فيما يلي الجزء الثالث والأخير من بحث جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2012) الذي شارك به الدكتور عمر أمكاسو، عضو مجلس إرشاد الجماعة ونائب رئيس الدائرة السياسية، في تقرير الإسلاميون في عام 2012) الذي أصدره مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث.

المبحث الرابع: جماعة العدل والإحسان بعد وفاة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله

رزئت جماعة العدل والإحسان بانتقال الأستاذ المرشد والإمام المجدد عبد السلام ياسين إلى الرفيق الأعلى رحمه الله يوم الخميس 29 محرم 1434 الموافق ل13 دجنبر2012، وشكل هذا الحدث محطة متميزة في تاريخ الجماعة، لأنها فقدت في الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله مرشدها المؤسس ومربيها ومصحوبها ومنظر مشروعها، كما أن المغرب فقد بهذا المصاب الجلل علما شامخا من أعلامه الدعوية والتربوية والسياسية الذي يلقبه البعض بناصح الملوك) 1 ، كما فقدت الأمة الإسلامية في المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله مجددا كبيرا من مجددي هذا القرن.

وقد نال هذا الحدث اهتماما كبيرا من قبل المتتبعين للشأن المغربي وللجماعة، وتنبأ كثير منهم بأنه سيربك الجماعة ويحد من قوتها وينال من صمودها وثباتها، بل منهم من رأى أن هذا الحدث سيعرضها للانشقاق والتنافس على الزعامة، ومنهم من رأى فيه بداية تحول الجماعة إلى حزب سياسي سرعان ما سينخرط في المشاركة السياسية لمنافسة حزب العدالة والتنمية.

وبعيدا عن هذه الرهانات فإن حدث وفاة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله مكن المغاربة من إعادة اكتشاف هذا الرجل الفذ والإمام المجدد، فكان أن شيعه مئات الألوف من أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها ومن ممثلي الهيئات الإسلامية والسياسية والمجتمعية وذلك في جنازة مهيبة وغير مسبوقة في التاريخ المعاصر للمغرب، اعترافا وامتنانا وشهادة من هذا الشعب الكريم أنه يقدر الصادحين بالحق الصامدين في وجه الاستبداد، وتقديرا لمن ينير الطريق لنهج المقاومة السلمية للاستبداد والصمود ضد أنصاف الحلول.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2012 (3/1)

وبذلك أصبح الأستاذ المرشد بعد وفاته، محط إجماع القوى السياسة والدعوية والمدارس الفكرية في المغرب وخارجه، ناهيك عن المنظمات النقابية والمدنية والطلابية، ولم تتخلف إلا السلطة المغربية التي عملت كل ما بوسعها من أجل التعتيم على هذا الرجل الفذ حيا وميتا، وهو الذي حاول في حياته أن يجمع شتات الأمة ويلم شعثها، وكان حريصا على التواصل المستمر مع كل القوى الفاعلة بعيدا عن الانتماءات الضيقة.

وعلى عكس رهانات المتتبعين، بادرت جماعة العدل والإحسان إلى تدبير سريع وسلس لمسألة خلافة المرشد المؤسس رحمه الله، حيث عقدت دورة استثنائية لمجلس الشورى أيام 7- 8 – 9 صفر الخير 1434 الموافق 21 – 22 – 23 دجنبر 2012 بسلا، تحت شعار: دورة الثبات والوفاء) لانتخاب المسؤول الجديد، وحرصت الجماعة وفاء للب دعوتها القائم على الأساس التربوي، أن تنعقد هذه الدورة في جو رباط تربوي إيماني حضره كل مسؤولي الجماعة مركزيا وإقليميا من الإخوان والأخوات، وطبعه جو الحب في الله والنصيحة والشورى، وفي نفس الوقت الذي انعقدت فيه هذه الدورة في هذا الجو الرباني، نظمت رباطات إيمانية مماثلة في كل المناطق لاستمداد العون من الله تعالى واستخارته في هذه المحطة التاريخية المتميزة.

