مدخل

تعتبر النقابة محضنا وآلية لتنظيم التدافع السلمي من أجل الدفاع عن حقوق العمال وتحقيق مطالبهم المشروعة وحماية مكتسباتهم وتحصينها. هذا من حيث المبدأ، لكن المتتبع لواقع الممارسة النقابية من داخل قطاع السكك الحديدية ليقف متحسرا على ما آلت إليه تلك الممارسة من تراجع في الفعل وتذبذب في تحديد الرؤية والأولويات، حتى أصبح المرء لا يفرق بين العمل النقابي المطلبي وبين العمل الجمعي الخدماتي والترفيهي، حيث انحصر فعلها في الوساطة لدى جمعية الشؤون الاجتماعية لتسريع انجاز بعض الملفات الطبية أو الحصول على امتياز الاستفادة من فترة استجمام في مخيمات القطاع، أو تنظيم ملتقيات رياضية… علما بأن مثل هاته المبادرات على إيجابيتها تبقى مكملة لا أصلا، مما جعل مفهوم العمل النقابي يرتبط في ذهن العديد من المستخدمين بقضاء المآرب و”إيصال الخبز للفرن” فقط. فمن يتحمل مسؤولية هذا الوضع غير السوي الذي آل إليه الفعل والممارسة النقابية داخل قطاع السكك الحديدية؟ وهل من سبيل لإعادة تأهيل تلك الممارسة؟

أظن أن المسؤولية هي في الأصل جماعية وتتحملها كل من النقابات والإدارة والمستخدمون كل حسب طريقة تدبير العلاقات التكاملية بينهم ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف دون غيره.

1. مسؤولية النقابات

إن أي متتبع متحرر من كل عصبية (نقابية أو سياسية) ضيقة ليشهد بأن قطاع السكك الحديدية يعرف تعددية نقابية عددية لا أكثر (11 إطارا نقابيا !!!) بعدما كانت في السابق تعددية برامجية، تعددية في الفعل والممارسة النقابية، لكن مع بروز الصراعات الداخلية بسبب طغيان منطق الكولسة التنظيمية لإقصاء الخصوم لاعتبارات سياسية أو إيديولوجية إضافة إلى ظهور مرض التهافت على المناصب والمسؤوليات النقابية ولو بدون أهلية، زاغ قطار النقابة عن سكته وسار في غير الوجهة المنتظرة.

هذا الواقع غير المعقول، أثر على الأداء النقابي ودفع الكثيرين من ذوي الكفاءة والتجربة والحنكة النقابية إلى اعتزال العمل والممارسة فحصل نزيف في الأطر المتمرسة، وغاب التأطير والتكوين المستمر، فتصدى للشأن النقابي بعض الوصوليين الانتهازيين الذين شلوا حركة النقابة بشللهم. فكيف يمكن فهم عدم انخراط بعضهم في المحطات النضالية المبرمجة من طرف الإطارات النقابية التي يحسبون عليها؟ في حين تراهم في الصفوف الأولى عندما يتم برمجة محطة ترفيهية استجمامية أو محطة رياضية كروية!!! وكيف يمكن فهم انتقاد بعض الممثلين النقابيين للبروتوكولات الموقعة من طرف إطاراتهم النقابية ودفاعهم عن أطروحات الخصوم!!! إن مثل هاته الممارسات الانتقائية أثرت سلبا على صورة العمل النقابي النضالي وسط الغثائية التنظيمية التي تشوش على السعي الحثيث لتكريس فعل نقابي واع ومسؤول وبالتالي يصبحون حملا ثقيلا يعوق السير العادي للنقابة ويكونون مساهمين في الاستنزاف الداخلي للإطار النقابي الذي يحسبون عليه.

2. مسؤولية الإدارة

لفهم هذا التداخل، لابد من استرجاع شريط الأحداث التي عرفها القطاع، فمنذ سنوات خلت وبالضبط عقب الإضراب البطولي للسككيين والذي دام 28 يوما متواصلة بمشاركة كل النقابات الفاعلة، والذي شل حركة القطارات بشكل كامل، تحركت الإدارة حينها بمنطق العقاب الجماعي لتقليم أظافر النقابات وتحويلها لإطارات أليفة، فانطلقت سلسلة من الإجراءات الانتقامية ضد الفاعلين النقابيين عبر التضييق والنفي والإبعاد إلى محطات بعيدة لإرهابهم وشل حركتهم وجعلهم عبرة للمبتدئين، إزاء ذلك شهد الفعل النقابي انكماشا على الذات وأصبح الخلاص الفردي مطمح كل نقابي في السكك الحديدية.

