فيما يلي نص الحوار الذي أجراه موقع الجماعة نت مع الأستاذ الحسن السلاسي، الأستاذ الباحث في علوم اللغة العربية وآدابها، والذي شارك ببحث القرآن الكريم وبناء الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي) في مؤتمر مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين):

كيف تلقيتم فكرة عقد مؤتمر حول فكر وتصور الأستاذ عبد السلام ياسين؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الخلق ومنقذ البشرية من الضلال محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه وإخوانه ومن والاه دوام ملك الله وبعد.

أود في البدء أن أتوجه بالشكر للجهات التي نظمت المؤتمر، وسهرت على أن يتأتى في حلته هاته، والشكر موصول لهيئة تحرير موقع جماعة العدل والإحسان. على جهودهم وتغطيتهم لهذا الحدث الكريم.

بالنسبة لسؤالكم الأول أقول: لقد تلقيت فكرة عقد المؤتمر الذي يدور حول فكر الأستاذ عبد السلام ياسين وتصوره، بكل معاني الفخر والسعادة والاستبشار، لما في المؤتمر من تقدير وتشريف واعتراف للأستاذ عبد السلام ياسين الذي كرس حياته كلها لخدمة دعوة الله، بحثا وتنظيرا وتربية وتعليما واستشرافا لما وعد به الله تعالى عباده، وأخبر عنه الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم من عودة دولة القرآن أوالخلافة الثانية في آخر الزمان، يعم خيرها العالمين. وتأسيسا لها بالقول والعمل، بالتنظير والتجديد.

ولا أخفيكم سرا أنني قد تجاوبت بكليتي مع هذه الفكرة، ووجدتني أشد عليها بالقلب والأعضاء والعقل والروح. ذلك أنه آن الأوان لكي يعرف العالم كله -وممثلون من كل أنحائه هنا شهود- ما جاد به فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، وما قدمه من جهود فكرية ونظرية وعلمية لخدمة البشرية.

ما هي أهم الخلاصات التي توصلتم إليها في بحثكم حول “القرآن الكريم وبناء الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي”؟

أهم الخلاصات التي توصلت إليها في المحور الثاني من محاور المؤتمر تحت عنوان: “القرآن الكريم وبناء الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي” أشير إلى ما يلي:

– أن الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله بني فكره المنهاجي القاصد إلى التغيير على كتاب الله تعالى، باعتباره مصدر التشريع الأول، والأساس الذي تقوم عليه النظرية المنهاجية. لأن الغاية الكبرى هي الوصول إلى تحكيم كتاب الله تعالى في حياة الإنسان وبناء دولة القرآن تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تدرج في بناء مجتمع بشري يسوده القرآن وينظم علاقاته الخاصة والعامة. من هنا كانت هذه النظرية قرآنية المنطلق والغاية، نظرية متكاملة قبست من القرآن الكريم، جمعت في مشروعها بين غايتين: استخلافية وإحسانية.

– أن الجهاز المفهومي في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين تدرج من المفاهيم الوسائل إلى المفاهيم الغايات في نسق مترابط منسجم محكم، بدءا بمفهوم اقتحام العقبة كأول درج في سلم الجهاز ومرورا بالمنهاج والقومة والخصال العشر، ثم الوصول إلى المفاهيم الغايات: الخلافة الثانية أو دولة القرآن والشورى والعدل وغاية الغايات الإحسان.

– أن الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي يتميز بالجدة والصرامة والدقة العلمية، وينفتح على كل النظريات والعلوم والأفكار والمعارف القديمة والحديثة -ومن يطلع على كتاباته يجدها تضم زخما فكريا وعلميا- مما له صلة بإنارة السبيل للباحث عن الحق، الطالب التغيير المنشود، الساعي للقاء الله على بصيرة.

– أن الغرض من تحديد جهاز مفهومي على أسس منهاجية هو ربط جسور الحوار والتواصل مع المتلقين على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم الفكرية والدينية والفلسفية والسياسية، تذليلا للصعوبات المعرفية والفكرية ومخاطبة لهم بما يعرفون ويفهمون وتبليغا لرسالة الله، وإقامة للحجة المطلوب إقامتها على الناس… فهو جهاز يتجنب الإقصاء ويسعى إلى التواصل والبناء.

– أن الجهاز المفهومي يؤسس لباقي المحاور التي وردت في هذا المؤتمر، ويتقاطع معها لأن به قوام النظرية وعليه عمادها، فهو يتقاطع مع المحاور السبعة الأخرى ويتجاوب معها.

– أن الواضع للنظرية هو الذي سهر على تنفيذ جوانب منها في حياة الفرد والجماعة، يراقب ويقوم ويحين ما تبقى من ركائزها مضمنة في كتب تصدر اتباعا لإتمام مشروع دولة القرآن -وقد صدر مؤخرا كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها”-. فهو حفظه الله المنظر والمجدد والمربي والراعي، وأن الخلافة الثانية بإذن الله وشيك تحققها. وبذلك يمكن أن نعتبر هذه النظرية مدرسة تتجاوز حدود التنظير إلى الممارسة والتطبيق.

وتأسيسا على ذلك تستحق نظرية المنهاج النبوي أن تحمل نعت التجديد بمعنييه العلمي والشرعي، فبالمعنى العلمي تسنى بفعل هذه الشبكة المتآلفة من المفاهيم إرساء قواعد مكينة للفهم والتواصل والحوار وتبادل التجارب العلمية المختلفة، وبالمعنى الشرعي أحيت النظرية دين الله تعالى وبعثت موعودا أخبر به نبي آخر الزمان محمد صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة، يبشر العالمين بالخلافة الثانية على منهاج النبوة يعم خيرها كل بيت مدر ووبر، ويحيى في ظلها الناس إخوة متحابين، في ظل العدل والإحسان…

وعليه، فالجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي بناء متكامل ومنسجم ومترابط ومتآلف شكل منطلقا هاما لبناء تصور منهاجي لم يسبقه إليه أحد ممن نظروا لبناء مشروع مجتمعي.كيف لا وهو ينبني فكره على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد أئمة العلم وأحباره.

ماذا تتوقعون لمستقبل هذا المؤتمر ولنظرية الأستاذ ياسين؟

إن ما عرفه هذا المؤتمر من إقبال منقطع النظير -ومن مختلف أنحاء العالم- يؤكد أن الناس متعطشون حقا لمثل هذه المشاريع البناءة، والأفكار التجديدية التي تبعث الحياة في جسم الأمة وروحها وفكرها، بعد عصور الانحطاط والتخلف، وبعد تجريب كل النظريات والأفكار والتوجهات التي كانت الآمال معقودة عليها لإخراج الناس مما هم فيه من تخلف وأمية وجهل وفقر وتبعية، لكن تم طرحها في طريق بعد ذلك. ولنا اليقين التام أنه سيكون لهذا الفكر الكلمة الفصل فيما يستقبل من الزمان لأصالة تكوين صاحبه وتجذره في سلسلة المجددين. وستكثر المؤتمرات حوله، وستتطلع المعاهد والجامعات والحكومات والشعوب إليه، والدليل هو أن العديد من المفكرين الحاضرين معنا والغائبين، يتسابقون على هذا الفكر ويتسارعون للإفادة منه. علما وعملا، بحثا وتوجيها، تكوينا وممارسة، إنها البداية.

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال. وصلى الله وسلم وبارك على نبي الرحمة والهدى والرشاد. والحمد لله رب العالمين.