عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه” 1 .

إخوتي الكرام، تعالوا معي لنطرق جميعا أبواب مدرسة الحبيب صلى الله عليه وسلم بكل أدب وشوق، نستهدي بهديه، ونتربى على يديه، ونسترشد برشده، ونتذوق حلاوة جوامع كلمه الموحى إليه من عند ربه، ونتخلق بكريم خلقه، ونستصبر عن المعاصي بموعوده وعلى الطاعات ببشراه.

نتأمل ونتفكر في هذا الحديث النبوي الذي يرويه لنا الصحابي الجليل الحبيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا أبو هريرة كنية، عبد الرحمن بن صخر الدوسي اسما، رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.

يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السعداء في دار البقاء الذين استحقوا جزاء ما قدموه في دنياهم الكرامة الإلهية والسعادة الأبدية والرحمة من لدن الرحمن الرحيم.

يقول صلى الله عليه وسلم: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله”: سبعة أصناف من الناس يتظللون بظل العرش يوم القيامة، وقد أضيف الظل إلى اسم الجلالة تكريما وتشريفا كما يقال للمسجد “بيت الله”.

هؤلاء السبعة يتظللون دون غيرهم من حر الشمس لأنها تدنو من رؤوس العباد يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

في هذا اليوم العصيب الرهيب المريب، يحظى أولئك السبعة بظل عرش المولى عز وجل، إنهم الذين وصفهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصورهم في أجمل سورة وبأبلغ كلام.

فمن هم السعداء في دار البقاء؟

* أول السعداء إمام عادل، والإمام هو كل من له ولاية على غيره كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”.

والإمام العادل هو الذي يتحرى القسط والعدل ويلتزمهما في حكمه وتعامله وتصرفاته، مجتنبا في ذلك سائر أنواع الظلم والجور. إنه إمام عادل حافظ للوصية التي أوصى بها ربنا عز وجل عبده داوود قائلا: فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله.

إنها دعوة وحض على العدل ولزومه واجتناب الظلم، كيف لا والعدل اسم من أسماء الله الحسنى، كيف لا وقد قال الحق سبحانه في الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” 2 . وقال عز من قائل: إن الله يأمر بالعدل والإحسان.

* ثاني السعداء شاب نشأ في عبادة ربه، مقبل على الله منذ مقتبل عمره، شب ونشأ في عبادة الله يبتغي رضى الله وطاعته ورضوانه، ويتجنب غضبه ومعصيته، ويستحضر رقابة الله في كل أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته لا يحيد عن ذلك قيد أنملة ولا يخاف في ذلك لومة لائم.

والعبادة لا تقتصر في صورها على الصلاة والزكاة وباقي الشعائر العبادية، بل هي أشمل من ذلك، فقد عرف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بأنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد… والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والبهائم، والدعاء، والذكر ، والقراءة… وحب الله ورسوله، والإخلاص، والصبر، والرضى، والرجاء لرحمة الله، والتوكل عليه… كل ذلك من العبادة) 3 .

إنها دعوة للشباب إلى الإقبال على الله لأنهم عدة المستقبل، ولذلك نجد القرآن يثني على الفتية أهل الكهف إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى.

* ثالث السعداء في الآخرة رجل قلبه معلق في المساجد. عمّر الإيمان قلب المؤمن وتعلقت جوارحه وقلبه بذكر الله فهو على الصلاة عماد الدين محافظ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب.

إنه شديد الملازمة للجماعة والمسجد، إنه السعيد في الآخرة، يبتغي الأجر المضاعف الذي يناله عند وقوفه مع إخوته المؤمنين صفوفا مرصوصة موحدة كأنهم بنيان مرصوص، تجمعهم الأخوة والمحبة الخالصة والتعاون والتقوى والخشوع والولاية بين المؤمنين.

نعم، فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن: “صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة” 4 .

ولا يفوتنا فضل الخروج إلى المسجد الذي أخبرنا به الحبيب صلى الله عليه وسلم في رواية البخاري: “إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة”.

والمؤمنة مع المؤمن ومثله تخرج إلى المسجد وتحضر الصلوات الخمسة فتتعلم الخشوع، وتحضر الجمعة وخطبتها، وتصلي الجنازة فتتذكر الموت، مقتدية في ذلك كله بالنموذج الفذ: الصحابيات الجليلات رضي الله عنهن خير نساء طلعت عليهن الشمس.

* ونعود إلى السعداء في الآخرة لنقف عند الصنف الرابع كما ورد في الحديث “ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه”. إنهما رجلان جمعتهما رابطة المحبة في الله تعالى لا غرض دنيوي ولا مصلحة، يصبغ رابطتهما الإخلاص والصفاء والود والإخاء، لا النفاق ولا الشقاق.

