أولا: شرط الجبهة النقابية

تقتضي اللحظة النقابية الانتقال الجذري من اعتماد المنهج الوصفي لأزمة العمل النقابي إلى حتمية امتلاك القوة الاقتراحية والاقتحامية الميدانية للخروج بالنقابة والنقابية من موقع الضعف إلى موقع القوة.

وحينما يتعلق الأمر بالإنسان وبضمان شروط عيشه الكريم بما يحقق أمنه الحالي وأمانه المستقبلي جيلا بعد جيل، فإن واقع الفسيفسائية النقابية يعد حيفا كبيرا ومانعا سميكا، خاصة لما يرتبط الأمر بسياق مواجهة وضع اجتماعي كلي هو نتيجة لوضع سياسي متسم بالفساد والاستبداد واحتكار الثروة والسلطة في ظل فوارق طبقية بشعة.

من هنا يكون الوعي بالتنوع والتعدد المجتمعيين وسيلة هامة في امتلاك الوعي النقابي الذي لا يرهن الحركة النقابية ضمن مطلب غير واقعي كمطلب الوحدة النقابية، وإنما يتجه عمليا إلى إنتاج شروط القوة، ولو استحالت الوحدة النقابية العضوية، من خلال إبداع أساليب تحقق الوعي النقابي الضروري وبناء الأدوات العملية المناسبة للمرحلة والمحققة لأهدافها ومطالبا الواقعية.

لذلك، فما يقابل واقع الفسيفسائية النقابية السائدة في مغرب اليوم وفي اللحظة المعيشة ليس مطلب الوحدة النقابية، ولا مطلب التحالف المرحلي النقابي ولو على أرضية مرجعية أو سياسية أو نقابية، لكن المطلوب بناء جبهة نقابية من خلال إنجاز شروط ولادتها العلمية والعملية.

ولذلك فليس معيار الجبهة النقابية عدد المنظمات المشكلة لها؛ إذ قد تكون صغيرة الحجم أو قليلة التأثير، وإنما عدد القطاعات المنخرطة فيها وعدد المنخرطين في نظامها مع مستوى الوعي المؤطر لحركتها وفق تفكير استراتيجي لا يسجن الفكر والسلوك النقابيين ضمن قبضة المطلب الاجتماعي الجزئي أو الفئوي مجردا عن كل ارتباطاته بالنظام الاجتماعي والسياسي القائمين؛ لأن هناك فرقا بين عمل نقابي في ظل الحرية وبينه في ظل الاستبداد والفساد والطبقية المقيتة، ثم إن العمل النقابي ليس أداة في الصراع الطبقي بل وسيلة هامة في بناء نظام القيم السامية التي تولد أنظمة سياسية واجتماعية على قواعد العدل والحرية بما يضمن العيش الكريم والاختيار الحر والمساهمة الكاملة في بناء نظام دولي أخوي عادل ومتضامن.

من هنا لا يكون مطلب الجبهة النقابية عائقا مانعا من الانتقال إلى إنجاز مهام المرحلة النقابية لما لا يرتبط تحقيقه من خلال المركزيات والمنظمات القائمة في اللحظة؛ خاصة لما تكون قيادات هذه الأخيرة عاجزة عن إبداع مناهج وأساليب تجاوز واقع التشرذم والتدبير الإداري والنقابي السيئ والذيلية السياسوية، ذلك أن في هذه الحالة تكون الجبهة قرارا سياسيا مبنيا على المزاج السياسي للمناضل السياسي، في حين أنه نتيجة سيرورة الوعي النقابي في سياق معاناته ومتاعبه اليومية نحو الاكتمال الذي يفضي ضرورة إلى جمع الجهود القطاعية المجتمعية على خطوط عمل متكاملة ومندمجة تنتج قوة ميدانية اقتراحية واقتحامية هادئة ومتوازنة ومنضبطة.

إن تحقق الجبهة النقابية إما أن يكون نتيجة درجة متقدمة من الوعي السياسي الإيجابي أو حتمية مجتمعية تتجاوز تخلف درجة هذا الوعي عن استيعاب المرحلة ومطالبها.

لذلك حينما يصبح الإطار النقابي باختياراته الهيكلية والتنظيمية والتصورية والبرنامجية غير مناسب للمرحلة واللحظة النقابيين يجب عقلا وحكمة وعملا تجاوزه بالتفكير في بناء استراتيجية تصورية وهيكلية وتنظيمية كفيلة بتحقيق المطالب الواقعية والضرورية، على الأقل، من خلال تجميع القوة النقابية البشرية في إطار هيكلي متخلص من قبضة السياسي الاحترافي الذي لا يفكر إلا في موقعه ومصالحه الضيقة.

