمضرب والگولف وهلمّ جرّا ومسخا وإسرافا وتبذيرا وبذخا، وما لا يعلمه إلا الله من كواليس الموبقات، وكوابيس المصدّرات والمستوردات عبر البراري والبحار والسماوات، والأسلاك في ما لا يعدّ ولا يحصى من القنوات، ولهم في المـُهرّبات والمخدّرات والمـُقدّرات من الأرصدة «المشفّرة» بالعربية والدارجة المغربية عنتريات جبلية، ومغامرات سندبادية بحرية، وحكايات «ألف ليلة وليلة» عجائبية غرائبية، وقصص كليلة ودمنة الحيوانية، وأساطير علاء الدين السحرية، ونوادر علي بابا الحرامية مما يضحك ويبكي، وما لا يملك تلخيص أسفاره وأخباره وآثاره إلا ساحة جامع الفنا، وقبة البرلمان، وزنقة دار البريهي وسجن تزمامرت، وجزيرة «قطر»، وما يحصى من الشاشات وفضاءات الوثائق والأوراق التي فضحت المستور أو نبشت على المقبور، أو كشفت سرّ الآمر والمأمور وكلٌّ مقلّ في المجال، مشكور مأجور في الرضا بالقدر ورفض المقدور على كل حال. للأغنياء في بلادنا كلّ هذا الذي ذكرناه وما نسيناه، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره أعوذ بالله، وهناك ما أريدَ لي أن أنساه، وما أردت أن أنساه من علوم قطع البلعوم.

وللفقراء انتظار ما لا يأتي من الوعود، وقبول ما لا يكفي من النقود، واحترام ما لا يحصى من البنود، وإعطاء أصواتهم لمن لا يفي بالعهود، والتسبيح بحمد من يحكم ويسود، وإلا فماذا تنفع الرّدود؟ والتمرد على أولياء النعمة وأولياء الأمور جحود، وإنّما للصبر يا حبيبي حدود. فسلِّم تسْلمَ وإلا فالحسود لا يسود، وكلّنا في حرب سادتنا عليه جنود.

