دفـوعات شكلية

“دفوعات شكلية” آلية قضائية تبحث في توفر أسباب القضية لتكون مقبولة وتعتبر قضية يمكن للمحكمة أن تنظر فيها، وإلا حُفظت وطوي الملف وانتهى الموضوع. وفي النازلة موضوع المقال، نحاول أن نبحث في دوافع فتوى حكم المرتد عن الإسلام ومبرراتها وانسجامها مع التوجه العام للدولة سياسيا ودينيا وكذا في توقيتها.

ففيما يتعلق بدوافع إصدار هذه الفتوى، قيل: إنها جاءت استجابة لهيئة حقوقية معينة قصد تكييف ومقارنة أحكام الشرع مع المواثيق الدولية، ومعنى هذا أن المجلس العلمي الأعلى يواكب المستجدات ويتفاعل مع القضايا الملحة، والحال أن هناك قضايا بدأت تتقادم وتتصف بالإلحاحية لم يقدم لأصحابها ـ وما أكثرهم!ـ جوابا وأشهرها حكم قرض السكن الذي وعد المجلس العلمي الأعلى بالنظر فيه بعد الضجة التي أحدثتها فتوى الدكتور يوسف القرَضاوي في الموضوع، والتي اعتبرها المجلس العلمي الأعلى تدخلا غير مقبول في مياهه الإقليمية.

أما في شأن انسجام الفتوى مع التوجه العام للدولة، فأقل ما يقال، إنها نشاز وانحراف كبيران عن الخطاب السياسي المبشر بالحريات المصادق للمواثيق والخطاب الديني الرافض للتشدد والغلو المؤكد على الوسطية والاعتدال والتسامح.

وإذا كان عنصر الزمان كالمكان معتبرا في الفتوى، فإن توقيت فتوى حكم المرتد لا تخلو من دلالة، وإلا ما سر اختيار هذا التوقيت؟ ألم يُثَـرْ موضوع حملات التبشير والتنصير قبل سنوات؟ لماذا لم ينخرط المجلس العلمي الأعلى وقتها في النقاش ويُدل بدلوه في الواقعة؟ ألا يكون الغرض هو التشويش على حكم الإسلاميين وشغلهم بقضايا وهمية وتقديمهم خصوما للحريات الفردية؟

لهذه الأسباب نقول: إن فتوى حكم المرتد جاءت خارج السياق، وبالتالي لا تعبر عن حاجة مجتمعية لا عاجلة ولا آجلة، وبالتالي يجب التعامل معها بكثير من التحفظ.

لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله

يقول الشاعر واعظا: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ** عار عليك إن فعلت عظيـم). فقبل سنوات، اقام المجلس العلمي الأعلى قيامة على رأي فقهي في موضوع جواز زواج بنت تسع سنوات للدكتور عبد الرحمن المغراوي وأصدر في حقه بيانا أوشك على تفسيقه ونزع صفة العالِمية عنه، وهو ما شكل مظلة لشن حرب مسعورة ضده، وأنشئت للتصدي لخطابه جمعيات “كوكوتية” تباشر عملها قبل انعقاد جموعها التأسيسية، وسجلت ضد “المسكين” دعاوى قضايا تتهمه بالسعي لزعزعة التماسك المجتمعي وهضم حقوق الأطفال؛ وأمام هذا الاستهداف والقصف المركز، فَـرّ الفقيه بجلده ـ وليس بدينه ـ إلى الحجاز في انتظار أن تهدأ العاصفة، بل اغتنم هبوب رياح الربيع العربي ليعود معززا مكرما بعد أن اختار المنافحة على الاستبداد وتسفيه الحراك الشعبي. سبحان الله مغير الأحوال، كيف تقمص المجلس العلمي الأعلى دورا مجّه بالأمس القريب واستقبحه!؟ وكيف نقض غزله و”ارتد” على توجهه العام!؟ فأين الوسطية والاعتدال والتسامح …؟

“أتؤمنون ببعض الكتاب…؟”

إذا كان حكم المرتد موقفا شرعيا معضودا مسنودا بالنصوص التي لا تقبل اجتهادا، عملا بقاعدة: لا اجتهاد مع النص، فما السر في اختيار هذا الحد الشرعي دون غيره؟ أليس حكم الزنا واضحا؟ أليس حد السرقة صريحا؟ أليست الخمر إنتاجا وتوزيعا واتجارا قبل استهلاكا محرمة شرعا؟ لماذا يعاقب شارب الخمر ولا يتابع المزارع المصنع المنتج الموزع؟ لماذا يسكت المجلس العلمي الأعلى على هكذا موبقات تنخر المجتمع وتهدد استقراره وتماسكه؟ لماذا يغض المجلس العلمي الأعلى الطرف عن أم القضايا: الفساد الأكبر ونهب المال العام والتكالب على مصالح العباد والبلاد؟ كيف يقبل أو يُسَلم المجلس العلمي الأعلى أن يحاكم السارق والزاني والسكير وناهب المال العام بأحكام وضعية ويطالب بحكم الشرع في المرتد عن دينه؟ أي منطق انتقائي هذا، أم تراه توظيف لحدود الله ودينه عموما تحقيقا لحاجات في نفس نظام يغدق على المجلس العلمي الأعلى الأعطيات السخية من بيت/خزينة مال الشعب؟

