في دلالة اللفظ

الجبرية غير القدرية، بل هما صنفان متضادان، أحدهما نقيض الآخر بإطلاق، فالجبرية أناس يعتقدون أن الإنسان هو خلو من اختياراته ومسؤولياته وقدرته وإرادته، ولن يستطيع فعل شيء بحريته لأنه مجبور على الفعل، مقهور عليه، يسير على طريق العمل على سبيل الجبر والإكراه، لاسيما وإن الله تعالى في عرفه إنما هو الخالق الفعلي للأعمال وما يقوم به العبد إنما هو على سبيل المجاز فحسب، تساوقا مع أفعال الكائنات المنسلخة عن الاختيار والمنتظمة في علق القهر والإجبار…

أما القدرية فهم أناس على النقيض، أناس يعتقدون أن الإنسان هو صانع أفعاله وخالقها خيرها وشرها ولا دخل لأي كان في تطويق الإنسان بفعل قهري لن يستطيع التخلص من عقاله…

والمتأمل في التصورين يرى تطرفا في كليهما… إذ القدر الإلهي على الإنسان باد في الوجود كله، ابتداء من خلقته إنسانا وإلزام جسده بقوانين قهرية تسري على الأجساد البشرية كلها منذ بداية الخلق، وانتهاء بما نُصب في الكون من أجرام وشموس وأراض… خاضعة خضوعا سرمديا مازال العلماء يكتشفون قوانينها القدرية المنظمة لها إلى الآن.

ولعل مصطلح القدر والإلزام قد حمل عند البعض شوها في دلالته المعنوية، فنظر إلى الوجود نظرة رفض لكل ما هو قدري ناسيا أن ما وراء الفعل القهري الإلهي هناك آلاء مسبغة وأفعال معطاة وكنف رباني لهذا الإنسان، فوضع الشمس في فلكها رحمة، وخلقة الأرض تلك الخلقة القدرية وما فيها رحمة، وتثبيتها بالجبال الراسيات رحمة، وإلصاق الإنسان بالأرض الدائرة آلاف الكيلومترات إلصاقا لطيفا رحمة، وإخراج فعل القلب عن الاختيار البشري رحمة، وحمل الكريات الحمراء للأوكسجين حملا قهريا رحمة،… فالقدر الإلهي للكون والأشياء يتسم بالرحمة والحكمة والإنعام.

وبالمقابل فحرية الإنسان في أفعاله واقعة كذلك في الوجود، فالله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ومن عمل صالحا يجاز به، وإقامة الجنة والنار وتحقيق العدل الإلهي رهين بكسب الإنسان وفعله، مع العلم أن الأفعال التي أجبر عليها قهرا لن يؤاخذ بها، ولن يتحمل جريرتها، لأن هذه الأمور المستكرهة رفعت في الشرع، مجازاة أو مؤاخذة..

نعتقد أن الاختيار الإنساني لأفعاله وطرقه المسلوكة وتصوراته التي يؤمن بها إنما هو جوهر الأمانة التي لم يستطع عالَم الأشياء حملها لثقلها وجسامة مسؤوليتها حين عرضت عليهم، ولم يتحملها في الكون كله سوى الإنسان الذي أبى إلا أن يكون حرا طليقا مخالفا أعراف جزئيات الكون المنصاعة للقوانين القهرية كلها دون استثناء… ونحن نعتقد كذلك أن سر الاختيار الإنساني لأفعاله هو متعلق بخلقة الإنسان الروحية الحرة الطليقة المكسرة للآسار والأغلال المقيدة… فالإنسان نفخة علوية روحية من قبل الله تعالى وفي ذلك تشريف له وإعلان لمبدإ الحرية والاختيار للمصير… بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره… لذلك فالاعتقاد بأن الإنسان منسلخ عن حرية اختياره ومنصاع لما يدبر له… تصور غير جيد من جهة وكذا الاعتقاد أن الإنسان حر منسلخ عن جميع الأقدار القاهرة له…

والصواب في عرفنا أن الإنسان سائر في قدر إلهي كوني ملازم له من جهة ولا يتحمل المسؤولية فيه… مع حرية في اختياره لأمور تكون تحت طائلة مسؤوليته الفردية فيها، سواء كان تصورا أو طريقا أو فعلا اختياريا أو غيره…

والمقصود أن يسقط المرء التدبير في شؤون قاهرة لازمة عليه، لن يستطيع أبدا تغييرها أو إزاحة سر القهر فيها.. وأن يتوجه بفاعلية وحرية نحو الشؤون التي تقتضي فعلا بشريا حرا بعيدا عن طوق القهر والإلزام…

وهذا كفيل بوضع الأمور في نصابها… إذ كم من فعل اختياري يتحمل المرء فيه مسؤوليته كاملة يحيله للتو على الفعل القهري تملصا وتخلصا من وطأة المساءلة والمحاسبة… وانظر إلى الألفاظ المتداولة في “المعجم الدارج” يلحظ الخلل متفشيا فيه، لذلك فالوسطية في التصورين لازمة، وإدراك البعد القهري والاختيار في الوجود الإنساني أمر قمين بالفهم والإدراك والاستيعاب.

