مما لا شك فيه أن اقتراع 25 نونبر أكد بالواضح تبعية الموقف النقابي للتوجه السياسي عند كل المركزيات النقابية المغربية بدون استثناء، وعليه فإذا كانت الأممية الأولى قد أدركت الدور السياسي للنقابات وطرحته بقوة بهدف التحرر الاجتماعي للعمال بعد المؤتمر التأسيسي عام 1864م بجنيف، فإن النقابية المغربية وبعد ما يناهز قرنا ونصف قرن عن ذلك المؤتمر لم تر لها من موقع سوى الاصطفاف مع نخب سياسية طالما تاجرت بمعانات العمال وقايضت نضالهم بالمناصب والامتيازات.

1- النموذج العملي لما سبق ذكره تجسّد في موقف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل من انتخابات 25 نونبر والذي أعلنته باسم مجلسها الوطني بتاريخ 29/11/2011 م وجاء فيه: … فإن المجلس الوطني وبدون تسجيل أي تحفظ: … 5- يدعو الطبقة العاملة إلى مناصرة ومساندة المرشحين الديمقراطيين التقدميين من الأحزاب المساندة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل).

للمركزية النقابية آنفة الذكر مطلق الحرية في اتخاذ ما تراه مناسبا من مواقف وقرارات، علما أن الموقف السياسي لكل مكوناتها كان معارضا بالمطلق لمهزلة الانتخابات، باستثناء حزب المؤتمر الوطني الاتحادي الذي لم يحصل على أي مقعد وخرج يجر أذيال الهزيمة من هذه المشاركة.

2- لو أخذنا بعين الاعتبار مجمل المواقف التي دشنتها الكونفدرالية بانسحابها من مجلس المستشارين والإضراب الوطني العام والموقف المشرّف من التعديلات الدستورية في مقابل الموقف الأخير الداعي للمشاركة في انتخابات 25 نونبر مع نتيجة صفر مقعد التي حققها حزب المؤتمر لجاز لنا أن نسائل بقوة هذه المركزية عن سبب هذه “الردّة النضالية” وعن الجدوى من المشاركة في مهزلة انتخابية عافها الناس على نطاق واسع.

استنادا إلى المواقف المشرفة للكونفدرالية من التعديلات الدستورية وغيرها كثير، يمكن التجاوز عن هذه الكبوة الأخيرة واعتبارها درسا مخزنيا بامتياز وجب التعامل مع انعكاساته على الصف الداخلي بتطمين كل الغيورين على العمل النقابي بعدم الانجرار مستقبلا وراء حملات التجييش والاستنفار المخزني عند كل مسرحية انتخابية، لأن البديل عن ذلك انشقاقات وتشتت لا تحتمله الساحة النقابية المغربية المفتتة أصلا.

ورب ضارة نافعة، فالمقاطعة الواسعة لمحطة 25 نونبر (التي لم تصل 25 في المائة أخذا بعين الاعتبار الكتلة الناخبة البالغ تعدادها 24 مليون مواطن ومليون و600 ألف صوت ملغاة) وأجواء الاحتقان التي تسود علاقات الشغل بفعل تحالف سلطة المخزن مع الرأسمال المحلي والأجنبي لضرب مكتسبات الشغيلة والتضييق على الحريات النقابية كلها كفيلة بتشكيل أوسع جبهة مناهضة للظلم السائد وتحقيق هدف التحرر الاجتماعي القائم على مبادئ العدل في إنتاج وتوزيع الثروات.

ولطالما أكدنا على أن قوة الكونفدرالية تتجسد أساسا في تعدّد الحساسيات المشتغلة من داخلها، وأن استثمار كل الآراء ضرورة لتقوية الموقف والخروج بالتالي بقرارات تعبر عن التنوع المفضي لأفضل خدمة للشغيلة خاصة وللشعب عامة، وأن محاولة فرض رأي واحد مهما بدا تهافته هو ضرب في الصميم لهذه القوة وتبخيس لجهود المناضلين الغيورين على مستقبل هذه المركزية.

وكل انتخابات والكونفدرالية يقظة وحذرة من حبائل المخزن.