ما زالت قوافل الشهداء في سوريا الحبيبة تتوالى تترى، وأعدادهم تسابق عداد آلة الفتك التي أشهرَها “النظام” في وجه الشعب، والتي يبدو أنه أعدها عقودا من الزمن ليمارس البطش في آخر صيحاته: قتل ونهب وحرق وخسف. كل هذا يصب على شعب أعزل إلا من إرادته وإيمانه بعدالة قضيته. والعالم يتفرج على المأساة الأليمة لشعب أراد أن يتنسم بصيصا من عبق الحرية، ويرتشف جرعة من كرامة وعزة نفس. عالم وضمير لم يعد يجيد غير لغة التهديد والوعيد، أو الاستمتاع بلعبة رسم الخطوط الملونة حمراء وصفراء وخضراء…

خطوط ملونة

استعمال السلاح الكيميائي خط أحمر)، بهذا تفتقت حكمة من يدَّعون صون الكرامة الآدمية وحمايتها. لا تسامح مع استخدام أسلحة الدمار)، هذا هو الموقف الشهم لقوى الاستكبار العالمي من مجازر سوريا، هروب هو إلى الأمام، وتنصل من أي التزام أخلاقي إنساني، وأداء لدور في تمثيلة صارت مكشوفة، ويمسك قادة العالم اليوم بأيديهم خطوطا يلوحون بها كلما استنطقته وسائل الإعلام.

لئن كان العالم لا يعتبر إلا استخدام السلاح الكيميائي خطا أحمر فبأي الألوان نصبغ جرائم القصف والحرق والشنق اليومية، وعلى مدار الساعة؟ وبأي لون ستكون الإعدامات الميدانية والاغتصابات الجماعية؟ وبأي لون يكون تشريد الملايين؟ وأي الألوان تستوعب كل الجرائم الماثلة أمامنا أشكالا وأنواعا حتى غدت -لبشاعتها- غير مقدور على توثيقها، بله إحصائها في زمن لا تغيب فيه جلائل الأمور ودقائقها عن أسماع العالم وأنظاره.

إنه الضوء الأخضر لآلة إرهاب “النظام” لارتكاب المزيد من القتل. لم يعد تهديم البيوت على رؤوس ساكنيها يستحق من المجتمع خطا أحمر فالأمر لا إشكال فيه، وتهجير الملايين من الآمنين، والفتك بالصبايا والعجائز لا يعدو كونه جريمة بخط أخضر. أي منطق هذا الذي يجيز ظلم الناس وسفك دمائهم بأي الطرق شاؤوا ولا اعتراض إلا على خط أحمر واحد. أي دركات هاته التي وصلها الضمير الإنساني لما أخطر بجواز قتل الأبرياء المستضعفين والتنكيل والتمثيل بهم. يقف العالم اليوم أمام امتحان قيم الإنسانية فإما أن ينجح في الانحياز إلى المظلومين، وإما أن يدق مسمارا آخر في نعش قوافل ميتات توالت في الزمن الحاضر لكل المثل التي من أجلها وبها تحيا الإنسانية: عدل، كرامة، وحرية..

خط المقاومة

هكذا يحب “النظام” السوري أن يصنف نفسه زعيما للمقاومة وحاضنا لها ومدعما لها، ولعل كثيرا من أبناء الشعوب العربية وفضلائها غضوا الطرف عن أوضاع الداخل السوري استبقاء لهذا الخيط الرفيع الذي ولو من باب استجماع عناصر القوة، بل تغنت أجيال بذلك. وكان “النظام” ماكرا في ذلك للتغطية على مخططات استضعاف الشعب والنيل من كرامته ومرت السنون وتحول النظام الممانع إلى حارس وفي، لا يخشى من امتلاكه لأسلحة نوعية، أو حتى كيميائية. انفضاح على الملأ للحقيقة التي بنيت على رمال متحركة، وغذيت بوسائل المكر والخديعة حتى غدت وهما استبد بالعقول والقلوب.