الجبرية السياسية

ونقصد بها إثبات شرعية زائفة لحاكم مع نفي اختيار الأمة له، أو هي الإذعان لأمر حاكم دون أن يكون هو من الأمة، أي من صميم اختيارها، أو التسليم ببيعة الإكراه دون التدقيق في حقيقتها وجوهرها وتاريخ فرضيتها على الأمة… والمقصود أن يسلس القياد والانقياد لحاكم غريب عن هموم الأمة وتطلعاتها وحقها في الاختيار والنقد والمحاسبة والعزل، ويُسلم له من قبل فقهاء البلاط وكذا الحاشية المنتفعة بشرعية مبتورة عن الأصل الأول الذي حددت فيها المفاهيم والتصورات 1

إنه الإلزام القهري بالطاعة والخضوع لأمر فرد سمي بولي أمر دون سماح الأمة له بذاك الأمر أصلا… ولكن السؤال الذي يطرح ذاته هاهنا: لم كان ذاك التسليم بهكذا غرباء متسلطين قرونا؟ لم انحت الأمة دهورا لأناس لم تخترهم ولم تأذن لهم بتسيير شؤونها السياسية؟ لم تهافت بعض العلماء وعلية القوم من النخبة والثقافة لتسويغ أمر دون الرجوع لإرادة الأمة الحرة في اختيارها؟

نعم قد تتضح لنا المسألة بجلاء حين نقفز عن فترات زمنية سحيقة لنرجع إلى بداية تشكيل الدولة الإسلامية مع الرعيل الأول الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدوا لنهوض الأمة وتحرير العالم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد قوات الفرس آنذاك.

لقد فهم هؤلاء الناس أن القرآن لم يعط لأحد بعد النبي سلطة تسيير الدولة من بعده، وأدركوا أن اختيار الحاكم إنما هو رهين بهم ويدخل في نطاق إرادتهم واختيارهم، وفرقوا بين أحاديث المناقب التي تشرف أناسا وتعطيهم منازل سامقة بسبب تقواهم وأخلاقهم… وبين حق الاختيار وحرية الانتخاب لحاكم نيطت به مسؤولية التسيير الفعلي لدواليب السلطة، بل إنهم لم يلتفتوا للعلائق والوشائج والارتباطات العائلية وإن كانت متعلقة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم… فأكبروا بعائلته وأقاربه وآله عليهم السلام واحتفظوا لهم بحق التربية وبناء الإنسان ودعوة الخلق إلى رحاب الحق سبحانه، لاسيما وإن جل أئمة آل البيت عليهم السلام كانوا ربانيين ساروا بين الناس بأنوار الزهد والتعبد ووضاءة الإحسان… نعم أعلوا من قدر هؤلاء، ولكنهم لم يسلموا القياد لهم سياسيا، بل إنهم اجتمعوا وتشاوروا واختاروا حكاما سموا بعد ذلك بالخلفاء الراشدين لأنهم مروا على بساط الاختيار ولم يقفزوا قهرا على كرسي الحكم عن طريق السيف والإجبار… وقمين بنا أن نعرف الأسباب الحقيقة التي دعت أمة شاهدة على الأمم، وحققت مراد النبوة بعصمتها وعدم اجتماعها على الخطأ أن يتسلسل فيها عرف الاستبداد وتتجذر عندها رؤوس الاستفراد والقهر السياسي؟

