كثير من الشباب ـ طلاب العلم ـ تأخذه جاذبية الفكر، ويخطف نظره بريق التقدم العلمي التكنولوجي، فيعجب بالغرب وعقلانيته وحضارته فلا يرى في الدين سوى عالم تجريدي تطغى عليه الأسطورة والغيبيات.. تلك نكبة من نكبات التغريب، التي لم يسلم منها حتى بعض شباب الصحوة الإسلامية، الذين انبهروا وافتتنوا بالعقل والعقلانية، بالاكتشافات العلمية، والدراسات والمباحث الفلسفية، فصار عندهم نموذجا للعلم المحتذى والمثل المقتدى؛ لأنه علم محسوس نفعي مصدر حضارة وتقدم.

قد يعذر هؤلاء الشباب الذين فصلوا بين (العلم والدين) بين (العقل والنظام الديني) واعتبروهما ضدين لا يجتمعان. لأن الكنيسة أراقت دماء علماء الكونيات، وأزهقت النفوس البريئة التي ذهبت ضحية دين محرف مشوه. القساوسة والباباوات كالأغنياء والأباطرة والملوك من حيث الترف، ناهيك عن مهزلة صكوك الغفران وبيع المناصب والوظائف، وارتكاب كبائر المنكرات..

وقد اختلط الأمر أكثر على الشباب وتفاقم الالتباس لديهم بما عرفوه من تاريخ المسلمين، بوجود علماء مبررين للواقع مرتمين في حضن البلاط متشبهين برجال الكنيسة، مما جعلهم يشددون على ضرورة فصل الدين عن شؤون الناس الاجتماعية والاقتصادية.. وقد عمق الأزمة ما حدث من عقبات القطع والفصل الذي ابتلي به الفقهاء في طلب العلم، وابتلي به الصوفية في السلوك. حدث خصام وفصام ليس من نوع ما يطلبه المغربون، بل من نوع ما يطلبه الحكام الذين عزلوا الفريقين عن الشؤون العامة حتى يتسنى لهم العيش الرغيد والإفساد البغيض. واقع لا ينكره من له نظرات فاحصة في الفقه والتاريخ.

الشاهد ـ عندنا ـ في هذا المقام هو المشترك. هو آفة الفصام النكد)، فصل بين علم المشهود (الدنيا) وعلم المفقود (الآخرة)، قطع بين عالم الغيب “الميتافيزيقا” وعالم الشهادة فهم لا يؤمنون إلا بالحس وفي الحس وإلى الحس أما السؤال الوجودي من أنا؟ وإلى أين؟ فلا خبر عنه. طبعا لا قياس مع وجود الفارق). إذ الملابسات والمنطلقات مختلفة. لكن تبقى هناك حقيقة لا يمكن التنكب عنها وإغفالها ولا تجاوزها وهي أن الدين كان ولا يزال وسيبقى ضرورة لا يستغني عنها إنسان. يعزز ذلك، إسلام كثير من الباحثين والمستكشفين. وظاهرة الرجوع للتدين بعد خصام طويل في الغرب. إما باللجوء إلى ديانات قديمة كالبوذية، أو بالفرار من البذخ والمساكن الفاخرة إلى مصحات علاجية. ومن معاشرة الفاسدين في النوادي إلى مجالسة الدراويش في الزوايا. كل ذلك سدا للفراغ الروحي وبحثا عن الاطمئنان القلبي والراحة الجسدية والسكينة النفسية..

كما يظهر في التدين التقليدي ـ بعلله ـ كما هو عند اليابانيين الذين لا فصل عندهم بين التصور الاعتقادي والنظام الاجتماعي. فالعامل الياباني لا يدخل معمله إلا بعد أن يؤدي حركات معبرة عن ضرورة الإتقان والإخلاص في العمل للآلهة وللوطن. تلك ديانة قديمة يمارسها شعب يحتل رتبة متقدمة تكنولوجيا مما يدل على أن الجمع بين الغيب والتطورات الاجتماعية والصناعية لم يكن يوما ما عائقا.. فكيف ونحن لنا دين لو اكتشف أسراره غيرنا لعضوا عليه بالنواجذ؟ قال صلى الله عليه وسلم: “رحم الله عبدا عمل عملا فأتقنه” أي فأحسنه. ومن الإحسان “أن تعبد الله كأنك تراه فإن تكن تراه فإنه يراك”.

