فيما يلي الجزء الثاني من بحث “جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2012” الذي شارك به الدكتور عمر أمكاسو، عضو مجلس إرشاد الجماعة ونائب رئيس الدائرة السياسية، في تقرير “الإسلاميون في عام 2012” الذي أصدره مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث.

المبحث الثاني: جماعة العدل والإحسان داخل المشهد السياسي المغربي.. العلاقة مع النظام ومع الحكومة

رغم منهجها السلمي النابذ لكل أشكال العنف، ودعواتها المستمرة للحوار الوطني والتعاون مع جميع المكونات السياسية والمجتمعية، فإن علاقة جماعة العدل والإحسان مع السلطة ممثلة في النظام الحاكم والحكومة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية، تميزت بالتوتر والشد والجذب خلال هذه السنة.

ذلك أن جماعة العدل والإحسان تصر على أن الشعارات الرسمية التي يرفعها النظام المغربي والتي تُوهم البعض بالسير في طريق الديمقراطية والعمل على تحقيق دولة الحق والقانون والمؤسسات، ليست سوى تمويها وواجهة تخفي حقيقة هذا النظام الموغل في الاستبداد والفساد، لأن سبر أغوار السياسات العمومية يؤكد أن الأمر وهم وسراب ينكسر على بؤس الواقع ويكشف عن كذب ادعاءات المخزن الحاكم. فانقشاع السراب الخادع يكشف عن نفسه كلما ازدادت مظاهر الاستبداد في سلوك ممارسي السلطة، والاستبدادُ يعلن عن نفسه بدون استحياء عندما يرفض الحاكم حتى مجرد تقاسم بسيط للسلطة مع الحكومة الجديدة التي يقودها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية رغم أن هذا التقاسم مُسطر في “دستور جديد” قيل أنه يشكل بداية تدبير مرحلة “انتقال ديمقراطي” بالمغرب.

كما أن سبر أغوار العمل السياسي في هذه السنة وما قبلها -دائما حسب قراءة الجماعة- يكشف عن عطب كبير وشرخ عميق يتجلى في معضلة تشكيل وتوزيع وممارسة السلطة ومحاسبة من يتولاها، والتي لا يشك أحد أنها مازالت بيد لاعب رئيسي هو الملك ومحيطه اللذان يشكلان المخزن في أبعاده ومجالاته المختلفة، أما الحكومة والبرلمان فلا يعدوان أن يكونا كومبارسا لا يملك من أمره إلا “سلطة” شكلية وخجولة.

ورغم اختلاف التفاصيل والحيثيات السياسية، فإن جوهر وطبيعة الاستبداد المغربي لا يمكن إلا أن ينتجا واقعا سياسيا، هذه أهم عناوينه:

1- تضخم المجال الملكي

ازدادت مجالات التدخل الملكي في الشأن العام إلى درجة أن الملك أصبح هو المرجع الأول لكل القرارات التي تضع الإطار العام للسياسات العامة، والمتحكم حتى في التفاصيل عبر مجموعة من الأدوات، مثل إحداث مؤسسات عمومية ولجان ومجالس استشارية تستولي على اختصاصات الحكومة والبرلمان. ففي المجال الاجتماعي أقر الملك برنامجا اجتماعيا عرف بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بميزانية ضخمة ومنح مراقبتها وتدبيرها لوزارة الداخلية التابعة للقصر، أما السياسة الخارجية، فهي منذ زمان تمثل الصندوق الأسود والمجال المحفوظ الذي لا يقدم الحساب إلا للملك، ولعل التعتيم الذي يعرفه ملف الصحراء مثال واضح على ذلك، فمع توالي المفاوضات لم يقدم للمغاربة إلا النزر القليل.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2012 (3/1)

ومن جهة أخرى، خول الدستور الممنوح الجديد للملك مكانة خاصة في الحقل السياسي المغربي، فهو يوجد على هرم السلطة السياسية في البلاد، وأعطاه اختصاصات احتكارية في مجالات شديدة الحساسية، ومع ذلك يسجل خلال هذه الآونة تجاوزه لصلاحياته مثل ما حدث مع تعيين مسؤولين سامين مثل السفراء، ويتدخل الملك في كل شيء دون أن يخضع للمحاسبة. وإن مركزية الملك في النظام السياسي المغربي ألغت باقي الفاعلين وقتلت مقومات الممارسة السياسية السليمة كما هي متعارف عليها في التقاليد الديمقراطية.

