مدخل

من فضائل الحراك الشعبي أنه كسر المفاهيم “المقدسة” والأحكام الجاهزة، ورفع الحصانة عن أفعال كانت سبب التعاسة والاستضعاف وجعلها قابلة للنقد والتعديل، وأتاح الفرصة لبناء الأفكار كما المجتمعات وفق ما تريد الشعوب لا ما يُراد بها.

والعمل النقابي ركن أساسي في بناء المجتمعات الحديثة وواجهة مرجعية تتجلى من خلالها دولة الحقوق والحريات، هذا إن حافظ على سمو أهدافه وشرف رسالته وترفع عن خدمة النزوات الضيقة على حساب نصرة المستضعفين.

إذن فاللحظة مناسبة لتقييم الفعل النقابي في بلادنا، بعد سنوات من الجمود إن على مستوى التفكير والتنظير، أو على مستوى الممارسة الميدانية التي انحصرت في أشكال تقليدية لا تتعدى الإضراب عن العمل، الذي بات سبب سخط الرأي العام على عمل النقابات بعد أن تحول من شكل نضالي إلى شبه عطلة؛ وقد صار ذلك جليا بعد قرار الاقتطاع من أجور المضربين حيث انخفضت نسبة الإضراب بشكل مخجل. ولسنا هنا بصدد تزكية قرار الاقتطاع لكنه مثّل فرصة حقيقية لتقييم نسبة التأطير النقابي في بلادنا.

ودرءً لكل خلط بين الفعل النقابي الحالي وبين التجربة النقابية التاريخية والحريات النقابية المكتسبة لا بد من التمييز بين هذه المصطلحات والمفاهيم:

الحرية والممارسة النقابية

الحرية النقابية هي مجموع الضمانات القانونية التي تسمح بممارسة العمل النقابي، وتعد من الحريات والحقوق الأساسية للإنسان التي تكفلها المواثيق الدولية، ولكن مساحتها تختلف من بلد لآخر بحيث لا بد من العمل من أجل تطويرها وتوسيع نطاقها بشكل تراكمي من جيل لآخر من دون التراجع عن المكتسبات السابقة.

أما الفعل النقابي فهو جميع الأنشطة والممارسات التي تدخل في نطاق الحريات النقابية وترتبط بالأشخاص المعنويين كالمنظمات النقابية أو بالأشخاص الذاتيين مثل العمال والموظفين والطلبة. وقد يرقى هذا الفعل ليستنفذ جل مساحة الحريات النقابية المتاحة ويستثمرها ويطمح إلى توسيعها من أجل استيعاب حاجياته، وتلك هي الوضعية المثالية، كما قد يكون نشاطه منحصرا في جانب أو جوانب أضيق مما تتيحه الحريات النقابية وهذا لا يستطيع توسيع هوامش الحريات لأنه لم يصل إلى تلك الحدود بعد، ولم يعرفها كي يعمل لأجل تطويرها.

الخلاف ليس على تحصين المكتسبات النقابية وتطويرها ولا حول من عملوا وناضلوا من أجل تحصيلها فهذا ليس محلا للمزايدات، لأن التاريخ أوسع من أن نختزله في فترة محددة. بل ننتقد الفعل النقابي الحالي لنقف عند جوانب الضعف والخلل ونحدد المسؤوليات، لأن التاريخ يسجل الإخفاقات كما البطولات. وليس مقبولا من أي طرف أن يرفض النقد فقط لأنه جزء من الخلل، بل من المروءة الاعتراف بالفشل والاستعداد للتقويم الذاتي.

الميدان مرجعنا في تقييم الفعل النقابي لأنه محل تنفيذ البرامج والوعود وشاشة عرض الإنجازات، حيث يشكو جزء كبير من الرأي العام العمالي من خمول الفعل النقابي، ويفسر ذلك باحتوائه من لدن المخزن يسخره لضمان استمرار سياساته الاستبدادية، ويشهره ورقة تؤثث رواقه في المحافل الدولية ليحشد الدعم، وذلك مقابل مصالح مادية خاصة.

ومما يؤكد بُعد النقابات عن هموم الكادحين وانشغالها بحسابات خاصة نذكر ما يلي:

– التعاطي السلبي لأغلب النقابات مع الحراك الشعبي والاصطفاف مع المخزن لتمرير الاستفتاء.

– العمل من أجل إفشال تجربة التنسيقيات.

– العجز عن عقد المؤتمرات الوطنية والجهوية وغياب الديموقراطية الداخلية.

– تشرذم الصف النقابي على المستوى الوطني.

– تسييس العمل النقابي حيث بات في خدمة الأحزاب والإيديولوجيات.

1- النقابات والحراك الشعبي

إذا استثنينا الكونفدرالية الديموقراطية للشغل التي أعلنت مساندتها لحركة 20 فبراير ومقاطعة الاستفتاء على الدستور، فالمركزيات الأخرى وقعت في ارتباك واضح دفعها إلى اتخاذ قرارات غير مقنعة حتى لمناضليها الذين لم يلتزموا ميدانيا بها؛ كما حدث للاتحاد المغربي للشغل الذي عبر صراحة عن دعم واحتضان الحركة لكنه فاجأ الجميع بالدعوة إلى التصويت بنعم للدستور. أما المركزيات الأخرى فعاشت في حرج مستمر بسبب تبعيتها لأحزاب حسمت موقفها منذ البداية من الحراك فحاولت امتصاص غضب مناضليها تارة بتبني شعار إسقاط الفساد والاستبداد من خارج الحركة أو من خلال تأسيس حركة موازية…

وبالرغم من تلك المساندة الرمزية للحراك فإننا لم نلاحظ أي خطوة نضالية ميدانية من قبل المساندين، لذلك التجأ الجميع إلى التنسيقيات الفئوية لتحقيق مطالبهم.

