تقديم

مداخل كثيرة ومنطلقات متعددة، هي تلك التي تعنون الأجرأة الحقيقية للتنمية، فالمنهل والمعين الذي منه نمتح هو الذي يحدد الوجهة التي نسلكها والمسار الذي ننحوه، فالسير يستلزم السراج والدليل الذي يمكننا من عبور الفيافي والقفار، إنها الأزمات والنكسات التي حلت بالأمة بسبب جهلها للمنطلق الرصين والباب المكين، إنه المنهل الخلاق والمنهج القويم، الذي انحرفت عنه البشرية، فظلت تتيه تيها لا بداية له ولا منتهى.

لا أريد من خلال هذه الوقفة أن أسبر الأغوار، وأرصد التفاصيل، وأشخص الداء في عمقه بخصوص أسباب التخلف والتدهور البين الذي يطبع المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للأمة، ولكن سأقف عند بعض المبادئ والأسس التي يتأثل عليها تحقيق التنمية الفعلية، فضلا عن إبراز أهمية التسلح بثقافة سياسية لتعبيد الطريق نحو الوعي بأهمية الفعل التنموي داخل المجتمعات.

مبادئ تحقيق التنمية

إذا صح الأساس، وتقوى الصرح يكون المبنى رصينا ومتماسكا، بهذا المعنى سنعالج التنمية، رامين من خلال ذلك إلى تبيان أن طبيعة الركيزة التي يتأسس عليها الفعل التنموي، هي الكفيلة بمعرفة معايير نجاح التنمية من عدمه.

أول المبادئ، محاولة تجاوز منطق المحاكاة والسير على خطى المجتمعات الأخرى، لأن لكل مجتمع خصوصياته سواء الثقافية أو السياسية أو الاقتصادية، كما له مرجعتيه في الاعتقاد والتصور، وبالتالي فلا يمكن أن نقيس المسافات باللترات، ونقيس السوائل بالكيلومترات، فلكل خاصيته وخاصية الشيء هويته، فالتنمية بهذا الأساس تستدعي التحلي بروح الارتباط بالهوية والاعتراف بالذات، وتقويض العريكة المتقدة التي تنفي الإرادة وتزرع الخمول. فالتنوع الثقافي الذي تعرفه المجتمعات هو الذي فرض على الدول في المحافل الدولية أن تأخذ بعين الاعتبار هذا التعدد، والذي تم أساسا وبشكل رسمي في سنة 2001 بباريس، لذا فالأخذ بمنطق الخصوصية والرؤية الثقافية المندمجة هو الكفيل بتحقيق تنمية حقيقية تناسب وحاجيات المجتمعات المحلية.

ثاني الأسس يفيد أن التنمية هي التغيير الكلي والشمولي، الذي لا يقصي عنصرا من العناصر ولا ينظر بعين واحدة ووحيدة، كما تلقي بظلالها على كل المجالات المجتمعية، التي يكون فيها الإنسان الفاعل الحقيقي، فلا يمكن أن أعبر عن آرائي مثلا وأفصح عنها في فضاء سياسي يطبعه قمع الحريات والاستبداد برأي سياسي، كما لا يمكن أن أعيش كريما دون أن تمنح لي كل الحقوق التي تخول لي ذلك، فلا يمكن إذاً أن نحقق تنمية فعلية، إلا في إطار كلي ومركب، بحيث كل عنصر يرتبط بآخر، ولا يكاد ينفك عنه حتى يفقد كينونته الوظيفية.

فالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية مثلا على مستوى المغرب، كان من أبرز مراميها الأساسية إشراك الإنسان في السيرورة التنموية وتحسيسه بدوره في صياغة القرارات التنموية للوطن، لكن في ظل هذه الشعارات التي لا شك أنها حبر على ورق مزركش، يظل المواطن المغربي في سجن مبوب بسياسات تعمي الأذهان وتقصي الأفهام التي لا تبوح بما ينادون به من أوهام. لأن الإرادة مغشوشة والنوايا بالكذب والبهتان مدسوسة، فأن تخرج سياسة تنموية معينة دون أدنى شروط لتفعيلها، وفي تجاهل تام لحقوق الإنسان هي ضرب من الخيال وصياح في صحراء قاحلة، لا ماء فيها ولا لقمة قوت، توفر لمن يستهدف في السياسة التنموية الحد الأدنى للتصدي الحقيقي.

أما المبدأ الثالث فهو الأخذ بالمقاربة التشاركية في العمل بشتى مراحله بدءً بالتشخيص وتحديد الحاجيات حتى آخر المراحل وهي التقييم والمتابعة، ومحاولة زرع قيم المشاركة الفعالة والمبنية على أساس واعي، يستطيع من خلالها أن يكون أي طرف على حدة مسؤولا عن ما يقوم به وما يرنو إليه، وليس تلك المقاربة التشاركية التي تكون موجهة من ذي قبل، بحيث تحدد لها المعالم الكبرى لاشتغالها دون أدنى إبداع ولا إدلاء بالرأي فيبقى المشروع عند اقتراحه للتداول بمثابة نسخة لطبعة حقيقية مسكوت عنها، ساعيا من ورائه أخذ المشروعية الخارجية المدبر لها في الكواليس.