كما أن العديد من الملفات تسحب عمليا من الحكومة، سواء عبر التدخل الملكي المباشر أو عبر اللجان الاستشارية، ناهيك عن الأموال المقتطعة من الميزانية العامة لتدعيم العديد من الصناديق المحدثة من طرف الملك، كصندوق الحسن الثاني والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومؤسسة محمد الخامس للتضامن…

كما أن الحكومة ألفت تدبير قطاعات وملفات بعيدا عن سلطتها وتحكمها، كما هو الحال بالنسبة للقطاعات التي تسير من طرف وزراء غير منتمين، بل مختارين من طرف الملك تحت مسمى “وزراء السيادة”، وهم بذلك لا يمكن أن يطبقوا إلا برامج الملك ولا يخضعون إلا لتوجيهات مستشاريه.

ورغم أن الدستور المغربي ينص على أن الإدارة موضوعة رهن تصرف الحكومة، فإن الواقع يشهد أن وزارة الداخلية مافتئت تزحف على الإدارة المغربية عبر العديد من الوسائل وبعيدا عن سلطة الحكومة.

من جهة أخرى، يقوم الملك بإحداث وتعيين العديد من اللجان ذات الطابع الاستشاري ويكلفها بمهام هي من صميم العمل الحكومي أو البرلماني كاللجنة الاستشارية التي كلفها الملك بإعداد مشروع حول الجهوية الموسعة، مع العلم أن الحكومة يمكنها أن تقوم بذلك عبر مشروع قانون يعرض على البرلمان للمناقشة والتصويت، والشيء نفسه يسري على تعديل الدستور حين قام الملك بتعيين لجنة استشارية تقوم بإعداد مشروع التعديل ووضع لها التوجهات والأهداف والخطوط الحمراء، رغم أن البرلمان والحكومة يمكنهما القيام بذلك طبقا للمقتضيات الدستورية.

كما أن القصر قام بتعيين 30 سفيرا جديدا دون أن يسلك المسطرة المقررة دستوريا وأمام صمت رهيب لرئيس الحكومة، مما يقدم لنا مؤشرات ملموسة عن طبيعة التغيير الموعود.

ورغم التبشير المبالغ فيه بعهد “التغيير”، فإن أرقام البرنامج الحكومي وما صرح به رئيس الحكومة لا تدعان مجالا للشك أن انتظارات الشعب المغربي سوف تتكسر أمام واقع مرير ومخزن ما فتئ يضع الأشواك ويزرع الألغام في طريق كل ذي مروءة وصادق ليحول الأمر إلى سراب ووهم يتعامى البعض عن رؤيته.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2012 (3/3)

كما لوحظ خلال هذه الفترة تكثيف استغلال الصفة الدينية للملك وحرص على احتكار الفعل في هذا المجال وتهميش العلماء وإقصاؤهم من المجال العام وتأميم المؤسسات العلمية والمساجد وتحويلها إلى فضاءات للدعاية الرسمية لفرض سياسات مخزنية وإصرار على الإبقاء على طقوس مذلة للكرامة الآدمية وتعسف في إلحاقها بالإسلام. والأغرب هو الإصرار على الحفاظ على هذه الصفة باعتبارها حقلا احتياطيا للتسلط في حالة نفاذ الحقول الدستورية الأخرى التي صيغت بفلسفة تحكمية واستفرادية بعيدا عن روح الدساتير الديمقراطية القائمة على فصل السلط وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة واحترام الحقوق والحريات.

2- “حكومة” عاجزة

تميز العمل الحكومي -حسب قراءة جماعة العدل والإحسان- بترسيخ الإعاقات البنيوية التي تحد من انبعاث عمل حكومي مسؤول يدبر الشأن العام، فالحكومة محكومة بقواعد “لعبة” تسحب بشكل مستمر صلاحياتها التنفيذية لفائدة مراكز سلطة أخرى غير منتخبة ومنزهة عن كل محاسبة.

فعلى المستوى النظري، تضطلع الحكومة بجزء مهم من صناعة السياسات العمومية، إلا أنها واقعيا لا تتوفر إلا على هامش صغير جدا من الصلاحيات، حيث يسمح لها فقط بتطبيق الاختيارات الملكية المعلن عنها في مختلف المناسبات، وهذا ما جرى به العمل في السنوات الأخيرة وما تكرس بشكل مسترسل في هذه السنة.