ليس هذا قصدي من هذا المقال، وأهل مكة أدرى بشعوبها وشعابها وشباعها وجياعها، وإنما قصدي أن أسهم في التشهير بعقار أو الإشهار لنوع جديد من الاستثمار لم يكتب في أسفار ولم يرد في أخبار، عنوَنْت هذا الإشهار بهذا العنوان: أصغر عقار لأكبر استثمار. العقار بيت من شِعْرٍ لا مِن شَعَر ولا من حَجَرٍ أو مدَرٍ أو وَبَر. والباني متَّهَم بقذف قاذف السّبعة الكبار بقذائف الهون وقنابل الدّمار شكاية ووشاية لمن داهم وروّع واختطف وقذف المقذوف إلى من تألّه وتحرّش واستنطق واستنسر واستخبر وزوّر ثم أرغم الواقع في مستنقع العار والصّغار والشّنار مقذوفا إلى من كيّف التّهم وشهّر بالمقذوف في وسائل الإعلام والإعلان والإشهار قبل أن يُقذف إلى السجن بين يدي أن يُحكَم عليه بقرار يصادر حريته ويشرّد أسرته ويعطّل مهنته وحوالته ليبدأ مشوار محاكمات ابتدائية واستئنافية تؤول إلى نقض وإبرام في انتظار ما لا يأتي من المجالس التأديبية، وما لا يأتي مما أتى منها. ومغربنا الجديد ماض في تحسين الأوضاع وتحيين الأوجاع وقذف العُراة الجياع للذئاب والسباع. ومن أخبر عن القذف والقاذف والمقذوف أصبح قذّافيا يُرمى بالناتو والفيتو على أن أصاب بقذفه ما يغار النّظام عليه، ولا يغار وأمامه آلاف الدواوين من الأشعار في سب الله والإساءة إلى رسول الله والطعن في الدّين ولعن ما شئت من الكبراء والأولياء والعلماء لا أحد جرّم، ولا أحد تظلّم ولا أحد اشتكى أو وشى أو تألّم فحرية التعبير في مغربنا الكبير تتيح لكل قاذف أن يتهجّم ولا حرج أن يسلم وإن كان من أهلها فليغنم. وفاطمة التعبير تمنع أن تتكلّم عن إخبار في وسائل الإعلام والتشهير والإشهار عن كلّ قاذف أو مقذوف أو قذف وإلاّ قُذِفتَ من لاهٍ بواهٍ وحُكِم عليك بداه من ساه ولا ناهٍ وآه ثم آه ثم آه على شعر يعذَّب من قارئ يرفع منصوبا وينصب مرفوعا ويفتح مكسورا مجرورا ثم يقول مغرورا مسرورا بما اكتشف مأزورا مأجورا أن فَطِن إلى ما فيه قذف بكفر وجحود وتجسّس مقصود وأنواع من التلبّس اللفظيّ بلا حدود. وغَرِّدي يا هيئة الدّفاع بدفوعات شكلية تبقى شكلية. فالمـُغرّد بالقوانين خارج سرب تكييف التهمة بالمساطير القانونية مُصِرّ على تحيين الحكم مع تجديد النية. وهات يا هيئة الدّفاع مرافعاتك الرفيعة بالأدلّة الشرعية والنصوص التشريعية والأحكام المشابهة في تجارب ذاتية وغيرية، فلا اعتبار لما يقال وإنما هي دردشة حرّة في واقعة مُرّة وسوف تُعاد الكرّة هذه المرّة ومرّة بعد مرّة ليُفطَم الشاعر عن شعره حتى لا يقذِف القاذفين بما يخطر على بال المؤولين وما لا يخطر على بال المحلّلين وللمجتهد المصيب أجران وللمجتهد المصيبة أجره يُعطاه قبل أن يجفّ عرقه عقار بيت شعر لغيره يبيعه بأضعاف أضعاف سعره في مزاد محاكمات علنية يزايد فيها السماسرة والتجار وأصحاب القرار بما شئْت من أسعار تصيب رأس حضور المزاد بدوار وبعضهم بانهيار دون أن يغيّروا أو يصحّحوا المسار وللمداولات والمشاورات بين صغار وكبار أن تتمم المشوار قبل نقض وإبرام يعطيك الأمل باليمين وينزع منك باليسار ليؤكّد أنّ ثمّة مجال للأخذ والردّ والحوار وأنت محتار أن تختار مما تقرّر إمّا الذبح بالسكين أو بالمنشار لك الخيار ولهم القرار. في ختام هذا المقال المفؤود المكبود على عدل غير موجود وحرية داخل زنزانة في سجن بلا حدود وديمقراطية يُمَنّى بها المحكوم المسود اختَرْت أن أختم ما قلت – والحديث ذو سجون وقد يفضي إلى سجون – أن ألطّف الأجواء النثرية السجعية بأبيات شعرية وقوافٍ مروية تلخّص ما سبق ذكره وقد تمكّن من يحسن التأويل والاستثمار في البيوت الخليلية أن يراكم من ثرواته ويرفع من أرصدته متسوّلا بأكثر من بيت متوسلاّ بأغرب تحليل وتأويل لينال الآلاف المؤلفة من الدراهم ويزهد فيها وأنت عالم ليهبها هبة راحم لملاجئ لا أذكر هل لأيتام أم لأرامل أم لمعوّقين أظنّها لهذا الصنف الأخير وأيا ما كان الموهوب فمنير هو المعطي بإذن الله والمقذوف هو القاسم.

يقول الناظم:

