مع صعوبة استقراء فصول التاريخ بتفاصيله الجزئية ذات الصلة بالموضوع، لندرة الكتابات التاريخية والأبحاث التي تصف مظاهر المتغيرات المجتمعية والمتضمنة لتجليات التطوع، نقتصر على ذكر بعض معالم التطوع التي طبعت مراحل زمنية متفاوتة والمتجذرة في عمق التاريخ.

التطوع في الحضارات القديمة

عبر مراحل التاريخ ارتبط التطوع بفعل الخير وبالأعمال الاجتماعية والتضامنية، مبادرة تلقائية من الناس واستجابة طبيعية لدوافع الخير في قلوب الناس كلما دعت ضرورة ملحة لذلك، غير أنه في أشكاله الإجرائية وفي حمولته المعنوية عرف تطورا وسموا من حضارة لأخرى ومن ديانة لأخرى انسجاما مع القيم الدينية والمعاني الروحية والثقافة الإنسانية السائدة في المجتمعات.

فمنذ أزيد من نصف مليون سنة وجد الإنسان على وجه البسيطة كما يؤكد علماء الجيولوجيا، الذين تاهت أفكارهم في شكل خلق الإنسان، الذي أوجده الله تعالى ذرية بعضها من بعض والذي أَحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ 1 ، وجود يستهدي بفطرة من الله في عالم موار يصارع فيه “الطبيعة” بداية لأجل البقاء، ولما جعل الله تعالى في النفس البشرية حاجة للسكن والتكامل والاجتماع مع الغير، هذب أشكالا اجتماعية تنسجم والفترة الزمنية للتاريخ، تطورا من مرحلة ما قبل التاريخ في عصر الجليد ثم العصر الحجري القديم ثم الحديث ثم عصر بداية استعمال المعادن، فعصر المدنية، في تقسيم عمودي للتاريخ استهدى له علماء الجيولوجيا الذين يؤكدون على أن الإنسان الأول كان يعيش في جماعة وأن ذاته تفنى داخلها) 2 .

جماعة وأسرة شكلت في حد ذاتها منظومة اجتماعية متكافلة ومتضامنة بين الفرد والآخر، لتأسس لمعاني التطوع والاحسان في أشكاله التقليدية.

واستجابة لمتغيرات حياتية طبيعية، تكونت القبيلة بعد ذلك لما تشابكت الجماعات التي توحدت على مصالح تجمع بينها، في كتل بشرية يسهر كل واحد منها على خدمة الآخر والجماعة، حماية لها من الضواري المفترسة، أو من غزو خارجي محتمل، وتعليما للآخرين لمهارات الصيد وتقنيات الدفاع عن القبيلة، في تطوع تلقائي يستجيب واحتياجات بدائية تعرفها كل مرحلة على حِدَة.

تطوع تلقائي واستجابة طبيعية منذ أول دقة قلب تفاعلت مع محيط يسكنه إنسان، اكتشف معه انحياز كيانه إلى خصال رفيعة توطد معاني الأخوة بين كافة البشر.

ومع بداية العصور التاريخية، أو ما يسمى بالتاريخ المسطور الذي اهتدى فيه الإنسان إلى الكتابة وتدوين الأفكار، نمت معه وتطورت ظروف العيش التي ألزمت الإنسان بالاستقرار والتوطين في أراض خصبة صالحة للزراعة، مما جعلته يبدع آليات تنظيمية تحكم علاقة الأفراد فيما بينهم، وبالقبيلة التي غدت تتمتع بسيادة واستقلالية، وبقيادة يحتكم إليها أفراد القبيلة في حالة النزاعات والخصومة.

في هذه المرحلة ظهر ما يسمى بالتطوع المنظم في شكله التقليدي، حيث يتفاعل كل فرد من القبيلة مع مهام تناط له حسب الكفاءة والقدرة، ويسهر القائد على ضمان الانسجام بين أعضاء القبيلة، في توزيع للأدوار والمهام. فكلما تشابكت الجماعات وتجدرت الكتل البشرية في محيطها، إلا وظهرت إلحاحية الفعل التطوعي كمقاربة حتمية تضمن للناس عيشا وللمجتمعات تكاملا ونموا.