1. علة الانتساب لبيت النبوة

إن الانتساب للدوحة النبوية شرف عظيم وفضل عميم، يرى الناس في الذي انتسب إليه خصالا نبوية موروثة، تظهر على سيماه وأخلاقه فينجرون نحوه ويصاحبوه طمعا في الاغتراف من مشكاته والارتواء من معينه، وهكذا كان سيدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد وردت فيه أحاديث كثيرة تتحدث عن مناقبه وخصاله وعلمه وجهاده وشجاعته… كما وردت في المهاجرين الأُول والأنصار آيات ترفع من قدرهم وسمو أخلاقهم … نعم هذا شيء، وإجماع الأمة على رجل الدولة شيء آخر… فالذي هو مسطور في القرآن أن أمر الأمة شورى بينهم في اختيار الحاكم الفعلي للدولة، ولم نجد آية واحدة تلزمنا باختيار قهري لسلسلة عائلة تنتسب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم نجد آيات تنص تصريحا أو تلميحا لأئمة آل البيت عليهم السلام ليحكموا الأمة دون اختيار هاته الأمة لهم، مع تذكيرٍ مِن قبلنا لما لهؤلاء الأولياء من نصاعة التقوى وسيماء الصلاح والمشي بين الناس لتربيتهم وغرس الإيمان في نفوسهم، وهو لعمري مرتبة سامقة في الدين تضاهي رجل الدولة الصالح… بل إن هذا ثمرة ذاك، لأن المربي الذي صاغ أنفسا وجدد إيمانا وغرس مبادئ فلا بد وأن يرى ثمرة عمله في الواقع فيجدها عند الذي تولى سلطة أو مسؤولية داخل المجتمع، وكلما طرأ الفصام بين الدعوة والدولة كان التناقض الصارخ بين أقوال الساسة وفعالهم لتتوارى القيم خلف جدران النسيان وتنهض النزعات والأهواء طاغية على المجتمع، فلا تلفي سوى العض والروغان والتكالب والتدافع على لعاعات زائلة ومصالح مادية آفلة.

والمقصود أن أحاديث المناقب غير ملزمة لنا بجعل أئمة البيت عليهم السلام حكاما قهريين للأمة بحيث ينصاع لهم الناس في تدبير السلطة تدينا وعقيدة كما درج على ذلك الشيعة الآن وعبر الأزمان. كل ذلك يجعلنا في حل من الإلزام بقيد الذرية والتسلسل الوراثي لعائلة، بل إن هذا الحق وهو حق الاختيار المقدس هو معطى من قبل الله سبحانه، وهو رديف لِحق الحرية في أن تختار الأمة من شاءت من الناس وتراقبهم وتحاسبهم وتعزلهم إن كانوا مفسدين.

2. إمارة الاستيلاء

وهو أمر وقع مباشرة بعد الضعف الذي لاحق جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد صفين لاسيما ظهور نزعة التكفير مع الخوارج، فضلا عن استشهاده من قبل واحد منهم، فبقي الأمر مهيأ ليأتي الغالب بسيفه ويستولي على السلطة دون بيعة عامة من قبل الأمة، فظهر الملك، وسَمى معاوية رحمه الله نفسه أول الملوك، فظهر الحاجب ودب في الأمة الخوف من الحاكم القوي بسيفه، بحيث إنه لن يستطيع أحد أن يقومه إن اعوج أو فسد، فتقلصت النصيحة داخل المجتمع، وتمددت العائلة، وتجذرت النزعة القبلية وتعالت مصالحها على مصالح الأمة، فسمي الحاكمون باسم قبيلتهم بني فلان وبني فلان، حيث يكون الواحد فيهم خارج المحاسبة والتقاضي، وأصبح الفكر تابعا لهوى السلطان مبتعدا بذلك عن القرآن، ليخلص الباحثون أن الفساد دب في الأمة عن طريق الحكم بسبب القوة العسكرية للمستولي الذي أخضع الكل لهيمنته ورؤيته وتصوره للأمور، مما يشي أن كفة الأمة أصبحت مرجوحة وكفة الحاكم وعائلته راجحة، وما في ذلك من تصاعد للظلم ونهب للخيرات وصعود أوثان بدل أوطان وآلهة معبودين من دون الله تعالى….

إن إمارة الغالب أو الاستيلاء القهري على الحكم وإن سوغت وبررت بنصوص شرعية فلن يكسبها ذلك شرعية… لأنها مناقضة لقصد العدل ومحاربة الظلم والاستبداد وما قصه القرآن من نصوص عن إهلاك المتفردين المستبدين الفراعنة… فضلا عن الإعلاء من شأن الأمة الشاهدة على الأمم بحريتها وشوراها وقوتها على ضبط مصيرها السياسي.

ثم إن وقائع التاريخ لن تقضي أبدا على النص، ولن تكون مقدسة أبدا، فالأمر المبتدع كإمارة الغالب المستولي بعيدة كل البعد عن المقاصد الشرعية والنصوص المستفيضة التي تضع الأمة على مدرجة الاختيار دون الانصياع للغالب… لذلك نقول إن الانقلابات والاستيلاء على السلطة على طريق الجنرالات ليست بثورة حقا، إنما هي إمارة استيلاء وغلبة بعيدة كل البعد عن الشرعية الحقيقية، إذ لا شرعية لأي كان إلا حينما يمر من سم الاختيار.