وكل هذه المبادئ تستدعي ثقافة سياسية تؤطر الفعل التنموي، بحيث لا يمكن لهذا الأخير أن يفوح منه عبق النجاح وأريج المردودية وجودة الأداء، إلا إذا كان مؤثلا على أساس نظري يوجهه نحو الغايات المنشودة، والتي يكون فيها الإنسان ذا كرامة وفاعلية منتجة، تعلي من شأنه وتنهي مع زمان الذل والاحتقار.

فأي ثقافة سياسية إذا يمكن أن تساهم في تعبيد الطريق لاحبا الى تنمية فعلية، نلامس منها خيراتها، ونجني ثمارها؟

مفهوم الثقافة السياسية

قبل الحديث عن أنواع الثقافة السياسية، يبدو أن هذا الأخير يستدعي نوعا من التحديد لاستيعاب الآت من المقال، فالثقافة السياسية مفهوم يقصد به في الحقل السياسي: مجموعة من المعارف والآراء والاتجاهات السائدة نحو شؤون السياسة والحكم، الدولة والسلطة، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة. وتعني أيضاً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التي يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم. ومعنى ذلك أن الثقافة السياسية تتمحور حول قيم واتجاهات وقناعات طويلة الأمد بخصوص الظواهر السياسية.

أنماط الثقافة السياسية

وفق هذا التحديد يمكن أن نشير إلى أن الثقافة السياسية تأخذ ثلاثة أبعاد، كل واحد يختلف عن الآخر من حيث المنطلقات والركائز:

الثقافة السياسية التابعة والرعوية

يعتبر من خلالها الناس بمثابة تابعين ينصاعون للسياسات الرسمية، دون أدنى مساءلة ولا نقد يوجه لها لتعرية حقائقها من فساد قد يكتنفها، فيظلون محكمين بعقلية البعير والبهيمية، فتمتهن الكرامة ويعجز الإنسان حيالها في التعبير عن رأي قد يخالف البروتكولات الرسمية، لأن الخوف ملك الأبدان، وسيطر على الأفهام، وكبلها في بوتقة لا تستطيع أن تخرج منها سالمة غانمة، إلا إذا قامت قومة جذرية، لتميط عنها الضباب الذي يساورها فحجب عنها الحقيقة، فالشأن قد ينسحب على بعض المكونات المجتمعية بالمغرب، التي عرضت نفسها لذلك، ممددة يد التسليم والقبول فأصبحت الخطط تمر من بين أبصارها، غير مستشارة ولا آخذة حقها في الرأي لأن من أعطى لها مسك الانطلاقة قد يكون كافيا، بهذا المنطق يفكرون حتى أصبحوا في خبر كان وأضحوا يتيهون تيها في السياسة، ظانين بأن الوضع سيتغير من اعتقادهم ذلك.

الثقافة السياسية المحدودة

يقصد بهذا النمط أن المواطنين لا يملكون أدنى ثقافة سياسية تمكنهم من بسط أفكارهم على المسؤولين، ومن ثمة المشاركة الفعلية في بناء المشهد السياسي، لأن محدودية أفكارهم بفعل مظاهر الأمية السياسية السائدة في ذلك المجتمع أناخت بكلكلها على الناس فجعلتهم على هامش التدبير واتخاذ القرارات، فتكون هذه الأخيرة بذلك متمركزة في أيادي زمرة معينة ذات رؤية وحيدة لا تحبذ من يخالفها ولا من يناورها في آرائها، فينتج عنه استبداد سياسي وإطالة في أمد الكساد الملقي بظلاله على جميع المجالات المجتمعية المتفاعلة عناصرها.

الثقافة السياسية المشاركة

هذا النمط من الثقافة، يكون فيه الناس من حيث الإدراك والوعي، على دراية عامة بكل حيثيات المشهد السياسي لذلك المجتمع، من حيث بناه وأنماط التدبير والتسيير القائمة فيه، فيصبح لديهم تأثير فعال وناجع، إن وجدت البيئة السياسية الملائمة بذلك.

أي ثقافة سياسية إذا كفيلة بتحقيق فعل تنموي ملحوظ؟

إن الملاحَظ من خلال النماذج الثلاثة، أن هناك نوعا من التباين والاختلاف بينها، إذ كل نمط على حدة يتأتى في سياق معين، فإذا كان الأول والثاني مكبلين في حجم تأثيرهما بفعل عوامل متعددة ومن بينها كما أوردت سابقا، الاستبداد السياسي والعمل بسياسة التدجين، فإن النمط الثالث يوحي بوجود بيئة سياسية كفيلة بسيادة نوع من المشاركة الفعالة والتأثير المتبادل، الذي ينتج عنه التوافق بين الأطراف والإسهام في تحقيق تنمية فعلية.

ومن هذا المنطلق يتبدى أن التنمية الحقيقية رهينة بوجود فضاء يتيح كل الظروف الملائمة لذلك، ومن بينها أساسا التسلح بوعي سياسي جدير بتغيير عقلية الاستعلاء والتسويف المتعمد. فتصبح بذلك الثقافة السياسية من المقومات الرئيسة في بناء أي مجتمع، وانعدامها لا يعدوان يكون هدرا في الوقت، وسيادة نوع من حالة الاغتراب الذي ينخر الذات.