2- النقابات والتنسيقيات

كما تجاوز الشباب الأحزاب التقليدية وعملوا من خلال حركة 20 فبراير لتحقيق المطالب السياسية، تكتلت الشغيلة في تنسيقيات متعددة بتعدد الفئات والمطالب في قطاعات مختلفة مثل التعليم والصحة والعدل والبريد والاتصالات… فكانت تجربة فريدة سطرت وأبدعت ملاحم نضالية تاريخية تجاوزت كل الأسقف التي شيدتها المنظمات النقابية التقليدية وانتزعت مطالب عجزت هذه الأخيرة عن تحقيقها. هذا الحرج دفع النقابات ومعها المخزن إلى العمل من أجل منع انهيار المنظمات، من خلال تأسيس لجان فئوية موازية تابعة للنقابات والامتناع عن مساندة التنسيقيات والحرص على توقيع المحاضر التي انتزعتها التنسيقيات مع النقابات وأهمها اتفاق 26 أبريل 2011.

لكن المخزي أن الحكومة وقعت الاتفاق نفسه مع ثلاث مجموعات من المركزيات النقابية التي لم تستطع أن توقع وهي مجتمعة على طاولة واحدة في لحظة واحدة ما يوضح حجم الهوة والشرخ الكبير الواقع بينها.

3- تشرذم الصف النقابي

تم توقيع اتفاق 26 أبريل ثلاث مرات، مرة مع الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، وأخرى مع الاتحاد المغربي للشغل، ثم الاتحاد الوطني للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب والفدرالية الديمقراطية للشغل. هذا رغم أن ما تم تحقيقه جاء بضغط من الحراك الشعبي والتنسيقيات الداعمة له.

من الصعب تفسير هذا التشرذم وفق أعراف العمل النقابي، إلا إذا استحضرنا تعارض المصالح الشخصية الضيقة أو التنافرات الإيديولوجية والسياسية التي لا تخدم العمل النقابي في شيء.

إن هذا الصراع غير المبرر بشكل موضوعي يولد حالة من الإحباط لدى الشغيلة ويدفعها للنفور من العمل النقابي على الأقل في إطار المنظمات النقابية الحالية.

4- الديموقراطية الداخلية

هذه المنظمات عاجزة حتى الآن عن توفير أجواء الديموقراطية وحرية التعبير على مستوى هياكلها وأنشطتها، حيث يسيطر ثلة من الأشخاص على مراكز القرار ويستبدون به لعقود في ظل تجميد عمل الهياكل وعرقلة انعقاد المؤتمرات الوطنية للحفاظ على نفس القيادة. فإن انعقدت بعد توافق ما، تنتهي بانشقاق المستبعدين.

فكيف نرجو من الرأي العام احترام هذه المنظمات التي تنادي بالديموقراطية وإسقاط الفساد والاستبداد وهي تفتقد لأبسط هذه القيم أثناء ممارستها وداخل هياكلها، خصوصا بعد أن تبين أن أغلب ناهبي المال العام لهم امتداد سياسي ونقابي يحميهم من المتابعة والمحاسبة ويترافع للدفاع عنهم دون خجل.

5- النقابة في خدمة الحزب

أدى إسقاط الصراعات السياسية داخل النقابات إلى استبعاد الممارسة الموضوعية المتزنة القاصدة، وحول النقابات إلى ملحقات للأحزاب يرتبط نشاطها أساسا بأهداف الحزب وبرنامجه وليس بمطالب الشغيلة، وهذا ما نقل العزوف السياسي بحجمه وبكل تفاصيله إلى ساحة العمل النقابي. وقد صارت بعض النقابات معروفة باسم الأحزاب التي تعمل من خلالها. هذا الواقع خلف حاجزا يصد أبواب العمل النقابي في وجه من يختلفون مع الخط السياسي لهذه الأحزاب.

خلاصة

لقد حافظت المنظمات النقابية على الأشكال والهياكل وأهملت المضامين والمقاصد، فابتعدت بذلك عن هموم الشغيلة وخف وزنها في المشهد المجتمعي، وصارت رقما لصالح المخزن الذي عرف كيف يخترقها ويحتويها ليستعملها من أجل ضبط الشارع وتدجينه واستعباده بدل أن تؤطره وتقوده نحو الحرية والكرامة.

ما العمل؟

ونحن على أبواب العيد العمالي، صار لزاما على كل مناضل صادق شريف غيور على بلده، أن يقف ويتأمل ويفكر لحظة صدق من أجل تحيين العمل النقابي في بلادنا، ليصير متوافقا مع أجواء الحراك الشعبي التي تعطرها نسائم التغيير، بعيدا عن الاستقطابات السياسية والإيديولوجية الجوفاء. من أجل أن يعود الفعل النقابي الراشد، حامل هموم المستضعفين اليائسين، الذي يحمي لقمة عيشهم من جشع الاستكبار، ويحفظ لهم شروط العيش الكريم، ويحررهم من قيود الاستبداد.

ومن مقتضيات ذلك التجرد من أثقال الحسابات السياسية والإيديولوجية والتفكير بشكل موضوعي مع نكران الذات في حوار بناء يجمع جل الفاعلين الحقيقيين في العمل النقابي بهدف لم الشمل وتقريب الرؤى وتوحيد الجهود في أفق تأسيس جبهة نقابية موحدة وقوية تعيد الاعتبار لهذا العمل النبيل.

فإن استطاعت المنظمات النقابية الحالية أن تمد جسور الحوار فيما بينها وتتقبل النقد البناء وترفع حصانتها على الفساد فتلك أفضل السبل، وسيكون ذلك ثورة تاريخية رغم ما فيها من تعقيد.