ومن هنا يكون مطلب الجبهة النقابية مطلبا مصيريا يستوجب تجميع كل الجهود والطاقات لإنجازه حتى لا تفوت الفرصة وتضيع معها الحقوق، لأن الحقوق لا تنتزع وتحقق إلا بعد القيام للواجب بالواجب في وقته.

ولذلك يكون السؤال التالي مشروعا: هل يمكن الحديث عن الجبهة النقابية في ظل الذيلية السياسية والحزبية للمركزيات والمنظمات النقابية القائمة، هذه الذيلية التي تحالفت مع القبضة الاستبدادية للنظام السياسي فأنتجت واقع التشرذم والتنافر والريبة والشك ووفرت الفضاء المناسب للانتهازية النقابية والوصولية النقابية والنقابية السياسوية؟

نعم، لا يشك واحد أن القاعدة البشرية النقابية عريضة ومهمة، لكن السؤال دائما يبقى حول طبيعة العقد الناظم لعلاقة هذه القاعدة بالنقابة وبالطليعة النقابية، وللنقابة بالتنظيم السياسي التابعة له؛ لما لذلك من أثر هام على مستوى التعبئة وموضوعها وعلى مستوى الوعي وبناء الإرادة النضالية وعلى مستوى تحديد الأهداف وعلى مستوى حقيقة الاستراتيجية النقابية. وما يترتب على هذا ضرورة تحديد موقف دقيق من المركزيات والمنظمات النقابية القائمة بناء على مدى استقلاليتها وتموقعها ضمن الحاجة الحقيقية للعمال والمجتمع، إذ لا ينبغي رهن حقوق العمال والأجراء بكل فئاتهم، وكذا الطلاب والتلاميذ، لدى منظمات ومؤسسات نقابية مرتبطة بهدف سياسي محدود وضيق الأفق. ومعنى هذا أن رهن العمل النقابي في مجتمع تشل كل حركته القبضة الاستبدادية لدى منظمات نقابية ذيلية إنما يعني إقبار حق هذه الفئات في الممارسة النقابية المستقلة التي تكون فيها صاحبة القرار والمبدعة لوسائل صياغته وتنزيله. لذلك ينبغي القول الصريح: إن مقتضى أزمة النقابة والنقابية في المغرب يفرض ضرورة تجاوز هذا الواقع من خلال الاجتهاد في إنتاج الشكل المناسب للنهوض بالعمل النقابي لتؤدي النقابة وظيفتها البنائية ضمن حركة المجتمع عموما.

هنا يكون مطلب الجبهة النقابية وجيها، لكن بأي مضمون وبأية إرادة وبأي أفق؟

ثانيا: قيادة النهوض المجتمعي

من الخطإ الجسيم في النضال المجتمعي تخويل النقابة سلطة تقدير لحظة الحسم النهائي مع أنظمة الاستبداد والفساد دون أن يعني هذا حرمانها من مستوى الوعي السياسي الذي يجعلها مستوعبة تماما للحظة السياسية ولمطالبها الحقيقية وقادرة على تقييم أداء القيادات السياسية والمجتمعية وتقويمه، كما انه من الخطإ أن تعتبر القيادة النقابية نفسها هي صاحبة الحسم في القرار السياسي في موقف سياسي معين، لكن يجب أن تكون منحازة تماما للحق بانخراطها الواعي في حركة المشروع المجتمعي للتحرير والتحرر الشامل الذي يعني وحده معنى القوة والاستقلال والوحدة.

إن حرمان الحركة النقابية من امتلاك درجة الوعي السياسي الكفيل بمشاركتها المسئولة في النهوض المجتمعي وبناء أساسات العدل الدولي يعني سجنها ضمن هامش الحاجة المادية الضيق واللحظي، وهو ما يجعلها عرضة للمزايدات السياسوية، الأمر الذي يكرس واقع التمزق والتجزئ والتباعد والتباغض.

من هنا تكون النقابية، لما تمتلك كل عناصر قوتها المعنوية والمادية والتنظيمية والهيكلية والبشرية، مؤهلة للقيام بدورها الريادي ضمن قيادة النهضة المجتمعية الشاملة حيث تخولها طبيعتها امتلاك النظرة الشاملة لاقتراح نظام اجتماعي عادل والمساهمة في بنائه على أساس الحرية الحقيقية في السياسة والاختيار. ولذلك يمكن فتح أفق تجديد العمل النقابي لتجاوز واقع الأزمة والنفق الحاليين من خلال:

1. تجديد العقد النقابي

إن العلاقة النفعية التي كرستها النقابية السائدة بين النقابة وبين قاعدتها البشرية لا يسمح البتة ببناء وعي وإرادة نقابيين كفيلين بتحقيق الأهداف الاجتماعية لهذه القاعدة.

