تمر علينا هذه الأيام ذكرى الإسراء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد الأقصى والإعراج به -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء.. وهي ذكرى متكررة نلقاها سنويًّا.. ونجلس في ظلالها نتفيأ الحديث عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- ومعجزة ذهابه إلى المسجد الأقصى في ليلة، ونذكر بالفخار إمامته بالأنبياء -عليهم السلام-، ثم نتطرق لقصة عروجه إلى كل سماء وما فيها من أحداث ودروس.

وكلما تتابعت الأيام.. وجاءت ذكرى الإسراء والمعراج.. تتدافعني الشجون نحو أشخاص وأمكنة هذه الذكرى.. أحاول التقرب منها.. أجالس أشخاصها وأحاورهم وأصاحبهم.. وأقف على أماكنها أتأملها وأستنبط العبر والحنين.

ولكن.. بعيدًا عن تفاصيل الإسراء والمعراج وأحداثهما.. تتوقف أحاسيسي عند لغتين أوسع وأعم وأشمل في حروفها وألفاظها ودلالاتها.. لغتين تصوران نواميس الكون.. وتحددان مسارات الدنيا والوجود.. وتمدانا دائمًا بمناهل العبر والعظات والدروس.. إنهما لغتا الريادة والمكانة اللتان نالهما حبيبنا -صلى الله عليه وسلم-؛ الريادة في الإسراء، والمكانة في المعراج.

الريادة حين أَمَّ نبينا -صلى الله عليه وسلم- الأنبياء -عليهم السلام-، ليربط أمته بكل أصولها وأسلافها من الأنبياء والصديقين والشهداء، وليصل بها إلى أنها أمة الإمامة.. أمة القيادة.. أمة الواجب.. أمة المسئولية.

هذا ما أراده ربنا -سبحانه وتعالى- منا -نحن المسلمين-: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، ولهذا سمي ديننا بالإسلام.. إنه إسلام النفس إلى خالقها.. إسلامها إلى واجبها.. إلى تبعاتها المناطة بها.. إلى رسالتها التي عليها أن تحملها.. إسلامها إلى ريادتها وقيادتها الركب.. كأن المسلم يُسلم روحه إلى الإنسانية تهتدي وتقتدي بها. إنها لغة الريادة.. بين سكينة النفس في الداخل.. وتبعة المسئولية في الخارج.

أما لغة المكانة فقد وصل -صلى الله عليه وسلم- في معراجه إلى السماء حيث لا يصل أحد، توقف الأنبياء والملائكة، ومضى هو -صلى الله عليه وسلم- إلى أعتاب ربه -جل شأنه- ينال الشرف والسمو والعلاء، ويضفي كل هذا على أمته، فتزهو به وتشرف، وتكون أمة الشهادة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، وتغدو خير أمة: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ.

ولهذه المكانة شروط وتوابع ومهام، لا ينالها إلا من قام بها بحقها، وما حقها بهين، ولا رخيص، إنها الوصول إلى لقاء مالك الملك ذي الجلال والإكرام وهو فوق عرشه -سبحانه- ويا له من وصول، ويا لروعته من لقاء، فمن أرادها سهر الأيام والليالي، أسلم النفس.. وهجر الـ”أنا”.. وعرف دوره: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

إنها لغة الريادة.. بين شرف لقاء مالك الملك في السماء.. وتوابع هذا الشرف في الأرض.

وبين “الإسراء والمعراج” أو بين “الريادة والمكانة” علينا أن نتوقف عند “المعبر”، وعند “الامتداد”.

نتوقف عند “المعبر”.. المسجد الأقصى المبارك الذي فيه كانت رحلة الريادة، وبدأت منه رحلة المكانة، في إشارة واضحة إلى مكانته في ديننا، وإلى أهمية دوره لكل مسلم، فلا الريادة تكمل بغير أن يكون معنا وبنا وفينا، ولا المكانة تُنال طالما كان طريقنا إليه مقطوعا، ولو وعى المسلمون هذا الدرس لما كان على مسجدنا الأثير أن ينظر وينتظر ويألم، ولما كان على المسلمين أن يألموا كما يألم، ولما شكا مسلم العجز والضعف، ولما حل الوهن في الأجساد، ولما خارت العزائم.

إن ما يربطنا بالمسجد الأقصى أكبر من مجرد مكان أو مسجد أو حرم، إنه عنوان وجودنا، ودليل ريادتنا، وموطن مكانتنا.. وحنيننا إليه ليس حنين مكان فقدناه، ولكنه حنين عاشقٍ يعلم ألا كيان له ولا وجود إلا بكيانه وبوجوده.

إن حاجتنا للمسجد الأقصى أكثر مئات المرات من حاجته إلينا لو كنا نعلم. ونتوقف عند “الامتداد”.. حيث علَّمتنا رحلة “الإسراء والمعراج” أن المسلم شخص ممتدٌّ بوجوده وبكيانه وبخيره على العالَمين. شخص يرتبط في لحظة واحدة مع المسجد الحرام وكل من يتجه إليه، ومع كل الرسالات السابقة عبر المسجد الأقصى ومن صلى فيه من الأنبياء -عليهم السلام- ومن ثَمَّ من تبعهم، ومع كل أهل السماء عبر المعراج إليها وإليهم.

والمسلم أيضا شخص موصول بخالقه -تعالى- يستمد منه اليقين والسكينة في داخله، والعون والمدد والعزم في خارجه، ويلقي على أعتابه تعبه وعناء مسيره، ليتجدد ويبدأ كما لو يبدأ أول مرة. وشخص حمَّلته رحلة “الإسراء والمعراج” واجبات ومسئوليات نحو العالَمين، لا يكون فيها مسلمًا إلا إذا أداها وقام بها حق القيام.

هذا ما أخبرتنا به رحلة “الإسراء والمعراج”.. نتذكرها وأحداثها، وكيف كانت مفتاح الريادة والمكانة والهداية للإنسانية.. وتتدافعنا العواطف نحو أشخاصها وأماكنها.. وتلقي علينا تفاصيلها بظلال الفخار والانتماء لهذا الدين.. ونجلس دائما أمام أشخاصها.. نحبهم.. وننهل منهم حتى الارتواء.. ولكن.. تبقى في النفس غصة حين نتذكر أماكنها.. لأن ريادتنا تائهة.. ومكانتنا بعيدة المنال، حتى يعود مفتاحنا ومعبرنا إلى أحضاننا.. وحتى يتوقف “المسجد الأقصى المبارك” عن الشكوى والأنين والألم.

هذه ذكرى “الإسراء والمعراج”.. نتذكرها.. ونفخر بها.. لكنها تبقى ذكرى ناقصة.. حزينة.. دامعة، حتى نقوم بدورنا، وبمسؤوليتنا، وبواجبنا، نحو ربنا.. ومسجدنا.. والعالم من حولنا.