أمـا قبل

تكريما لرسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خص الله تعالى الأمة الإسلامية بخصائص عديدة، منها:

1. بشرت بالنصر وتوفيق الله المسبق متى حققت شروط ذلك: قبول إيماني يصل دنيانا بآخرتنا ويربط مصيرنا في الآخرة بأعمالنا هنا. واحترام عملي يثبت أقدامنا على الأرض، ويضع بين أيدينا وسائل القوة التي أمرنا بإعدادها، ويعطينا مواصفات المؤمنين المجاهدين الذين يستخلفهم في الأرض ويمكنهم فيها) 1 ، وفي الحديث: “ليبلغن هذا الأمر ـ يعني الإسلام ـ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزعزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر” 2 .

2. أخبرت سلفا بمراحل تاريخها وعقبات مسيرتها التاريخية ومآلها في آخر المطاف؛ وكان لهذا الإخبار الأثر الكبير في توجيه المسلمين وتحديد متطلبات كل مرحلة على حدة. من هنا يطرح السؤال: هـل ننضوي تحت ظل سنة الله لنستحق رعاية الله وموعود الله؟ هل ننتهج سنة رسول الله لنأمن العثرات في سيرنا في الميدان؟ هل نسير على منهاج النبوة لنهيئ الخلافة الثانية متأكدين من أن الأمر ليس تاريخا أهوج صراعيا لا معنى له، بل الأمر سنة الله، تعطينا معنى وجود الإنسان ومعنى دفع الله الناس بعضهم بعضا في مسار مقدر من لدن حكيم خبير؟) 3 .

3. تكفل الله تعالى بحفظ دينها من أي تحريف باعتبار الإسلام آخر رسالة سماوية للإنسان، كما تكفل سبحانه بتجديد دينها ببعث من يجدد للأمة أمر دينها على رأس كل مائة عام كما في الحديث؛ تجديد في فهم الدين، لا تغيير في أصوله وثوابته، ضروري ليبقى الإسلام صالحا لكل زمان ومكان.

ويعتبر التجديد في فهم السيرة النبوية لازما وأكثر إلحاحا لأنها التطبيق العملي للإسلام والنبع الصافي الذي ينهل منه المسلمون فرادى وجماعات شحذا للهمم واستلهاما لخطط عمل بها تفلح دنيا وآخرة.

تذكير لا بد منه

يقال: من لا ذاكرة له لا مستقبل له)، وقد نجح أعداء الأمة بتواطؤ مفضوح مع حكام المسلمين في فصل أجيال المسلمين عن أصولهم، ومنها السيرة النبوية من خلال ما أسموه: تجفيف منابع التطرف)، فجردوا البرامج التعليمية من كل ما له صلة بأسباب انبعاث الأمة وإذكاء جذوة الحماسة فيها، بل تجرؤوا ـ تطبيقا لأوامر الأسياد ـ وحذفوا آيات القرآن الكريم التي تحث على الجهاد لأنه إرهاب حسب التصنيف الأمريكي والاستكباري عموما.

فكسرا لجدار التعتيم على أصل أصيل في صياغة شخصيتنا الإيمانية، يأتي هذا المقال لاستجلاء بعض معاني معجزة الإسراء والمعراج لتصبح منارا يهتدى به وباعثا على العمل المتجدد.

سيـاق الحدث

تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أصناف الأذى القرشي منذ اليوم الأول من بعثته، وأخذ الأذى يتنامى مع بدء دخول الطلائع الأولى من الصحابة للإسلام، ليبلغ التضييق مداه خلال السنة العاشرة من البعثة حيث توفي عمه أبو طالب سنده ومصدر حمايته الخارجية، وتوفيت خديجة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي صلى الله عليه وسلم، سكنه التي تداوي جراحه النفسية تخفف عنه ما يلقاه من مشقة في سبيل الدعوة.