ومع تعاقب الإدارات حصل نوع من الانفراج وساد جو من التفاهم الحذر بين الإدارة والنقابات وانخرط الكل في مفاوضات جماعية توجت بتوقيع مجموعة من الاتفاقيات الإيجابية على الإدارة بحكم ضعف النقابات، فكان بعضها لا يجد أدنى حرج في الهرولة نحو التوقيع ولو على بياض أما من رفض وتثاقل فيتم تجاهله وفرض الأمر الواقع بدعوى حصول أغلبية موقعة، هذا المنطق حرك الرغبة لدى بعض النقابات لمحاولة الانتفاض لرد الاعتبار لإطاراتها “العتيدة”، لكن خيوط الإدارة كانت أكثر فاعلية، حيث استعملت أسلحة منها الضغط عبر المسؤولين المباشرين لإفشال بعض المحطات النضالية التي تراها النقابة المعنية حقا مشروعا وتراه الإدارة تحديا ومزايدة وعصيانا.

فتحول المجال النقابي من منطق التدافع إلى المساومات والوعود بامتيازات تارة، ومنطق “العصا والجزرة” تارة أخرى، وهكذا نجحت إدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية في تقزيم حجم الاستجابة المطلبية لكنها فشلت في تثبيت سلم اجتماعي تعاقدي واضح ودائم بينها وبين الفرقاء الاجتماعيين، وما البيانات النارية التي تصدرها بين الفينة والأخرى بعض النقابات في مواجهة تصلب الإدارة وكذا النقاشات التي تعرفها المنتديات الاجتماعية (فايسبوك – تويتر…) إلا تأكيد واضح على أن الهدنة الظاهرة تخفي وراءها كومة من الغضب والسخط الدفين الذي وجب أخذه بعين الاعتبار.

سلاح آخر استعملته الإدارة بنفس الحرفية لضرب الفعل النقابي في الصميم، هو ما يعرف عندنا بعملية التنقيط السنوية حيث تم اعتماد عامل “حسن سيرة المستخدم” حسب منظور الإدارة طبعا، التي تراقب درجة انصياعه للتعليمات الإدارية كمحدد رئيسي للتدرج الوظيفي، وبالتالي حصل التسابق حول من يحظى بالرضا والقبول، فأصبح الموعد التنقيطي هاجسا يضرب له ألف حساب في حركات المستخدم المسكين وسكناته.

وهنا لا بد من التذكير بأن العلاقة بين الإدارة والنقابة هي في الأصل تشاركية، وليس من مصلحة أحدهما إضعاف الآخر بل من مصلحتهما جميعا تجاوز حالات الاحتقان الظرفية عبر التفاعل الايجابي المتبادل والمسؤول استحضارا للتغيرات البنيوية والإمكانيات المتاحة لمجابهتها، وهنا لا ننفي حصول بعض التطور الايجابي في تلك العلاقة لكن الطموح نحو الأفضل يبقى حقا طبيعيا بحكم المتغيرات المجتمعية المؤثرة في النسق العام والذي يدفع في اتجاه تطوير تلك العلاقة لما فيه مصلحة القطاع ومستخدميه.

3. مسؤولية المستخدمين

كثيرا ما يتم تعليق فشل العمليات التفاوضية أو هزالة النتائج المحصلة بعد الحوار الاجتماعي القطاعي على مشجب النقابات، فيتم اتهامها بالخيانة وبيع عرق المستخدمين عبر صفقات مشبوهة مع الإدارة المفاوِضة، لكن ألا يتحمل المستخدم جزءً من المسؤولية فيما وصلت إليه الممارسة النقابية بلامبالاته وإعراضه السلبي عن المشاركة في صنع القرار والموقف الاجتماعي؟ ومن ينبغي أن يحمي ظهر النقابة أثناء العملية التفاوضية ويقوي موقفها ويدعما معنويا أثناء العملية التفاوضية غير الأجير؟

إن النضال النقابي فعل تطوعي في الأساس وهو كذلك مغامرة وعرة ومكلفة، لذا فهو يتطلب دعما واحتضانا من طرف المستخدمين بغض النظر عن الانتماء النقابي من عدمه، كما يتطلب حضورا فاعلا ومسؤولا للمنخرطين من أجل ترشيد الممارسة النقابية عبر المتابعة والمحاسبة والتقويم في المقرات النقابية كنوع من الرقابة المهنية المحصنة للخيارات والمعارك، كل ذلك لكي لا يتصدر القرار النقابي إلا كل قادر على تحمل أمانة تمثيل المستخدمين بكل صدق ومسؤولية.