ومما لا شك فيه أن فساد العمل النقابي من فساد العمل السياسي لما يرتبط به وفق نظام الذيلية، لكن يمكن للأول أن يكون مدخلا قويا لدفع الثاني في اتجاه إعادة النظر في علاقة المناضل السياسي بالمناضل النقابي بما يساهم في استقامة أداء النقابة في سياق ترسيخ قيم النهضة الشاملة. وهو ما يعني ضرورة إعادة النظر جذريا في طبيعة العقد المعنوي والمادي والقانوني الناظم لحركة النقابة وفق قيم الاستقلالية التي لا تعني إلا الانتماء للمشروع الأصلي لحركة الأمة ومساندة قواها الحية بغض النظر عن الحسابات “الإديولوجية”، الأمر الذي سيؤدي إلى ضغط هائل على السياسوي الذي لا يرى في ما هو نقابي إلا وسيلة سياسوية ضرورية.

إننا بهذا نكون أمام مجهود كبير لتغطية يوميات العامل بكل فئاته مع فتح نقاش عام وعميق كأداة لصناعة الوعي النقابي الضروري لتأطير الحركة اليومية للعامل والنقابة، وهو ما سيؤدي حتما إلى تهميش العناصر والأعمال السلبية، لتكون أهداف هذا النقاش والحركة المصاحبة له:

تعميق الوعي الجبهوي لدى كل فئات العمال والأجراء من حيث هو خيار استراتيجي مصيري.

تعميق الحرية والاختيار الحر بين العمال والأجراء على قواعد الحق والشورى والتضامن عبر ترسيخ التنظيمات القاعدية الطليعية الجامعة في مجال العمل وفي مواقع التجمعات التي يجب فرضها من حيث هي أداة جوهرية في البناء الهيكلي والتنظيمي والتعبوي للنقابة مع سيادة قيم الصدق والبذل والصرامة الأخوية.

فحينما تصير الممارسة النقابية مبنية على قاعدة معاني الأخوة في إطار ولاية عامة بين كل مكونات وعناصر النقابة، ومنتظمة على مستوى الفكر والتدبير والإدارة على قاعدة الشورى في تنظيم النقاش والاجتهاد والحركة اليومية لا شك أننا نكون أمام قوة ضاربة وقاصدة وجامعة لا تُقهر.

المساهمة في تقويض كل أركان الفساد والاستبداد والاستكبار والترف بما هي المصدر الأم لكل المعانات المجتمعية والإنسانية. وهو ما يعني انخراط النقابة الطوعي في حراك مجتمعي ناهض يروم إقامة قواعد العدل والحرية بما هي الضمانة الأساسية لتحقيق شروط العيش الكريم والإبداع الشامل لتحقيق التنمية الشاملة.

2. بناء الهرم المطلبي بناء على علاقة المطلب النقابي الكلي بالمطلب النقابي الجزئي

من المعلوم أن تسطير لائحة المطالب الاجتماعية عموديا يتأسس على معنى الأولوية النضالية باعتبار أهمية المطلب في تحسين الوضع الاجتماعي الخاص والعام مع الانتباه إلى بعده السياسي في ظل دولة الاستبداد والفساد، وهو ما يعني أن خط العمل النقابي، هبوطا وصعودا، مرتبط بمدى تحقق المطلب موضوع الحركة النقابية من عدمه، وبعلاقة ذلك بباقي المطالب.

هنا يكون نظام التفكير في بناء الهرم المطلبي ووضع الخطة النضالية لدى القيادة النقابية، سواء العليا أو الوسطى أو المحلية، منطلقا من خلال انتظام العلاقة بين المطلب النقابي الجزئي والمطلب النقابي الكلي بحيث يكون النضال اليومي لأجل تحقيق المطلب الجزئي مؤطرا بالوعي بحقيقة وأهمية المطلب النقابي الكلي وخادما له. فلا يمكن، مثلا، تكريس كل الجهد النضالي والإبداعي لتحقيق مطلب جزئي يتعلق بتحسين الوضع والحالة الاجتماعيين الحاليين للعامل دون الانتباه إلى أهمية العمل الجاد لانتزاع واقع الحرية النقابية بما هي الفضاء الضروري لبناء واقع نضالي سليم ومتزن، وكذلك العلم بأهمية واقع الحرية السياسية في إنجاز واقع العدل الشامل لدى كل المستضعفين والمجتمع عموما، كما لا ينفصل هذا في الفهم والوعي والسلوك عن مصير الإنسانية وقضاياها العادلة، الأمر الذي يعني مقاومة الاستكبار ومصادره في كل المجالات.