كما أن استبطان القوى السياسية المختلفة الممثلة داخل البرلمان لممارسة السلطة بهذا الشكل ساهم في صعوبة توفر الحكومة على السلطة الكافية لتدبير الشأن العام، مما جعل العديد من الملفات الكبرى تدرس ويقرر بشأنها بعيدا عن السلطة التنفيذية، ونذكر هنا على سبيل المثال: الملف الاجتماعي وملف الصحراء والسياسة الخارجية والسياسة الأمنية و”الشأن الديني”، ناهيك عن باقي المشاريع الكبرى التي تستهلك ميزانيات ضخمة وتقع في دائرة اختصاص المخزن حصرا وتنشأ لها الصناديق الخاصة ولا يعرف عنها البرلمان والحكومة شيئا.

3- “البرلمان” الصوري

على غرار باقي المؤسسات الدستورية الأخرى، لم يعرف البرلمان المغربي، خلال هذه السنة أي مستجد أو تغيير في أدواره أو هياكله أو طريقة اشتغاله، بل ظل حبيس منهجيته العقيمة التي يطبعها البطء والروتين رغم مرور ظروف استثنائية اتسمت بغليان الشارع المغربي.

وكل هذا لا ينسينا افتقاد البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين) للطابع التمثيلي لأنه برلمان أقلية بسبب مقاطعة الأغلبية الساحقة للمواطنين للمسلسل الانتخاب، وبرلمان ناتج عن انتخابات مزورة تفتقر لأدنى مواصفات النزاهة.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2012 (3/3)

المبحث الثالث: محاولات جماعة العدل والإحسان تجاوز واقع الحصار

رغم الشعارات الرسمية المرفوعة والتي مافتئت تتغنى بـ”النموذج الديمقراطي المغربي” وتروج لهامش الحريات الذي “يزداد اتساعا”، فإن الاستبداد المغربي مافتئ يزيح اللثام عن الصورة الحقيقية لواقع سياسي لا يريد أن يتخلى صانعوه عن التحكم السياسي في مصير المغاربة مهما كانت طبيعة الحكومات المتعاقبة، ولم يكن نصيب جماعة العدل والإحسان من هذا الواقع إلا مزيدا من القمع والتنكيل والتضييق على الأرزاق والحريات.

فقد كانت حصيلة هذه السنة ثقيلة في ميزان معاناة الجماعة، إذ لا زالت مجموعة من بيوت أعضاء الجماعة “معتقلة” مشمعة بدون موجب قانوني ، كما أن العشرات من الجمعيات والهيئات المدنية ممنوعة بمجرد شك السلطة في انتماء أحد أعضائها إلى الجماعة، ناهيك عن الاعتقالات التي لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد، وكان أهمها اعتقال الأستاذ عمر محب أحد أعضاء الجماعة بمدينة فاس في ملف مشبوه يعود إلى مستهل التسعينيات والحكم عليه بعشر سنوات سجنا، وهي من المحاولات التي لا تتوانى السلطة في استعمالها للي ذراع الجماعة….

كما أن النظام المخزني المستبد منع العديد من المخيمات التي كانت تنظمها منظمات تابعة للجماعة أو جمعيات يوجد بها بعض أعضاء الجماعة، ولم يسلم حتى الأطفال الصغار الذين منعوا من التمتع بالتخييم لأن ذويهم ينتمون لجماعة العدل والإحسان.

وعملت جماعة العدل والإحسان بالوسائل المتاحة لها على تجاوز الحصار الخانق المفروض عليها من النظام المغربي، بغية إبلاغ دعوتها ومشروعها والتواصل المباشر مع المعنيين بفكرها ومنهاجها.

ومما تميزت به هذه السنة في هذا الصدد عقد المؤتمر الدولي العلمي الأول حول “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين” باسطنبول، يومي 1و2 دجنبر2012، وهو المؤتمر الذي عرف نجاحا متميزا من خلال جمعه للفيف من العلماء والمفكرين والباحثين، وما أثمر من أعمال فكرية وأكاديمية وازنة، ناهيك عما بدأت مدرسة العدل والإحسان تبثه من إشعاع عبر منهاجها النبوي الأصيل في دول كثيرة من العالم .

كما أن الجماعة استطاعت أن تنفتح على العديد من الحركات والأحزاب خارج أرض الوطن تبادلا للتجارب واستفادة من الخبرات المتنوعة، وذلك من خلال مشاركتها في عدة مؤتمرات لهذه التنظيمات في الجزائر وتونس وموريطانيا وغيرها، مما ساهم في التعريف بمشروعها والتقليل من مفعول الحصار المضروب على الجماعة داخل المغرب.