لكن في غياب المشاركة الواسعة والاحتضان وفي غياب المتابعة والمحاسبة طفت على الواجهة النقابية عينة من المناضلين الهواة، هواة الاستكشاف وتصيد الفرص لخدمة مصالحهم الشخصية عبر استغلال القنوات التواصلية الموصلة إلى دواليب الإدارة المركزية مما ساهم في فقدان الثقة والمصداقية في العمل النقابي. والمتتبع لدردشات المستخدمين في المقاهي وعلى صفحات المواقع الاجتماعية (فايسبوك، تويتر…) ليقف على حجم التذمر والسخط من كل ما هو ممارسة نقابية تنظيمية بل ويصل الغضب حد التجريح في بعض الفاعلين النقابيين لمجرد إظهار انتمائهم لإحدى النقابات، وهي عملية غير سليمة إذ الانتماء النقابي حق لكل مستخدم ولكل تقديراته للإطار النقابي الذي يتقاطع مع اهتماماته ويجد فيه ذاته، فالمطلوب في الظرفية الحالية هو المساهمة الجماعية في تشخيص الداء قصد معالجته قبل استفحاله في أفق رد الاعتبار للممارسة النقابية الجادة والمسؤولة.

4. ما الخطوات العملية؟

من خلال ما سلف وبحكم أن المسؤولية مشتركة يجب أن تكون المعالجة جماعية ومشتركة، فالمسألة عبارة عن عقد ثلاثي الأطراف وأي انفصال لأحدها سينفرط العقد بأكمله، وأول خطوة في الاتجاه الصحيح هو الاعتراف بوقوع الخلل لإمكانية إصلاحه وتجاوزه كل حسب حيز اختصاصاته ومهماته:

أ– مهمات النقابة

– تفعيل المصالحة الداخلية عبر إشراك كل الفعاليات الحاملة للهم النقابي وتجاوز عقلية الاستقطاب الفكري والسياسي المشتتة للجهود.

– الانفتاح على كافة المستخدمين مهما كانت انتماءاتهم والإنصات لهمومهم ومعاناتهم اليومية وآفاقهم المستقبلية مع إشراكهم في صياغة الملفات المطلبية الواقعية التي تلامس واقعهم المعيش.

– اعتماد الأهلية والكفاءة والتمرس الميداني في تشكيل الهياكل التنظيمية وفي اختيار مناديب العمال وممثليهم.

– التركيز على التكوين المستمر للأطر الشابة لتبادل وتلاقح التجارب بين الأجيال المتلاحقة وضمان استمراريتها.

– الدفع في اتجاه تفعيل التنسيق المشترك بين مختلف الإطارات النقابية لصياغة أرضية مطلبية توافقية يمكن اعتمادها إطارا للنضال التكاملي المشترك.

– التحلي بروح المسؤولية أثناء المفاوضات الجماعية باعتماد المنطق التشاركي الواقعي المفضي إلى نتائج مقبولة ومعقولة والابتعاد عن المطالب التعجيزية المرتبطة بأجندات غير نقابية.

ب– مهمات الإدارة

– اعتماد المقاربة التشاركية في التعامل مع الإطارات النقابية مع تجنب منطق الهروب إلى الأمام وفرض الأمر الواقع.

– تفعيل العمل المؤسساتي عبر احترام جدولة الحوارات الدورية المبرمجة على المستوى الجهوي أو المركزي وضمان فاعليتها في إيجاد الحلول عوض الاقتصار على جلسات الاستماع.

– تيسير وتفعيل دور مندوب العمال للمساهمة في حل بعض الملفات القابلة للحل محليا.

– التفاعل الايجابي مع الملفات المطلبية الآنية والملحة مع تجنب أسلوب التسويف والمماطلة لأنها تفقد العملية التفاوضية مصداقيتها.

– احترام حرية الممارسة النقابية المسؤولة للممثلين النقابيين لإشاعة مبدإ الثقة المتبادلة للتشجيع على العمل المؤسساتي وتفادي حالة الاحتقان غير محسوبة العواقب على كل طرف.

ج– مهمات المستخدمين

– الانخراط الفعلي في الممارسة النقابية المسؤولة حضورا إيجابيا، محاسبة وتقويما واقتراحا واعيا.

– تجنب أسلوب التعويم والتمييع للممارسة النقابية والابتعاد عن تكتيك الانخراط في أكثر من نقابة فالمسألة قناعة واختيار لا إرضاء وتزلف.

– احترام الحق في التنوع التنظيمي المبني على الاختيار الحر للإطار النقابي المناسب.

– تجنب منطق التخوين واستعداء الخصوم النقابيين لمجرد الاختلاف في التقديرات فلكل حجته وبرهانه.

– مساعدة المندوب النقابي في مهمته عبر إمداده بملفات جاهزة ومعلومات كافية حول أي خرق تعسفي أو تعد على حق أو مكتسب.