نقش في التاريخ

استجاب الإنسان منذ القدم لدافع الحب الفطري ولمعاني الخير الأصيلة، في أشكال متعددة يتطوع لأجلها الفرد والجماعة، في مشاهد رصعها التاريخ، دليل فطرة فطر اللهُ تعالى الناسَ عليها.

فمشهد الالتفاف حول النار وتضامن الأجساد التي تصارع في تكاثف ولين قرس البرد ووهج الشتاء، موطن يغذي الروح بمعاني التضامن والتكافل وحب الخير للغير.

ومشهد الشهامة في مواجهة عدو يغزو في جلبة ديار القوم، لما يتطوع الشباب والرجال والنساء ذوذا عن حماهم في إقدام وإصرار، هو لا شك موطن تعظم فيه معاني التضحية والبذل والعطاء.

وفي مشهد التعايش الغذائي حيث تجتمع أيادِ قادرة، تفلح الأرض وتخترق حصون البراري لتواجه عالم الافتراس بوسائل بدائية، بغية أن تغدق فضل أمن غذائي على جموع غفيرة من الناس يتقاسمون فضل تطوع القلة القادرة لأجل الجموع الباقية، هو موطن ينمي ويذكي معاني الإيثار والتعاون في خدمة الآخر.

ومشاهد كثيرة رسمتها قلوب حية تطوعت في تلقائية لأجل كسب قلوب الآخرين في تفانِ يعضده شعور الانتماء للجنس ومعاني التضامن والتكافل والتآزر.

مكارم الأخلاق

ولأن النفس البشرية تحتاج دائما لمن يرسم لها معالم النضج الخلقي والروحي والسبيل الأرقى لبث معاني الإيجابية العامة فقد جاءت الرسالات السماوية لتربي الناس على مكارم الأخلاق وترسخ في النفوس البشرية معاني الخير، ولتسمو بها إلى مصاف الكمال البشري الذي تجسد في سير الأنبياء والمرسلين والصلحاء من أمة التوحيد. كانوا في سلوكهم وخصالهم وتطوعهم قدوة وأفقا سامقا ترنو له كل القلوب التواقة، التي تتشرب معاني الإيثار والبذل والتضحية بالمعايشة والتتلمذ من القدوة الذي يخط معالم الكمال البشري بسلوكه الذي يذكيه نبظ قلبه الدافق رحمة للعالمين. فأرسل الله تعالى أنبيائه الكرام، عليهم أزكى الصلاة والسلام، ليجسدوا هام الإيثار والتطوع والبذل في أسمى أشكاله وليرصعوا في تاريخ البشرية سلوكا بشريا راقيا يبقى دائما منارا وفرقدا تستضيئ به الأجيال والأمم. إلى أن بعث الله تعالى الرحمة المهداة، كامل الصفات ومتمم الرسالات حبيب الحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال عليه أزكى الصلاة والسلام: “إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق” فكان صلى الله عليه وسلم في سلوكه قرأنا يمشي، وفي كل أحواله وأفعاله مدرسة ربانية في كماله البشري.

حلف الفضول

وقد تطوع وشارك صلى الله عليه وسلم قبل بعثته في “منظمة حقوقية أو هيئة جمعوية إصلاحية” بلسان العصر، أو ما يسمى بحلف الفضول إيمانا منه عليه الصلاة والسلام بجدوى التضامن والتآزر، وضرورة التطوع في نصرة المظلوم، وإيثارا للمشاركة العامة مع الآخرين في الخير عن القعود السلبي والانتظار المقيت.

فما أن دعا داعي النصرة بمكة لرد المظالم لأهلها والوقوف إلى جانب المظلوم ونصرته حتى لبى الصادق الأمين النداء، فشارك في حلف الفضول وتعاقد مع أشراف قريش على نصرة المظلوم، مقيما كان أو زائرا. وقد أشاد صلى الله عليه وسلم بحلف الفضول مشجعا وحاثا أمة الاسلام للاستجابة لمثيله من مجامع وهيئات وجمعيات الخير التي تخدم الصالح العام وتنصر المظلوم. فقال صلى الله عليه وسلم:

“لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت”.


[1] سورة السجدة 7.\
[2] تاريخ النظم القانونية والاجتماعية – د. صوفي حسن أبو طالب.\