مدخل

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن العمل النقابي المشترك، وتعالت الدعوات لصالح الوحدة والتنسيق النضالي وتشكيل جبهة – أو بالأحرى جبهات – نقابية لمواجهة الوضع السياسي المتردي.

فما حقيقة هذه الدعوات؟ وما مبرراتها وخلفياتها؟ أهي يقظة بعد طول سبات؟ أم أن شروطا ما قد أنضجت هذه المبادرة؟ ثم عن أية جبهة يتحدثون؟ وبأي مفهوم؟ أهي تلك التي دعا ويدعو لها القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان منذ عقد من الزمان؟

أصل الداء

معرفة الداء جزء من العلاج، ومعرفة أصل الداء كل الدواء، ولمعرفة هذا الداء لابد أن نستقرئ تاريخ المغرب الحديث ونبحث في مخططات تقسيم وبلقنة المشهد النقابي المتكررة؛ كيف ساهم المخزن السياسي / الاقتصادي في هذه المخططات؟ كيف غدت الآلة الإيديولوجية: الثورية / الصراعية أو الانتهازية / البيروقراطية هذه المخططات؟

منذ فجر الاستقلال فهم المخزن أن المقاربة القمعية لوحدها لا تكفي لإسكات الأصوات الحرة، فعمد إلى أساليب جديدة / قديمة لإحكام الطوق وفرض هيمنته على كل ما هو سياسي أو نقابي عبر تدجين المشهد وتمييعه، فكما تم تشتيت الفاعل السياسي وإذهاب ريحه التحررية جاء الدور على التنظيمات النقابية، فالتقت الإرادة المخزنية بإرادة القوى الانتهازية في إخضاع الطبقة العاملة لنفوذها ولمخططاتها السياسوية الانتخابوية، وبدأ تفريخ عشرات النقابات الذيلية أو الواجهات والملحقات الحزبية، سمها ما شئت…

تأسس الاتحاد العام للشغالين بالمغرب في بداية الستينات كواجهة نقابية لحزب الاستقلال معلنا بذلك انفصال الحزب عن الاتحاد المغربي للشغل، بحجة تسييس النقابة وفرض إيديولوجية يسارية داخلها؛ بعدها سيُطلق العنان لتأسيس نقابات صفراء بإيعاز مخزني بعد تكوين أحزابها الإدارية، مما كرس ومنذ ذلك الحين الاعتقاد بتبعية العمل النقابي للأحزاب السياسية.

في سنة 1978 تأسست الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ليبرر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية آنذاك انفصال مناضليه المتحزبين عن الاتحاد المغربي للشغل بكون نقابة المحجوب بن الصديق أضحت نقابة خبزية لا تهتم بالسياسة وبكون مرض البيروقراطية قد نخر هياكلها فلم تعد هناك ديمقراطية داخل صفوفها؛ لم يمر وقت طويل ليأتي الدور على الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، حيث احتدم الصراع بين الجناح النقابي الذي كان يمثله نوبير الأموي والجناح الحزبي الذي كان يمثله عبد الرحمان شناف والطيب منشد، ونظرا لتناقض المصالح بين الجناحين خاصة بعد دخول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى حكومة التناوب التوافقي، فكانت النتيجة تمزيق المنظمة وتأسيس الفدرالية الديمقراطية للشغل في أبريل 2003 إمعانا في تمزيق الوحدة النقابية ذات الصبغة اليسارية التقدمية أو ما تبقى منها على الأقل؛ ثم سيتكرر المشهد ذاته مع تأسيس المنظمة الديمقراطية للشغل وبنفس التعليلات: غياب الديمقراطية الداخلية…

الجبهة النقابية المنشودة

التقسيم النقابي على أساس فئوي مفهوم وقد يكون مقبولا، لكن ما لا يستساغ هو أن يتم تقسيم العمال على أساس عمودي (أي نقابات متعددة داخل قطاع عمالي واحد)، فكون النقابة جهازا للدفاع عن المصالح المادية والمعنوية المشتركة للعمال يحتم أن يظل الفعل المطلبي موحدا لضمان القوة والفاعلية التدافعية، وأن يكون رمزا للمنافحة عن الحق ونصرة المظلوم؛ لذلك كان من الواجب على الفاعلين في الحقل النقابي أن يغلبوا المصلحة العمالية لإفشال مخططات التقسيم البئيسة القائمة على سياسة فرق تسُد أو استخدام العمال لا خدمتهم.

جميل جدا أن تتعالى الدعوات من داخل المركزيات النقابية لصالح الوحدة النقابية بغض النظر عن الدوافع والمبررات، لكن الأجمل أن تترجم الأقوال لأفعال ونرى هذه الشعارات المرفوعة واقعا ملموسا، والأهم من ذلك كله أن يحصل اقتناع حقيقي في القواعد كما في مستوى القرار النقابي بهذه الوحدة النقابية لدى كل الفاعلين النقابيين.

الجبهة النقابية لا تستقيم بأن يدعي كل فاعل وصلا بليلى – الشرعية التاريخية – وبما عنده من قواعد ثم لا يرى العمل الجبهوي سوى في إدماج الآخرين داخل عباءته، كما لا يمكن فهم النية الوحدوية عندما يخطو فاعل ما خطوة منعزلة ويطلب من الآخرين الالتحاق به.

المسار الصحيح نحو الجبهة النقابية، في تقدير القطاع النقابي، أن تتوحد الجهود على أرضية محددة بتصور ورؤية واضحتين، وأن تعمل كل الأطراف على توفير شروط العمل النضالي المشترك في أفق تحقيق الجبهة التاريخية الموحدة، ولتحقيق ذلك نرى من اللازم أن:

• يستشعر الجميع خصوصية المرحلة ودقتها ويقتنع طواعية بضرورة هذه الوحدة المنشودة؛

• تعتمد الحركة النقابية سياسة نكران الذات، والتخلي عن المصلحة الذاتية، وفي هذا الإطار يجب أن تنأى كل مركزية نقابية بنفسها عن مقاربة الريع النقابي، وأن تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة التي تنظر للنقابة كملحقة دورها في تصريف أجندة الحزب، وليتذكر الجميع أن النقابة ما جعلت إلا لخدمة العمال وليس استخدامهم.

• تقاوم النقابات الاختراق المخزني الاستبدادي للمجال النقابي بما هو العامل الأساس في واقع التشردم والتمزق النقابي.

• تقطع النقابات مع فلسفة الصراع الإيديولوجي وتخوين المخالفين.

• تفتح الحركة النقابية نقاشا عميقا حول المسألة الاجتماعية، يشارك فيه الجميع بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيقة من أجل تقريب الرؤى وتقليص الفجوة وإذابة الحواجز النفسية وتصحيح المواقف المعادية تحت شعار الحرية والعمل المشترك صمام الأمان).

ويظل العمل الوحدوي المشترك بديلا واقعيا للخروج من عقم العمل النقابي المشتت، في أفق تأسيس جبهة نقابية موحدة كخيار استراتيجي كفيل بتوحيد الجهود وإرجاع الثقة للعمل النقابي وبناء حركة اجتماعية قوية وفعالة في مواجهة كل التحديات.