إن الوضعية الاجتماعية المتفاقمة التي يكتوي بنارها المغاربة اليوم، بقطاع تعليمي يخبط خبط عشواء، بلا تصور يؤطره ولا معالم تحدد مساره بعد أن أوقف العمل ببرنامج استعجالي/ارتجالي بلا تقويم ولا تقويم، وبلا حسيب ولا رقيب، وبقطاع صحي متهالك القوانين يعكس معاناة المواطنين، رغم أن المغرب انتهى لتوه من المخطط الخماسي (2008-2012) لهذا القطاع، وبجيوش من المعطلين تتضاعف أعدادهم كل موسم، وبسكن متساقط وغير لائق خاضع لمضاربات الكبار…

كل هذه –وغيرها كثير- معالم كبرى لواقع اجتماعي يكابد فيه المواطن ويعاني، وبالقدر الذي يعبر فيه الواقع عن الإصرار المخزني على الاستجابة لرغبات الاستكبار العالمي على حساب حقوق مستضعفي هذا البلد، يعبر ذات الواقع أيضا عن تآكل العمل النقابي واتسامه بسمة العبث، إذ لو كان العمل النقابي قويا لما تمكن الاستكبار المحلي المخزني من الإجهاز على حقوق الأجراء والعمال بهذه الطريقة.

إن العمل النقابي المغربي يعيش على وقع أزمات مركبة أفقدته الأدوار المنوطة به، فالنقابات فقدت وتفقد مصداقيتها بعدم قدرتها على تحصين المكتسبات بله أن تحقق مطالب منخرطيها، ولعل أكبر شاهد على ذلك إصرار الحكومة – عشية فاتح ماي – على المضي في تنفيذ الاقتطاعات التي هددت بها في ظل صمت نقابي مركزي مريب.

والنقابات في المغرب فقدت وتفقد مشروعيتها، رغم محاولات السلطة تحصين النقابات الأكثر تمثيلية، وفي هذا السياق يجوز أن نسائل النقابات عن أية مشروعية تتحدث ما دام 90% من موظفي القطاع العام غير منخرطين في أية نقابة، ومادام عدد النقابات يربو على 30 نقابة بألوان حزبية مختلفة. ومن الطريف أن الباطرونا تجمع جهودها في نقابة واحدة –الاتحاد العام لمقاولات المغرب- وما تشكله هذه الوحدة من قوة في قراءة الواقع قراءة صحيحة والاستجابة لتطوراته المتسارعة، وبالمقابل تظل نقابات العمال والأجراء منقسمة على نفسها وتسير في الاتجاه الخاطئ بحيث في كل منعرج تنشق النقابات على نفسها من باب: داوني بالتي كانت هي الداء!!!

وتتخبط نقابات المغرب في معضلة تنظيمية حادة تغيب أو تضعف فيها الديمقراطية الداخلية في الهياكل الوطنية والجهوية والمحلية، في ظل تغليب الإيديولوجي والحزبي على النقابي، وهيمنة الزعيم الوحيد –وحيد زمانه ونقابته- وزبانيته من النفعيين والبراغماتيين.

إن أخطر أزمة تعصف بالعمل النقابي المغربي – إضافة لما سبق ذكره – تتعلق بالهوية، فهل النقابة لا تعدو أن تكون وسيطا بين العمال وأرباب العمل، وبين الأجراء ومشغليهم، أم إنها حاملة مشروع مجتمعي مستقل عن كل جهة تكافح عنه وتنافح؟؟؟

لقد كان للنقابة دور بل أدوار في دول الربيع استطاعت أن تبصم بصمات قوية في الإطاحة بأنظمة ديكتاتورية عتيدة، وبالمقابل اكتفت نقابات “الاستثناء المغربي” بكرم وجود المخزن من خلال القبول بالجلوس ل “حوار اجتماعي” مع مؤسسة غير دستورية والتي ليست سوى مستشار الملك، كان ذلك يوم 27 فيراير 2011 في بيت محمد معتصم.

لقد انكشفت سوءة المركزيات مع هبوب عاصفة الحراك الممثل في حركة 20 فبراير، فتساقطت أوراقها تباعا، وفوتت على الشعب المغربي فرصة تاريخية. فهذا بيان الاتحاد العام للشغالين بالمغرب UGTM يدعو – ثلاثة أيام قبل موعد الحراك الاجتماعي – لعدم الاستجابة للتظاهر مع الحركة الخارجة عن الشرعية، وهذه الكنفدرالية الديمقراطية للشغل CDT تتجاهل في بيان مجلسها الوطني بتاريخ 10 فبراير 2011 موعد الحراك، وإذا ما استثنينا موقف الاتحاد المغربي للشغلUMT – قبل الانقسام الحاصل فيه – المعبر عنه (عن الموقف) في بيان الأمانة الوطنية الصادر بتاريخ 22 فبراير 2011، لا نكاد نجد ما يطمئن على استقلالية الموقف النقابي في زحمة الأحداث.

لا يمكن أن تقوم للعمل النقابي قائمة ما لم يسع الفاعلون النقابيون –على الخصوص- لـ:

• تربية الفاعل النقابي على قيم الكرامة والعدالة الكفيلة بتحصين السلوك النقابي من الانقلاب على مصالح قواعده.

• تجديد الفكر النقابي وفك رقبته من ظلم المخزن ومن تجاوزات الحزبي.

• تجاوز العقلية التبسيطية المنتجة لصراع بين “الفرقاء الاجتماعيين”.

• الدفع بخيار الفعل النقابي الجاد القائم على التقارب والتنسيق النقابيين في أفق جبهة نقابية مقعدة المنطلقات والأهداف.

• قيادة قوية منتخبة ديمقراطيا قادرة على الصمود في وجه هجوم الرأسمال الكاسر.