3. التوريث

ويقصد به تسليم مقاليد السلطة لابن الحاكم ليسلمها بدوره لابنه وهكذا دواليك ليبقى الأمر متسلسلا عبر الزمن بحيث إن القادم الجديد لن يفكر في أهلية تسييره للشؤون السياسية ومقتضياتها وشروطها الأساسية، لأنه يعلم بالضمن وراثته لهذا الشأن دون منازعة، مما يعني أن حرية الأمة في اختيار حاكم اغتصبت واستبدلت بالوراثة والبيعة الصورية، وهذه البدعة السياسية بدأت حين ولى معاوية رحمه الله الملك لابنه يزيد دون اختيار الأمة له، لتبقى متجذرة في الأمة عبر قرون مع تسويغ بعض الفقهاء لهذا العرف الاستبدادي ونمط الاستفراد بالسلطة، وحين ندقق في النصوص الشرعية لا نجد دليلا لهذا الفعل المغاير لطبيعة الأشياء، إذ أن الوراثة البيولوجية ليست الدعامة الكبيرة والركيزة العظمى للتسيير السياسي، لاسيما وإن العرف يشي باختلاف الآباء عن الأبناء خلقة وذكاء وتصورا ومنهجا واعتقادا، وكم من نبي لم يؤمن به ابنه، أو زوجته، أو أبوه وهكذا… لذلك فالتحجج والتشاطر بأن تاريخ التسلسل الوراثي للحكم يقوم مقام الحجة القاطعة لإعطاء الشرعية لحاكم وريث هو دليل واه وحجة خرقاء، إذ الزمن المتوالي لن يكون قاضيا على الأصل لاسيما إن اعتوره شوه وخداج، وغالبا ما يكون الدفاع من قبل بعض الغوغاء عن نمط الاستبداد القروني والتسليم بأن يكون الحاكم الوريث حاكما شرعيا وجب الخضوع له والإذعان لتوجهه السياسي… قلت غالبا ما يكون وراءه طمع أو تزلف أو الإبقاء على الأمة رهينة التعاقب العائلي والدوران الأبدي للطاعة العمياء للمتسلسلين على دفة الحكم، مع ما في ذلك من مفاسد الترهل والأمان على الكرسي والاستحواذ على الخيرات ونصب صروح المعتقلات والتفنن في التعذيب لكل من هدد الحاكم فيما ورثه عن أبيه… ولست أدري لم يتبجح البعض بـ(الإسلامية) وهو يعرض عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في إعطاء الحرية للأمة في اختيار حكامها، ولا يعير اهتماما لما قام به خيرة صحابته الذين تداولوا على السلطة دون تمسك قهري عليها أو أنهم ورثوها لبنيهم…

لم استساغوا هذا النمط الغريب عن التصور الإسلامي ودافعوا عنه مع العلم أن التجارب البشرية كلها تدل على أن الحاكم الفعلي التنفيذي يُختار ويحاسب ويعزل ولن يكون أبدا مقدسا، لاسيما وإن التقديس مع التنفيذ هو مناف لمبدإ المحاسبة والمساءلة والخضوع للقوانين…

فإن ادعوا أن هذه البيعة الوراثية هي من صميم الدين فلن يرضى أي كان أن يكون هناك دين يجبر أمة على أن تكون تركة تورث، أو بضاعة تسلم من واحد لآخر، لنخلص أن المتماهين مع التوريث والمدافعين عنه هم لاعبون حقيقة بحق الأمة في عزتها وكرامتها وامتلاك خيراتها ووضع دساتيرها ومحاسبة مسؤوليها… وأخشى ما أخشاه أن يكون هؤلاء المدافعون هم الضحايا الأُول لهؤلاء الأوثان التي خدموها ونافحوا من أجل تقويتها واستئسادها، لاسيما حين يقترب أوان اهتزازها وتزلزل الأرض من تحت أقدامها العفنة.


[1] ونقصد بالأصل الأول ذاك النص الذي لم يجبر الأمة على الاذعان لحاكم متسلط من جهة سواء كان قرآنيا او حديثيا وكذا الزمن الذي وضعت فيه أسس الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة بدستورها واختيار الحكام ببيعة مبنية على الحرية الكلية للفرد والجماعة.\