وكانت نتيجة هذه الدورة الاستثنائية لمجلس شورى الجماعة، انتخاب فضيلة الأستاذ محمد عبادي خليفة للمرشد المؤسس رحمه الله، مع الاحتفاظ باسم المرشد المؤسس للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله وفاء له وعرفانا بما أجراه الله تعالى على يده من أفضال على الجماعة، واختيار اسم الأمين العام للمسؤول الجديد، كما أسفرت هذه الدورة عن انتخاب فضيلة الأستاذ فتح الله أرسلان نائبا عن الأمين العام للجماعة.

وبذلك وخلاف ما كان يترقبه كثير من المتتبعين الذين يصنفون الجماعة ضمن خانة الأحزاب السياسية التي يشتد الصراع فيها على الزعامة، أو الذين يعتبرونها طريقة صوفية يتوارثها أبناء الشيخ؛ فإن مقررات هذه الدورة الاستثنائية لمجلس شورى الجماعة قدمت لهؤلاء وغيرهم درسا في السلاسة والانسجام والشورى والعمل المؤسساتي المنظم ينم عن عمق جهادي وتربوي في القيادة القطرية ممثلة في مجلس إرشاد الجماعة ومجلس الشورى، ويعكس الثمرات الطيبات التي زرعها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2012 (3/2)

كما أن هذه الدورة أكدت في بيانها الختامي على مجموعة من ثوابت الجماعة ومواقفها مما كان الجميع يترقبه بلهفة شديدة ليعرف ما هو المسار الذي ستسلكه كبرى التنظيمات الدعوية والسياسية في المغرب بعد وفاة مرشدها.

وأهم ما أكده هذا البيان:

– التمسك والوفاء للمبادئ التي قامت وتأسست عليها جماعة العدل والإحسان، والسعي الموصول لتكون الجماعة ملاذا سياسيا وأخلاقيا، وعامل استقرار لهذا البلد الكريم، مع الاعتقاد الراسخ أن التغيير مبدأه ومنتهاه الإنسان، مصداقا لقوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

– التمسك بخيار المقاربة الجماعية مدخلا لتغيير الأوضاع المتردية بالبلد، ويدعو إلى تضافر جهود كل القوى الحية والمخلصة في هذا الوطن الحبيب من أجل التأسيس الجماعي لمغرب جديد، مغرب الحرية والكرامة والعدل والاختيار الحر للحاكمين ومحاسبتهم، والتداول الحقيقي على الحكم، والفصل بين السلط.

– دعوة كافة القوى الفاعلة إلى فتح نقاش وحوار مجتمعي مسؤول واستثمار أجواء الربيع العربي التي منَّ الله بها على أمتنا من أجل رسم خارطة طريق لمناهضة الاستبداد ومحاربة الفساد، وبناء مغرب الكرامة والحرية والعدالة الذي يتطلع إليه شعبنا الأبي.

– إعلان تضامنه مع الشعب السوري في محنته وثورته، ويسأل الله تعالى أن يعجل بالفرج ليحيى هذا الشعب حرا كريما عزيزا وموحدا، متخلصا من كل أشكال القهر والظلم والاستبداد.

– إدانة مسلسل تهويد مدينة القدس الشريف، ويحيي غزة العزة المنتصرة، ويدعو إلى الإسراع بتوحيد الصف الفلسطيني من أجل أن يسترجع الشعب الأبي كل حقوقه العادلة.

خاتمة البحث

رغم شراسة الاستثناء الاستبدادي المغربي فإن جماعة العدل والإحسان، تمكنت خلال سنة 2012 من مواصلة مسارها التربوي والدعوي والسياسي، وبناء نهجها القائم على المغالبة المدنية السلمية، وهو خيار بين المشاركة المشروطة والمعارضة العنيفة، كما واصلت سعيها الحثيث إلى بناء صرح مشترك بين أصحاب المشروع الإسلامي باختلافاته المعروفة ومختلف الفرقاء والفضلاء الديموقراطين للعمل على إرساء أرضية ميثاق جامع يحدد معالم المغرب المنشود الذي يطمح إليه شعبنا المقهور وكافة قواه الحية.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2012 (3/2)

[1] إشارة إلى رسالة “الإسلام والطوفان” التي كتبها المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله لملك المغرب الراحل الحسن الثاني رحمه الله سنة 1974، ورسالة “إلى من يهمه الأمر” التي كتبها للملك الحالي محمد السادس سنة 2000.\