الفقه العُمَريُّ

على الرغم من أن حد السرقة واضح بيِّن لا يحتاج تأويلا، إلا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطّل حد السرقة خلال سنوات المجاعة والقحط التي ضربت البلاد، فأمر الوُلاة ألا يقطعوا يد السارق الجائع أو العاطل عن العمل، وعيا منه رضي الله عنه أن الحقوق قبل الحدود.

وفي نفس السياق، ميز الشرع في عقوبة زنا المرأة المتزوجة/المُحصنة تربية وتأهيلا وبين المرأة غير المحصنة/ الأمَة التي يفترض أنها لم تنل حظها من التربية والتأهيل، فاعتبر ذلك سببا لتخفيف العقوبة إلى النصف مقارنة بالمُحْصنة. يقول تعالى: … فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة النساء: 25).

وفي النازلة موضوع المقال، قبل الحكم على المرتد ـ دون الدخول في تفاصيل الردة مفهوما وقرائن إثباتية وآليات تطبيق ـ هل قامت الدولة تعليما وإعلاما ومجتمعا مدنيا وأسرة ومجالس علمية بواجبها في إعداد هذا الانسان للحيلولة دون ردته والعمل على تحصينه وحمايته من “تسونامي” التغريب والتفسيق الذي ترعاه الدولة وتبذر للتمكين له أموال الشعب: مهرجان موازين نموذجا؟ هل وفرت الدولة وضمنت للأجيال تعليما نافعا وإعلاما رساليا وثقافة هادفة بانية؟ وقبل ذلك ومعه، هل وفرت الدولة للأسر أسباب الحياة الكريمة: شغل، سكن، تطبيب، … لكي لا “يكفر” أبناؤها أو يغرر بهم فيقعون في شباك التنصير باسم مساعدات إنسانية أشبعت جوعاهم وأسعفت مرضاهم وأهلت عاطليهم على الكسب؟

الفتنة نائمة

من خلال ما سبق، يتضح أن فتوى حكم المرتد التي “تفضل” بها المجلس العلمي الأعلى غير بريئة توقيتا وغاية، فإذا كان تنفيذ حكم الإعدام موقوف التنفيذ منذ حوالي العقدين من الزمان والدولة تتجه لإلغائه تناغما مع المواثيق الدولية، ما الفائدة من هذه الفتوى إذن إذا كانت غير قابلة للتطبيق؟ ألا يفهم من موقف المجلس العلمي الأعلى بما يتميز به من محورية في منظومة أجهزة الدولة أنه تعبير عن رغبة لإشعال فتنة قِيَّمية هُوِيّاتية في المجتمع يتصارع فيها فريقان معتبران في النسيج المجتمعي: إسلاميون/أصوليون وليبراليون/حداثيون؛ صراع يتناحر فيه الفريقان بما وراءهما من جمهور، فيهدران الجهود والوقت ويعمقان الشرخ القائم أصلا، عوض أن يتكتلا في جبهة ممانعة ضد الفساد والاستبداد التي يتقن اللعب على الحبل، فيضرب اليساري باليميني، والأصولي بالحداثي ليخلو له الجو مستمتعا بمواجهة السذج “الأغبياء”؟ ألا تمثل فتوى المجلس العلمي الأعلى تربة خصبة للتشدد من الطرفين وفي صفوف الفريقين؟ ألا يكون المجلس العلمي الأعلى بهذه الفتوى صب الزيت على نار الفتنة النائمة وعبّد الطريق لتتوجه البلاد نحو “المَصْرنة والتَّوْنَسة” بشكل استباقي يعرف النظام بدهائه وخبرته كيف يوظفها لتقديم نفسه صمام الأمان وعنوان الاستقرار؟

إن السلم الاجتماعي خط أحمر لا يحق لأي طرف كان أن يعبث به أو أن يوظفه تحقيقا لمآرب سياسية معينة، إلا يفعلْ يتحمّلْ تبعات تهوره ورعونته. والله تعالى نسأل أن يجنب البلاد شر الفتن والقلاقل ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله جل وعلا أن يقيض للشدائد عقلاء حكماء راشدون يتعالون على الحسابات الضيقة ويستحضرون المصالح العليا للعباد والبلاد وينأون بأنفسهم أن يكونوا حطب نار فتنة تمكينا للفساد وتأبيدا للاستبداد. آمين والحمد لله رب العالمين.