3. الإبداع التنظيمي

من أكبر معيقات تحقيق الأهداف النقابية سجن الحركة النقابية ضمن نمط تنظيمي وهيكلي جامد خاصة لما يصبح هذا النمط غير قادر على الاستجابة للمتغيرات في مجالات الحياة البشرية وعلاقاتها المختلفة والمتشابكة، ولذلك يقتضي التجديد على مستوى بناء العقد النقابي وبناء التفكير والفكر النقابيين الاستراتيجيين عرض السؤال التالي: هل الواقع التنظيمي والهيكلي الذي عليه الواقع النقابي يستجيب لمتطلبات المرحلة وتطلعات المستقبل القريب والبعيد؟

الجواب: لا، بالتأكيد.

هنا يكون التحدي الحقيقي أمام المشروع التجديدي للعمل النقابي متجليا في ضرورة تجاوز الشكل التنظيمي والهيكلي القائم بما هو عائق ومانع من تحقيق الأهداف النقابية المرحلية والبعيدة.

ولا شك أن الشكل التجديدي ينبغي أن يستجيب للأمور التالية:

أ- توسيع قاعدة المشاركة النقابية من خلال إبداع الشكل التنظيمي القاعدي الذي يفتح الباب أمام الجميع للمشاركة والوعي والتعبئة.

ب- توسيع قاعدة الشورى في أنظمة التفكير وبناء الفكر والنقاش وصناعة القرارات عبر صناعة الإرادة الحرة للمشاركة الحرة.

ج- العمل على بناء الجبهة النقابية من خلال توفير شروط مشاركة جميع القطاعات والفئات من عمال وأجراء وكسبة وفلاحين وطلاب وتلاميذ وغيرهم من الفئات المتعلمة والعلمية، ولذلك فقوة الجبهة النقابية تستمد من مشاركة القطاعات لا من عدد المنظمات والمركزيات النقابية.

د- إذا لم تكن القوانين السائدة قادرة على إعطاء الحق الكامل للعمل النقابي، فإن أمر الوجود يصبح بقوة الواقع لا بقوة القانون. ذلك أن العمل النقابي الحالي، الذي يعاني من قبضة السياسي ومن هيمنة نظام سياسي استبدادي عبر قوانين مجحفة وخانقة، لم يحقق شيئا كبيرا لولا الحراك المجتمعي عبر أشكال أخرى وإن كانت جزئية وهامشية في كثير من محاور اشتغالها لغياب القيادة المجتمعية الجامعة. ومن ثمة يكون البديل هو عمل نقابي قاعدي عبر قيادة ملتحمة تماما بالجمهور وباذلة كل جهد التعبئة والتنظيم والبناء وفق استراتيجية نضالية ممتدة في عمل المجتمع ومتكاملة وفق وعي سياسي استراتيجي مع حركته في اتجاه استكمال مسيرة التحرير والحرية.

وخلاصة القول: إن المرحلة التاريخية، سواء في بعدها المحلي أو الإقليمي أو الدولي، تقتضي بناء استراتيجية نقابية تجديدية تراهن على جبهة نقابية كأداة طليعية لتنظيم القاعدة النقابية وتعبئتها بما يجمع كل الفئات والقطاعات حتى تصير قوة اقتراحية واقتحامية للمساهمة في إنجاز النهضة المجتمعية الضرورية. وهو ما يقتضي ضرورة القطع الحكيم مع النمط السائد في تنظيم الواقع النقابي تجاوزا للاختناق المفروض وسعيا لتحقيق المطالب النقابية على قاعدة وعي سياسي حقيقي يربط بين المعنى التجديدي للممارسة النقابية وبين انتمائها للمشروع المجتمعي الأصيل والجامع.

إنه لا أفق للعمل النقابي في اللحظة المعيشة ما لم يتحرر من القبضة السياسوية التي ترهنه بأهداف سياسية محدودة لن تخرجه عن نمط التفكير الإصلاحي الذي كشف عن عجزه في حل معضلات المجتمع المغربي المختلفة، وفي نفس الوقت يجب أن يتطهر من النمط العنيف في ممارسته.