من الإشكالات الكبرى التي تطرح حين الحديث عن مهنة التدريس بالمغرب ما إذا كان الإقبال على ممارسة هذه المهنة نابعا من حب صادق، ومن إرادة حقيقية، أو كان مجرد إجبار وإرغام، خاصة في ظل شبح البطالة المفزع الذي أصبح يقض مضاجع التلاميذ والطلبة منذ بدايات مسيراتهم الدراسية. ويجد هذا التخوف ما يبرره في ظل واقع مرير تتحدث أرقامه وإحصائياته عن تزايد مطرد لظاهرة بطالة خريجي الجامعات والمعاهد، وهذا ما أفرز خريطة سوسيولوجية تمتد من الأسرة إلى الشارع، بحيث لا تكاد تخلو أسرة من الأسر المغربية من حالة عطالة جامعية. أما في الشارع العام فقد أصبح مشهد المعطلين المعتصمين مشهدا عاديا لا يكاد يثير اهتمام أحد، أما أخبار ما يتعرض له هؤلاء المعطلون من تعنيف وقمع ومطاردة واعتقال فمما يملأ صفحات الجرائد بين الفينة والأخرى…

في ظل هذا الواقع لم يعد للميول ولا للرغبة من حضور في مسألة اختيار المهنة، فقد أصبح الحصول على “وظيفة” بمثابة “الكبريت الأحمر” أو قل إن شئت “الحلم الوردي” الذي لا يتحقق إلا لذوي الحظوظ، أو لذوي الامتيازات الاجتماعية والمادية. فقد رسخت أزمة البطالة الخانقة في أذهان الأجيال الصاعدة سلوكا مفاده ضرورة الانقضاض بشراسة على أول فرصة تتاح، وضرورة التخلي تماما عن أحلام الشهادات الجامعية العليا التي أصبحت مرادفة للتهميش والإهمال والنسيان… هكذا أصبحنا نجد من يتخلى مكرها عن كلية الطب، أو كلية الحقوق، أو عن مدرسة من المدارس العليا، ليلتحق بمركز تكوين أساتذة التعليم الابتدائي.

هل يحق لنا بعد كل هذا الحديث عن مدرس يزاول مهنته عن حب واختيار؟! ألا نجد أنفسنا ملزمين بالتماس أعذار لهؤلاء الشباب الذين يضربون أحلامهم وكفاءاتهم عُرض الحائط، ويهرولون لانتهاز أول فرصة تتاح لهم خوفا من شبح التهميش والبطالة؟! ثم هل نكتفي بقراءة ساذجة لهذه المفارفات الغريبة؟! ألا يتعلق الأمر بمخطط خبيث يرمي إلى إقبار الكفاءات، وإشاعة روح اليأس والتشاؤم في أوساط الشباب؟! ثم ألا يتعلق الأمر باستهداف مقصود وممنهج لمهنة التدريس التي أصبحت _ للأسف الشديد _ مهنة من لا مهنة له؟!

لا غرابة أن تشيع في أوساطنا المدرسية سلوكات تنم عن حالة الانفصام والنفور والاشمئزاز وعدم الرضى؛ فمن العنف الرمزي إلى العنف الجسدي، ومن العنف إلى العنف المضاد، ومن الغياب المتعمد المستمر هروبا من المواجهة إلى الغش والتنصل من المسؤولية، ومن الهروب الرمزي والعاطفي والفكري، إلى الهروب الفعلي والبحث عن مهنة بديلة مريحة أكثر، أو تدر أرباحا مادية أكثر… وما أكثر أولئك الذين استغلوا الوظيفة للحصول على تأشيرة السفر إلى أوروبا، فكانت جسر فرارهم الأبدي إلى الضفة الأخرى…

ولعل التفاتة بسيطة إلى بعض من كنوز تراثنا الإسلامي كفيلة برسم بعض من ملامح المكانة السامقة المتميزة التي يحظى بها المدرس، فهذا النبي الأكرم عليه من الله الصلاة والسلام يقول: “إن الله تعالى وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، حتى الحوت في البحر ليصلُّونَ على معلم الناس الخير” 1 ، وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بني، زاحم العلماء بِرُكْبَتَيْكَ، وأنصت إليهم بأذنيك، فإن القلب يحيا بنور العلماء كما تحيا الأرض الميتة بمطر السماء) 2 .