و لنستمع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه لنا عمر رضي الله عنه حيث قال: “إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله. قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فو الله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. وقرأ هذه الآية “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”” 5 .

وفي حديث آخر أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: “والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم” 6 .

وضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا حسيا ليعلمنا أن المحبة في الله لا تقف عند السلام، بل هي مؤاخاة وتآزر وتكافل، قال عليه الصلاة والسلام: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى لم سائر الجسد بالسهر والحمى” 7 .

* ومن الحب في الله ننتقل إلى سبب آخر من أسباب نيل الرضا والسعادة “ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله”. إنها طهارة القلب، وقوة الإيمان ، وسمو الوجدان الذي يعصم صاحبه من الانزلاق في مزالق الرذيلة، فهاهي الفتنة والإغراء تتمثل في صورة واقعية: امرأة جميلة ذات منصب وجمال، وصاحبة جاه من أصل أو شرف أو سلطان أو مال، تدعو الرجل إلى نفسها وتغريه، فيقول كما قال سيدنا يوسف عليه السلام حين راودته امرأة العزيز عن نفسه وقالت هيت لك، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون.

فما الوازع الذي دعاه إلى تجنب الفاحشة وردعه عن ارتكاب المعصية؟ إنها الخشية من الله تعالى، والاستحياء منه عز وجل، واستشعار مراقبته في كل وقت وحين، والخوف من غضبه وعقابه، والطمع في نيل رضاه وحبه. وهل نبتغي شيئا سوى الظفر برضى المولى علينا؟

* ونصل إلى الصنف الآخر من الأصناف السبعة السعيدة، إنه “رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”، محسن متصدق باذل ينفق من ماله في سبيل الله لما علم أجر المتصدقين الباذلين. قال الله تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم.

ينفق المؤمن ويبذل مما أعطاه الله، ويخفي صدقته إخفاء تجنبا للرياء حتى أن شماله لا تحس ولا تشعر بما أعطته يمينه لشدة حرصه على إخفاء الصدقة، قال الله تعالى في سورة البقرة: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون… يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يومن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، لا يقدرون على شيء مما كسبوا، والله لا يهدي القوم الكافرين.

ينهانا الحق سبحانه عن الامتنان على من أحسنا إليهم لما فيه من إلحاق الأذى بهم وجرح شعورهم، وينهانا عن الرياء لأنه مذهب للصدقة ممحق للأجر مبطل للعمل.

إن مدلول الصدقة يتجاوز مفهوم إعطاء المال للمحتاج والمسكين إلى صور أخرى أشمل وأوسع كالإنفاق على الوالدين والأقربين، وإطعام الطعام، وإكرام الضيوف… وهذا بذل مادي، إضافة إلى البذل المعنوي ويدخل فيه بذل كل ما يملكه المرء دون المال من نفس وجهد ووقت في أوجه الخير والصلاح.

* ويختم الحبيب صلى الله عليه وسلم حديثه بذكر آخر صفة للمستحقين ظل عرش الرحمان “رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه”، رجل ذكر الله بعيدا عن أعين الناس ما أمكن ليكون أقرب إلى الإخلاص أبعد عن الرياء، يصلي لله تعالى، يتلو القرآن يسبح، يهلل، يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات… فتسيل من عينه دموع الخوف والخشية من الله تعالى، والرجاء والفرح والرضا به عز وجل.

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حديث مسك عطر يفوحنا من عطره الزكي، يحفزنا، يوقظ هممنا، ينور دربنا، يرسم لنا معالم طريق الفوز والرضا ونيل الاستظلال بظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، يخاطب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل كما يخاطب المرأة، إذ الشابة التي نشأت في عبادة الله كالشاب تجزى بما يجزى به، وكذلك المؤمنتان إن تحابا في الله اجتمعتا على ذلك وتفرقتا عليه، وكذلك المرأة إن دعاها الرجل إلى الفاحشة فقالت إني أخاف الله، وكذلك المتصدقة، والذاكرة الباكية. فليس الإيمان، وجوائز الإيمان، وكمال الإيمان، ومراتب الإحسان حكرا على الرجل، بل هو مجال يتنافس فيه الرجال والنساء على الفضل والرضا.

ها هو ذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين واضح، فأين نحن من السعداء في الآخرة؟ وما حضنا من ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله؟

والحمد لله رب العالمين.


[1] حديث متفق عليه.\
[2] رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري.\
[3] كتاب العبودية لابن تيمية: 38.\
[4] حديث متفق عليه.\
[5] حديث متفق عليه.\
[6] رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[7] رواه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.\