ولما ضاقت به صلى الله عليه وسلم مكة توجه إلى الطائف عله يجد فيها من يسمع كلمة الحق ويحميها، فـووجه بالجحود والصدود، وسلطت عليه الطائف سفهاءها فأسمعوه ما يؤذيه، بل قذفوه بالحجارة وأدموا قدميه الشريفتين، فالتجأ إلى بستان يلتمس الحماية، وجلس رافعا عينيه إلى السماء يناجي ربه بهذا الدعاء الخالد: “اللهم إليك أشكو ضَعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن رحمتك – أو عافيتك – أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

عاد صلى الله عليه وسلم إلى مكة مستجيرا في حماية أحد فضلائها، وكأنه بذلك فقد صفة “المواطنة” في بلده مكة، وبعيد أيام يكرمه المولى الكريم بمعجزة الإسراء والمعراج حيث أسري به روحا وجسدا على البراق من مكة إلى بيت المقدس، ومنه إلى سدرة المنتهى في رحلة استثنائية رافقه صلى الله عليه وسلم فيها جبريل عليه السلام.

لقد حققت معجزة الإسراء والمعراج هدفين كبيرين: أولهما مواساة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيف ما لقيه من عناء وعنت قريش فتحا لآفاق واسعة للدعوة. وثانيهما تقديم دليل قاطع على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم، خاصة وأهل مكة يعرفون أن الرحلة إلى بيت المقدس تستغرق أربعين يوما، فكيف تقطع قي ليلة أو جزء منها؛ انبهار تضاعف لما أخبرهم صلى الله عليه وسلم بمشاهد دقيقة من رحلته من قبيل مكان القافلة التجارية وشرود جملها ووقت دخولها بالضبط إلى مكة.

بعض ما يستفاد من الحدث

1. الحق سبحانه أراد أن تكون معجزة الإسراء والمعراج دليلا إيمانيا يبقى إلى يوم القيامة، لأن رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم باقية إلى يوم القيامة، فجعلها غيبا.. وتكون مدخلا للإيمان، لأن الإيمان ليست أداته الرؤية..) 4 .

2. تعتبر معجزة الإسراء والمعراج محكا إيمانيا وتمحيصا لصف المسلمين، فقد ارتد ضعاف الإيمان، والله سبحانه وتعالى لم يكن يريد في أول الدعوة أن يحملها ضعيف الإيمان، بل كان جل جلاله يريد رجالا أقوياء الإيمان يحملون دينه.. لا يهتزون أمام الترف الدنيوي الذي سيقابلونه في أرض ستفتح لهم كفارس والروم) 5 . رجال إيمانهم ثابت لا يزعزه المشككون، رجال من عيار أبي بكر الصديق ـ الذي لم يتردد في تصديق المعجزة ـ هم أوتاد الدعوة التي يجب أن يعول عليها، وفي هذا درس بليغ لأبناء الحركة الإسلامية للتمييز بين ما يرجى صلاحه لذاته وبين ما يستطيع تحمل أعباء الدعوة، ومن أسماه صلى الله عليه وسلم بالرواحل.

تمحيص للصف كان ضروريا استعدادا لما سيستقبله الإسلام في إطار تدافعه مع الباطل من شدائد واستحقاقات من قبيل الهجرة إلى المدينة، ما أدراك ما الهجرة؟ إنها صناعة الله تعالى يدبر الشؤون ويرتب الأحداث والوقائع خدمة لدينه وتمكينا لدعوته.

3. تم التنصيص في الإسراء على العنصر الزمني -“ليلا”- لعرض المشاهد: قافلة التجارة ووصف بيت المقدس، بما هي دلائل حسية عن صحة المعجزة، احتراما لطبيعة البشر وقدرته الإدراكية، في حين لم يشر إلى الوقت الذي استغرقه المعراج لأن التصديق به مؤسس على التصديق بالإسراء، فمن جحد بصحة الإسراء لا جدوى من مناقشته في صحة المعراج. وهنا تبرز حكمة التدرج والبناء المنطقي واعتماد خطاب واقعي في بسط المشروع الإسلامي. حكمة ما أحوج أبناء الإسلام اليوم إليها ترشيدا للجهود: التدرج والواقعية واعتبار عنصر الزمان ليقتنع الناس بما تـراه صوابا وواجبا.

4. سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.. حددت نقطة الانطلاق ونقطة الوصول في إشارة لطيفة للبعد التخطيطي في العمل الإسلامي من أجل أن تمرحل الخطوات بعيدا عن الضبابية والارتجال في السير.

5. اختيار بيت المقدس مسرى لرسوله صلى الله عليه وسلم يحمل أكثر من دلالة، ومنها الإشارة إلى وراثة الإسلام لما سبقه من رسالات سماوية تؤكدها إمامته صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمرسلين قبل المعراج. ومنها لفت نظر المسلمين اليوم إلى محورية تحرير بيت المقدس في بناء كيان الأمة الإسلامية، وتأتي ذكرى الإسراء والمعراج لتنبه المسلمين حكاما وشعوبا لمأساة بيت المقدس والمسلمين في فلسطين عموما، ومسؤوليتهم الدينية والتاريخية فيما يتعرضون إليه من تنكيل وتقتيل وتهجير وتجويـع.

6. جاءت معجزة الإسراء والمعراج تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومواساة له لما لقيه من أذى وتضييق، وهذا معناه أن الإسراء ـ السير ليلا ـ يصحّ أن يظل حدثا متجددا في حياة المؤمن من خلال قيام الليل تحقيقا للأنس بالله تعالى وهروبا من صخب الدنيا وهذيان العالم؛ وليس عجيبا أن أحب فضائل الأعمال الصلاة في جوف الليل بها تنفتح أبواب السماء، وتتنزل الرحمات، ويستجاب للسائل والمستغفر والتائب. وما أشد حاجة من ندبوا أنفسهم لإحياء الإسلام وتجديد معانيه في قلوب المسلمين للوقوف في جوف الليل تضرعا وافتقارا للمولى الكريم والتماسا للسداد والرشاد لتنزيل قدره تعالى ونصره في زمن تكالب فيه الخصوم والأعداء على الإسلام وتحالفوا لاستئصال شوكته تحت عنوان: محاربة الإرهاب.

7. فرضت الصلاة دون غيرها من العبادات في السماء إشارة إلى مركزيتها التعبدية، فالصلاة صلة بين العبد وربه تتجدد خمس مرات في اليوم الواحد، وهي في جوهرها عروج بالروح لتسبح في ملكوت الله تعالى. ونظرا لمحوريتها اعتبرت إقامتها عنوان فلاح المؤمن وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، ولذات الأهمية دلّ تضييعها على انفراط عِقد الدين وانتقاض عراه كما في الحديث.

8. عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهد خلال المعراج ذات طابع تربوي تقويمي لسلوك المؤمن، إذ أبرزت المشاهد ثواب أعمال: كالجهاد، وجزاء أعمال أخرى كتأخير الصلاة عن وقتها والزنا والربا والغيبة وغيرها، وهذا تأكيد على الرسالة التربوية للإسلام تهذيبا للنفوس، على قاعدة: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وحبذا الوقوف مع النفس ليحاسب المرء نفسه عما كسب واكتسب قبل أن يتحسر عما فرط في جنب الله تعالى.

أمـا بـعـد

إن معجزة الإسراء والمعراج لم تكن ـ ولا يصح أن تكون ـ حدثا مرتهنا بزمن أو مرحلة تاريخية ولّت، بل إنها ـ شأن أحداث السيرة كلها ـ مدرسة للتكوين منها تستمد العبر والدروس التربوية والخطط العملية تطبيقا للإسلام بما يقتضيه كل زمان ومكان ليعانق المسلمون النصر الموعود. يقول تبارك وتعالى: وعـد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئاصدق الله العظيم. والحمد لله رب العالمين.


[1] سنة الله للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 08.\
[2] رواه ابن حبان في صحيحه.\
[3] نفس المرجـع، ص: 243.\
[4] المعجزة الكبرى للشيخ محمد متولي الشعراوي، ص: 54.\
[5] نفس المرجـع، ص: 60.\