دراسة تبتغي الكمال في حلولها والنجاعة في أفكارها، لا شك لا تغيب في طياتها النظرة الغيبية والحكمة السببية معا مقترنتين. فلا يمكن الفصل بين مظاهر العزوف العام عن التطوع في البلاد الإسلامية وبين الحمولة الإيمانية السائدة في الأمة، أو بين النكوص المجتمعي وبين النظرة القدرية التي بها تصير مصائب الأمة وتخلفها وقصورها عوامل ابتلاء واختبار ليبلو الله تعالى الناس وليشهد النفس على حالها، إن هي اقتحمت وبادرت وسادت، أو تراجعت وخذلت وانكفأت.

يقول الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 1 ؛ كثيرا ما يربط العلماء والمفسرون هذه الآية الكريمة بمدلولها الأولي الطاغي على الأفهام، المرتبط بالجانب التربوي التعبدي المحض، في علاقة الإنسان بخالقه ودينه، ولا شك أنه الأصل والمدخل الأهم، غير أن النفس البشرية المخيرة بين السعادة والشقاء الأخروي تتشارك جميعها في سعيها الدنيوي في طبيعة تكوينها وحمولتها الإيجابية أو السلبية التي تتفاعل من خلالها مع محيطها الخارجي المادي وتأثر بالإيجاب أو السلب مع نقط التقائها في المجتمع. فتخاطب الآية الكريمة في هذا السياق كل نفس جاحدة بخالقها مستكبرة، أو ظالمة لنفسها مستسلمة، أو حائرة مترددة، بين اقبال وإدبار. ونفس الآية الكريمة تحيلنا على أنها تشمل كذلك كل نفس منعزلة عن المجتمع لا تخالط الناس ولا تهتم بأمرهم، نفس عاجزة تثقل المجتمع بسلبيتها، قاعدة عن الشأن العام، تعم القوم بفائض تقصيرها وتخاذلها الذي يكون سببا لهلاك القوم ومصرعه.

قد تصلح النفوس وتتغير مقبلة على خالقها، مدبرة عن المعاصي تواقة للعبادات، تنعم في لذة الطاعات… وكأنها حققت المقصود من الآية الكريمة بتغيير ما بالنفس حسب التفسير السطحي للآية، فما بال العذاب من الله يطال عبدا زاهدا قائما لم يعص الله تعالى طرفة عين، وقد غير ما بنفسه، بل وساق نفسه يجرها إلى باب الله تعالى متذللة منكسرة بين يدي المولى سبحانه؟ وقد جاء في الحديث القدسي عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: “أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا عَلَى أَهْلِهَا. قَالَ: فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ فِيهِمْ عَبْدَكَ فُلانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، قَالَ: فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ فِيَّ سَاعَةً قَطُّ”. عقاب من الله تعالى لعبد لم يتمعر وجهه في الله ساعة. أي لم ينكر منكرا ولم ينه عن المعصية قومه، بالنصح والدعوة والتوجيه. ولم يألم لحال قومه البؤساء المبتلَيْن بالبعد عن الجادة ولم يأس عليهم. فوجه متمعر في الله متهمم بأمر أمته ملتاع على حاضرها ومستقبلها مقبل على إصلاح شأنها مساهما في نهضتها ملبيا لواجب النصح والدعوة والخدمة خير عند الله تعالى من قاعس متخاذل، نكرة في أمته، سلبي العطاء، أناني الطلب، لما أقبل يصلح ذاته ويغير ما بها تناسى هم أمته تغافل عن دوره في مد يد العون للمجتمع الذي يتعافى كلما رفعته أياد حانية متهممة بأمتها ملتاعة لمصيرها. وقد جاء في حديث آخر: “… فإن وجهه لم يتمعر فـِيَّ غضبا لمحارمي”. فأي المحارم أعظم عند الله تعالى من تقاعس متقاعس عن مد يد العون لفقير أردته الحتوف بئيسا حزينا الدهر، لا يرتوي من فتات الدنيا حينا إلا وتخاطب سواد قلبه جموع الكفر المتربص؟ أي المحارم أعظم من تخاذل من عافاه الله من كل بلية عن خذمة المرضى والهلكة من أبناء مجتمعه الذين هزتهم ملمات الدهر هزا وأطاح بمعاني الحياة مصابهم حتى كأنهم أشباح نتنفر من ذكرهم الناس، فكيف بالقرب منهم وخذمتهم؟

تغيير ما بالنفس يبدأ أولا بمقاومة القساوة القلبية وموت معاني الأخوة الإنسانية وتبلد الإحساس العاطفي عند جموع الناس المدعوين إلى المشاركة في التغيير والبناء، حتى تصل رحمة الله تعالى العالمين، تطل عليهم من قلوب حانية، عرفت الرحمة وتذوقت حلاوتها، وجسدت للعالم فروض الولاء للانتماء الانساني الذي يجمع كل الأجناس والأطياف والانتماءات في قرية العالم التي جعلت نزلا ومحطة تمر منها الانسانية ساعات أو سنون أو قرون.

حين تقر النفوس بحق الآخرين عليها، وتطلق عنان الاستجابة لفطرتها التي روضتها إرادة التغيير الصادقة عودة إلى سجيتها الرحيمة، لا شك تزهر بعد ذلك عطاء في المجتمع، وتثمر إيجابية تنتفع بها الإنسانية عامة، فيغذو التطوع أصلا بعد أن كان استثناء وتصير المبادرة والمشاركة الجماعية للشعوب قوة تعضد مساعي التغيير التي أزهر ربيعها في شعوب أمتنا العربية الاسلامية هذه الأيام.


[1] سورة الرعد 11.\