ولأنه يحسب نفسه كذلك فهو مبرأ من الخطأ والويل لمن ينتقده أو يشير إليه بما لا يرضيه، فهو يخوض الحرب المقدسة التي تخول له التصرف بلا حسيب ولا رقيب في أقوات العباد وحرياتهم وشرفهم وكرامتهم.

إنه حقا الاستخفاف بالناس والتحايل الخبيث بالعقول والأفهام لتثبيت جراثيم الحكم بالحديد والنار.

على خط المقاومة رأينا تصفية لمواقف كانت تختلط، في كفة راجحة رأينا موقف “حماس” ومن معها كيف انحازوا للقيم الإنسانية رغم ما يكبدهم ذلك من خسائر على المدى القريب، وهم المضطهدون في البلاد العربية غير المرغوب بهم في بلاد “أمراء المؤمنين” و”حماة الدين”. وعلى النقيض من ذلك لم تتحرر بعض الأطراف من النظرة الضيقة للأمر، وتساوقت مع قتلة الشعوب في أفعالهم، ولم يكفها إزهاق عشرات آلاف الأرواح لتقتنع بأن من حق الشعوب أن تتحرر من أغلال السلطان الجائر الذي أفسد البلاد والعباد.

فرز على خط المقاومة يستدعي منا أن نعيد ترتيب الأفكار والخيارات على أسس متينة حتى لا تعصف بنا الرياح في خضم العراك والتدافع الإنساني، حتى نجلو الخطوط ولا تختلط علينا الأصباغ والمسميات، ونضع القطار في الخط الصحيح.

خط النار

لما ضاقت الأوطان بالشعوب العربية، ووصل امتهان كرامتها حدا لا مزيد عليه انتفضت على حكام الجبر وثارت في وجوههم، واتضح بالملموس أن المطلوب من الشعوب هو الولاء للحاكم وحده، أما أحاديث العروبة والوطنية فقد انقشع الغبار عنها عند أول امتحان يسير، ولم تعد تصلح إلا خبرا بائسا لِكان، هذا إن وجد ابتداء. وأشهر الحاكم أسلحته التي تآكلت بفعل الصدإ ولم يحركها لاسترداد البلاد أو حماية العباد. وخرجت الشعوب عارية الصدور حاملة الورود، مطالبة باليسير من حقوقها جوبهت بالحديد والنار، واستنفرت الجيوش التي مولت وسلحت من أموال ودماء الشعوب نفسها وكانت أول طلقة مع أول وردة وأول هتاف، نعم هذه المرة كان الموعد على خط النار، ولم يكن للشعوب المقهورة بد من أن تَتَتَـرَّسَ هي الأخرى خلف سلاحها في عدد من دول الانتفاضات العربية وكان الأمر أوضح في سوريا اليوم. وللأسف تلام الشعوب العربية على هذا الاختيار سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، والحقيقة أننا لو دققنا النظر لألفينا أنه فرض على الشعوب ولا يمثل اختيارا أصيلا لديها.

أريد للأمة ويراد لها ألا تتمتع بالحرية والكرامة، ويمن الحاكم على الشعب ببركاته التي وسعت الآفاق، ويخوف آخر شعبا مقهورا فيجد في دول الجوار ضالته، فيضرب بها الأمثال ويتوسع في تحليلها حتى يقول للشعب بلسان الحال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فأنت الطاعم الكاسي

هذه الذهنية التي يحكم كثير من أنظمة العرب جعلت من المواطن العربي غير مسموح له بأن يحلم بطلوع شمس الحرية يوما على بلاده، ويتوهم أن العيش تحت بطش حاكم مفترس مصاص للدماء جنة لا تضاهى، وأي شيء غير ذلك خط أحمر ونار هو على استعداد لإشعالها، بل أشعلها.