العالم يتوجه ـ إذن ـ نحو الغيبيات. سواء في العلوم الإنسانية أو التجريبية. وعلى سبيل المثال: (ثورة العولمة العارمة) لم يكن في تقدير علماء الاتصال ولا متوقع لديهم هذا التطور الهائل. قبل ذلك كان غيبا وأصبح اليوم حقيقية مشهودة.. بات ضروريا الجمع بين علم الشهادة وعلم الغيب بتصور منسجم، في نسق منتظم على منهاج يرتب الوسائل لبلوغ الأهداف. العقل لا ينبغي أن يلغي القلب وتوجهاته إلى الله تعالى بل ينبغي أن يخدمه كما قال الله تعالى: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار آل عمران الآية 191.

التَّفَكُّر على وزن تَفَعُّل والذي يفيد رجوعا على النفس وانعكاسا عليها. والتفكر تناول الأشياء والمعاني من زاوية مرجعيتها إلى الخالق، ومن زاوية معنى وجود الإنسان ومصيره بعد الموت وكونه مخلوقا ومسؤوليته في الآخرة، بينما التفكير الذي جاء على صيغة تفعيل يفيد انصبابا على العالم الخارجي وفعلا فيه. فهو تفتح الملكة العقلية العجيبة على الكون، وتلمذته له، واستقصاء لشؤونه بالدراسة والتحليل والتركيب. ونشاط العقل في تناول المعطيات الكونية . قال ابن عطاء الله السكندري: قال الله تعالى: “انظروا ماذا في السموات والأرض”؛ فبقوله انظروا ماذا فيها فتح لك باب الإفهام ولم يقل انظروا السموات لئلا يدلك على وجود الأجرام).

العلم ـ في الإسلام ـ لا يفرق فيه بين عالم الشهادة وعالم الغيب إلا اصطلاحا، وعلاقة القلب مع العقل علاقة سيادية، العقل له الأمر والقلب له الحكمة. العقل له التدبير والقلب له التدبر. العقل له التفكير والقلب له التفكر. العقل له التذكير والقلب له التذكر. العقل وسيلة لخدمة مقاصد الدين. يقول سيدي عبد السلام رحمه الله: وظيفة العقل كما يقول علماؤنا أن ينظر في ملكوت السماء والأرض وفي نظام العالم حتى يقتنع أنه لابد للوجود من موجد، وعندئذ يستمع للنبوة تأتيه بخبر الألوهية وخبر الآخرة) كتاب العدل ص:451.

العلم جمع بين نور القلب الذي يصدق بالحق ويخضع له، وفهم العقل المعتمد على الملاحظة والتحليل والتركيب والاختبار. وهذا يتطلب قلوبا حية بالإيمان وعقولا راسخة في العلم وسواعد خبيرة صانعة تحقيقا للتوازن والتكامل العلمي. وحصول التوازن يفضي بالإنسان إلى معرفة مولاه وتوحيده. يقول عبد القادر الجيلاني رحمه الله: يقول جل جلاله: فاعلم أنه لا إله إلا الله ثم يدفعه للعمل بما علم، فإذا فعل ذلك منه أدناه، وإليه قربه، ثم عرفه، وعلمه علم القلوب). وقد قال مالك رحمه الله تعالى: إنما العلم نور يضعه الله في القلب). وروى الإمام أحمد عن أبي جحفة قال: “سألنا عليا رضي الله عنه: وهل عندكم (يعني آل البيت) من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء بعد القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه الله عز وجل رجلا في القرآن”. إذن العلم نور بارز من قلب خاشع تتفتح له قلوب المؤمنين، والفهم من الله على قدر التواضع والخضوع لجلاله.. وفهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما. العلم نور وفهم يودعه الله في قلب من أحب من عباده، لا يؤتى إلا لمن صحب أصحاب القلوب المنورة وأحسن الأدب معهم، وذكر الله كثيرا ثم صدق في طلب وجه الله تعالى، وعمل بما علم مخلصا في نيته، مع الحرص على الصبر وبذل الجهد في طلب العلوم التكنولوجية من باب إعداد القوة المطلوبة للتدافع. فمن فعل ذلك تفتحت له الأفهام، وتجاوز ببصيرته الأجرام وتقرب من خالق الأنام. وقد جمع الشافعي شروط ذلك العلم قائلا:

أخي لن تنال العلم إلا بستة***سأنبيك بتفاصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة***وصحبة أستاذ وطول زمان