تحل هذه الأيام الذكرى الخامسة والستون لنكبة فلسطين، والأمة الإسلامية أقرب ما تكون إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين، بدلالة اليقظة المتصاعدة لأبنائها الذين أزاح الله بهم بعض أعتى طغاة الأمة في هذا العصر، وزلزل بهم الأرض من تحت أقدام من ينتظر منهم هذا المصير المحتوم. يقظة وعنفوان زكاه هذا الانبعاث الربيعيٌّ المبشر بالمستقبل المشرق للشعوب المستضعفة قياما في وجه الظلم والاستبداد الذي تسلط عليها قرونا بقوة السيف والقهر.

لقد كان الاستبداد ولا يزال الحصن الحصين الحامي للعدو الغاشم، بما يُمِدّه به من حبل الخيانة والتواطئ، ولهذا بدأت عُقد القضية الفلسطينية في التفكك مباشرة بعد أن بدأ عِقد أئمة الاستبداد في الانفراط الواحد منهم بعد الآخر.

إن قضية الأمة الأولى، فلسطين المباركة، معيار أساسي لقياس درجة يقظة الأمة ومدى قوة منعتها واستعدادها للبذل والعطاء، وإن الخط البياني لنهضتها كان يواكبه دائما، وعلى مر تاريخها الطويل، صعود لهذا الخط في التعاطي مع أُمِّ قضاياها.

نعم، لقد عاشت القضية الفلسطينية خمسا وستين سنة من المحنة التي ضاعت معها الأرض وذُبِّح أهلها وأصحابها، وانتهك العرض، وزادها محنةً هرولةُ المهرولين، وتطبيع المطبعين، واستسلام المستسلمين، وتهاوت الآمال على أرض الواقع المرير الذي لم يتحكم فيه العدو الصهيوني صلفا وعنجهية واستكبارا وعلوا، حتى غدت صورة القضية مؤلمة حزينة حالكة تدعو إلى الإحباط، لولا أنه بدد ظلامَها تشبث الأمة بوعد إلهي لعباده الموقنين، وبشائر النصر التي تلوح في الأفق على أيدي المجاهدين في فلسطين الأبية، تذكرنا أن هذا الطغيان إلى زوال، وتنقش اسم فلسطين في وجدان الأجيال بعد الأجيال، تعلم معاني الجهاد والبذل والفداء والوفاء والصبر والصمود، ولولا أن الله تعالى يقيض من عباده من يحمل لواء الصمود والمقاومة والصبر والعزم، ويشرفهم بالاجتباء لحفظ أرض الرسالات، ومسرى خاتم النبوات صلى الله عليه وسلم الذي يقول: لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا ما أصابهم من البلاء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس).

غير أنه ينبغى أن نبقى يقظين، وأن لا نأمن مكر الماكرين، الذين يتلونون كالحرباء، ويعيدون توزيع الأدوار، ويلبسون لكل حال لبوسها، ويلتفون على جهاد المجاهدين، ويتآمرون في الخفاء على القضية الفلسطينية ويحاولون قطع المدد الذي يمدها من الأمة؛ فالمعركة لا تزال طويلة، والعقبات كثيرة، والطريق شاقة، والتحديات كبيرة… ولكن الله أكبر.