تكمن حساسية وأهمية دور المدرسين في كونهم يتعاملون مع أجيال من الأطفال والمراهقين والكبار، وبذلك فإن مسؤوليتهم تكمن في كونهم يشاركون في نموهم، وهذا يعني أنهم يستطيعون مساعدتهم في ذلك أو قد يعيقونهم في سعيهم للنمو، إنهم مرتبطون بهم ارتباطا أصيلا في عملية اكتشافهم للحياة، وقد يؤدي عدم الكفاءة وضعف الإعداد وعدم المسؤولية في ممارستنا التعليمية إلى إخفاقهم في مواصلة النمو والاكتشاف) 3 ، إن المدرسين يساهمون بشكل كبير وفعال في تشكيل المتعلمين تدريجيا حتى يصبحوا أشخاصا لهم حضورهم ي هذا العالم) 4 .

ولعل المفارقة المثيرة للجدل والتساؤل هو أن مهنة التدريس فقدت بريقها، ولم تعد حلما يُسعى سعيا لتحقيقه، بل إننا لا نكاد نبالغ إذا قلنا بأنها أصبحت مهنة من لا مهنة له)، وهو الوضع الذي يشكل إفرازا للأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها مجتمعات العالم الثالث عموما، ففي البرازيل “وحسبما أورده إب. أي بيرلنك في كتابه (العوامل المعيقة في تطوير التعليم البرازيلي): لقد كان من بين النتائج الرئيسية لضعف المرتبات أن أصبحت مهنة التعليم لا تغري أحدا… ولقد ظل عديد من حكام المقاطعة يرددون عبارة مفادها أن الذين يلتحقون بالتعليم هم أولئك الذين ليس لديهم أي قدرة على عمل آخر، ومن الأمور الملحة أن يكون لسكان البرازيل تقدير أفضل لمهنة التعليم، وليس هناك من وسيلة قليلة الجدوى لعدم تحقيق ذلك أسوأ من بقاء أحوال المرتبات الهزيلة التي يتقاضاها المعلمون حاليا) 5 ، ومن المفارقات التي تطرح نفسها في هذا السياق أن كل الكفاءات والأطر المسؤولة في الدولة في شتى القطاعات والمجالات إنما يعود الفضل الأول والأخير في تكوينها وتأهيلها إلى المدرس، الذي يجد نفسه في نهاية المطاف في مرتبة أدنى من أولئك الذين ساهم في تنشئتهم وتعليمهم وتربيتهم…، ولعله من العسير تفسير ذلك الفرق الشاسع والنسبة المختلة بين ما يتقاضاه رئيس مجلس إدارة شركة حكومية _ بصرف النظر عن أهمية عمله _ وما يتقاضاه المعلم الابتدائي في مقابل عمله. ويدعونا إلى الأسى حين ندرك أن هذا الذي يحتل موقع رئيس مجلس الإدارة حاليا، كان بالأمس في حاجة إلى هذا المعلم الابتدائي) 6 .


[1] قال الترمذي (5/50، رقم 2685):حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِىُّ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جَمِيلٍ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ _ صلى الله عليه وسلم _ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم _ « فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _ صلى الله عليه وسلم _ « إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِى جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وأخرجه والطبرانى (8/233، رقم 7911) من طريق حدثنا أحمد بن عمرو بن الخلال المكي ثنا يعقوب بن حميد ثنا سلمة بن رجاء قال الحافظ العراقى فى تخريج “الإحياء” 1/ 18: قال الترمذى: حسن صحيح و فى نسخة غريب. وقال الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 1838 في صحيح الجامع.\
[2] (العقد الفريد) / ابن عبد ربه الأندلسي / شرحه وضبطه ورتب فهارسه : أحمد أمين _ إبراهيم الأبياري _ عبد السلام هارون / دار الكتاب العربي _ بيروت/ ج3/ ص : 148.\
[3] (المعلمون بناة ثقافة: رسائل إلى الذين يتجاسرون على اتخاذ التدريس مهنة) / باولو فريري / ترجمة: حامد عمار، عبد الراضي إبراهيم، لمياء محمد أحمد/ طبعة خاصة تصدرها الدار المصرية اللبنانية/ لا ت/ ص: 89.\
[4] (المعلمون بناة ثقافة) 89.\
[5] (المعلمون بناة ثقافة) 94 _ 95.\
[6] (المعلمون بناة ثقافة) 95.\