بسم الله الرحمن الرحيم، المانح بالفضل والعطاء والخير العميم، فتوحات الغيب والمعراج العظيم، لسيد الخلق وحبيب الحق النبي الأمي سيدنا محمد المصطفى الكريم، أصل النور وماحي الضيجور، السراج الوهاج المشرق في العالمين، صلى الله عليه وملائكته والمؤمنون، رفعة وشرفا، وقربة ورضى، وبهجة وفرحا، ونورا قائما وملاذا آمنا، ورحمة لا شقاء بعدها ولاعنتا، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

عام الحزن، عام الفرح والفتح الغيبي يجلس حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم عند الكعبة، مسلما لرب العزة تصاريف أقداره راضيا بفعله، جلس عند أول بيوت الله آخر أنبياء الله صلى الله عليه وسلم، كما بدأنا أول خلق نعيده، السكون يلف المكان، والسكينة تعم الجسد والروح الطاهرين الشريفين، والزمان ليل تتلألأ فيه سرج السماء، عام من البلاء والحزن والعناء، لم ينله أحد في جنب الله مع الصبر والتسليم والرضى، مصيبة بعد مصيبة، وابتلاء بعد ابتلاء، كل ما سوى المولى يحجم ويتولى ويدبر، غيرة الحبيب على محبوبه، واصطفاء وتطهير واجتباء، وحكمة من ورائها رحمة وكرامة عظمى، الغيب يوشك أن يشرق ويفتح أبوابا للشهادة والشهود لا عقب لها ولا سابق، يوشك قلب الحبيب أحمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح الغيب على مصراعيه، وأبواب السماء بابا بابا، بالروح والجسد، من الأرض وإلى السماء، لقاء الرب المعبود بعبده المجتبى والمصفى من كل العيوب، بلا حجاب ولا كيف ولا وصف ولا كشف، انفراد الحبيب بالمحبوب، كل الأسرار كشفت، كل الأستار هتكت، وكل الأنوار أشرقت لك يا أحب الأحباب…

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (سورة الإسراء، الآية: 1) جلس الحبيب حزينا والسماء على موعد معه، تنتظر عرسه والاحتفاء به، هاهي دعوة الله محاصرة، وأعداء الله يتكالبون في أشد ما يكون العداء لدين الله، ترحل سيدة نساء العالمين، من حضنت الحبيب وكانت معه في كل المشاهد الأولى للرسالة والنبوة، أمنا وسيدتنا خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها ببيت من قصب في جنة الخلد لا لغو فيه ولا نصب، ترحل الزوجة والأم والسند، العم أبو طالب يموت أيضا تاركا صناديد قريش وكفارهم ينطلقون في غيهم وإذايتهم للحبيب، رحلت الحاضنة أم فاطمة الزهراء، ومات العم الحامي المناصر..، وتعلو راية الكفر طاغية باغية، شديدة البأس حاقدة، ولما خرج الحبيب يطلب السند من أهل الطائف، لقي ما هو أمر وأشد…، ويعلمنا الحبيب الحب والرحمة أصل العبودية ومحرابها، يوم الطائف يرمى الحبيب بالحجر من السفهاء، فتدمى عراقيبه الشريفتان ويرد معنفا تسيل منه الدماء..، ومن ورائه ملائكة الرحمان جند السماء ينتظرون أمره، لكن الحبيب رجى ورحم وعفا، فكان القدر وكان القضاء…

قد حان موعد الفرح يا سيد الأولين والآخرين، ها قد فتح الله لك ما لا يكون ولا ينبغي إلا لك، قد أذن الرحمان لك بلقائه، ونفحك بكامل وده، وأذهب قبضك ببسطه، قد كفاك الله همك وحزنك ويسر لك فتحا مبينا، ليتم نعمته عليك، ويظهر فضله لك وفضلك على العالمين، ويجعلك له، ويصنعك على عينه وبيده، قد حرم عليك كل لذة، وصرف عنك كل أمن، ومنعك من كل الغير، وتركك عاما ينظر كيف تفعل، فوجدك صابرا راضيا محتسبا لا تبالي، وجزاك على ذلك معجزة الإسراء والمعراج، فجمع لك كل فتح، وكشف لك كل غيب، وأكرمك بأقرب القرب ولم يبال…

نزل الروح الأمين جبريل مبشرا ومؤنسا ووصيفا، ومعه دابة السماء البراق حفاوة بالحبيب وتكريما، طاروا إلى طيبة أرض المهجر، فكانت أول البشارات وبداية الفتوحات، وإلى طور سيناء وبيت لحم سرى وصلى وشهد سلسلة النور، ودعوة من سبق من إخوانه الأنبياء، حتى نزل ببيت المقدس حيث المسجد الأقصى، وكان كل الأنبياء على موعد للصلاة، وصلى الحبيب إماما بهم، مودة ورحمة، وأخوة وقربى، صلوا جميعا شكرا وحمدا، وقدم الحبيب للصلاة، والاحتفال به كان أيضا صلاة، نهاية الإسراء كانت صلاة، بداية المعراج كانت صلاة، هدية السماء ستكون الصلاة، على أرض الأنبياء فوق بيت الشهداء بيت المقدس شهد صلاة الأنبياء بداية الليل جماعة، كما سيشهد صلاة الشهداء جماعة أيضا، في آخر الزمان عند نهاية الليل وبزوغ الفجر ونزول عيسى وظهور المهدي وقتل المسيح الدجال أعظم الشرور.