أصغر عقار لأكبر استثمار

عقار لا يُكلّف غيرَ مَكر*** بمن لم يبْن إلاّ بيت شِعْر
ليُصْبِح مِلْك مقذوف بريء *** ويَغْدُوَ منزلا للبيع مُغْر
بستّين التي حكَموا وحَجْزٍ ***على دار «المنير» وأَسْر شَهْر
عقارٌ أكسب المعدوم بيتا *** للاستثمار بِيعَ بخير سِعْر
شكا للأمن” قذّافا مُبيراً”*** بدعوى شَتْم قِدّيس بكُفْر
وبالأَخْزى نِفاقاً واختراقا ***لصَفّ المؤمنين عَميلَ جَبْر
ولم يكُ غير مرسول لأمْرٍ ***يُؤَدّي دوْرَه السّامي بأجْر
ويَدْفع عن حِمى الغالي صُروفا*** تُبَيّت مُضْمَرا يوحي بشَرّ
كذا قالوا وفي الإعلام بَثّوا*** بيانا قاطعاً بعد التحَرّي
وقد قُذِف الرّجال لسجن فاسٍ ***شهورا بعد تعذيب وقهْر
وإذلال بما لا قَوْل يكفي*** لوصف بلائهم ببَنات حِبْر
لأيّام قضَوا جوعى وصرعى ***أذىً مِن مستَبِدّ سيْفَ جَوْر
تألُّهُه تحَرُّشُه شَنار*** يشي بخراب مغربنا الأغَرّ
إذا «أمْنُ» البلاد غَدا رهيبا ***فما الإرهاب إلاّ جِذْع جِذْر
وإن أمسى انتقاد المكْر قذفا ***لمن قذَف الرّجال برُمح غَدْر
فقذف القذف من إحسان بَرّ ***وإن حكموا عليه بشهر أَسْر
وآلاف الملايين ابتزازا ***وحَجْز الدّار عسرا بعد عسر
فإنّ العسر بين اليُسرين واه ***لمن صبروا على نَصْب وكَسْر
وللشعراء ذِكْراً بعد إلاّ*** عزاء من كتابٍ سِفْر ذِكْر
لمُؤمنهم وعامِلِهم صلاحا*** وذاكرهم تباشيرٌ بنَصْر
فهذا الظّلم مخذول بَوارٌ***فلا تغْتَرّ يا باغ بِنَزْر
فما الدّنيا سوى أفياء ظِلّ***وفي الأخرى عذابٌ إثْر خُسْر
يُسَبّ الله في الأشعار سُحْقاً*** ولا من مُنْكِر يدعو لأَطْر
ويرسُمُ سافِل رسما مُسيئا*** لمن هو رحمة في الكون تَسْري
ولا مَن جَرّموا بصدور حُكْم***بل القذّاف مشمولٌ بأزْر
وبالإجلال والتعظيم مَدحا*** لمن أمسى فتىً أهلاً لفخْر
وكم مِن حاكم سَبّوا جِهارا*** وكم من عالم قذَفوا بنُكْر
ولا أحَدٌ شكا أو قام ضدّاً *** على القَذّاف، هل قمْع لحُرّ؟!
ومغربنا يبَرّئ كلّ قذف ***وللقذّاف يُبْدِع ألف عُذْر
سوى لِـ«قذائف الهَوْن» انتصاراً *** لمظلوم على «زَيْد» و«عَمْر»
منير جُرمه أن كان صِهْرا *** لياسين المُفَدّى قُطْب عَصْر
فلمّا مات مصباح البرايا*** غدا هدَفا يُدان بكُلّ صِهْر
ألا كُفّوا فقد ضِقْنا وضاقت *** درارينا بكم، يا ليت شعري
أيَسْمح لي ببَوْح أم بنَوْح*** ويرضى لي بفَضْح أو بصبْر
ومَن ساقوا البلاد بدون إذن*** هُمُ الـأخيار نَهْجاً دون وِزر
ومَن سَلَبوه رُخصتَها اعتِسافا *** إليه ركائب التجريم تجري
ومن نُسِبَت له كلّ الخطايا *** بريء مثل ذِئْب حفيظ مِصْر
ومن صدَم الحديد ببِنْت صُلْب*** هو المأخوذ بالزِّيزا وقَصْر
ومن صدَموا الشّعوب ببِنْت جَبْر *** لهم قَصْر وقَصْر إثر قصْر
وقانون الكبار بشير عفْو*** وقانون الصّغار نذير حَظْر
إذا غلَط الصّغير فلا سماح *** وأخطاء الكبار بوزن ذَرّ
ولسْت أُبَرّر الأخطاء لكن***حرام ظُلم آلاف بوِتْر
وللإعلام إعلان سريع *** قُبَيْل قضائهم فوزاً بنَشْر
وللمأسور ميعادٌ يُرَجّى *** إلى أن يقضِيَ المولى بأمر
ألا كُفّوا عن النّجوى وخِفّوا *** لعدل فيه «زيد» مثل «عَمْر»
وإلاّ فالسّكوت بكم جديرٌ *** إذا كان الكلام صُداع خَمْر
أو انتَظِروا فصُبح العدل آت *** أليس الصّبح أدنى بعد فَجْر
ربيع العرب فجْر قبل صبْح *** وليل الظّلم مخْتَرَق ببَدْر
ونور الله بَدْر ثم فَجْر *** وما الإصباح إلاّ قيد شِبْر
صلاتي والسّلامُ على بشير *** بمنهاج النبوة نورَ فِكْر
ورُشدِ خلافة من بعد جَبْر *** يُعيد زمام أمّتِنا لحَبْر
ويمنع سائقا من دون إذن *** ولا شورى سياقة فُلْك قُطر
بأهواء لأدواء وفَقْر *** وأَغْرار لأرزاء وقَعْر
ومن رَكِبوا سفينة مُلْك عادٍ *** فلا شكوى إذا خُرِقَت ب«خِضْر»
فمن أخذوا السفينة أخذ غَصْب *** هم الأولى من الأتقى بزَجْر
ألا صلوا على آل وصحب *** وإخوانِ المَعين بَديلِ غَوْر
إذا صلَّيْت في سرّ وجهر *** على طه ظفِرْتَ بكلّ خير
وبعد هذا المقال المنثور، والقريض المنظوم المشعور أصيل وجميل أن أختم بكلام ليس شعرا ولا نثراً بل هو كلام الله وكفى وسلام على حبيبه المصطفى: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. صدق الله العظيم، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فاس يوم السبت 6 شعبان 1434هـ / الموافق لــــ15 يونيو 2013م