استهلال

استهلالا للمقالة يبدو أن الضرورة المنهجية تفرض التعريف بعناصر العنوان لضمان التواصل الفعال مع القارئ الكريم، في هذا السياق يمكن أن ننطلق في محاولة تحديد مفهوم “التنمية”، المفهوم الذي استرعى اهتمام العديد من الباحثين منذ أمد بعيد من مختلف المرجعيات المعرفية، إذ تجده في حقل الاقتصاد يقصد به الرفع من المستوى الاقتصادي للمجتمعات، في حين تجده في خانة العلوم الاجتماعية يقصد به مدى محورية الإنسان في السيرورة التي تعرفها المجتمعات.

لهذا نجد مفهوم التنمية يعرف تغيرا ملحوظا حسب المستجدات التي يعرفها العالم، لأنه في الحقيقة ما هو إلا نتاج تفاعلات مجتمعية، فإذا كان في بداياته يختزل في بعده المادي المحض بفعل هيمنة الرؤية الرأسمالية، فإن تطور تفكير الإنسان وتوالي المستجدات، جعلت من التنمية مدخلا أساسيا لإدراك حقيقة الإنسان وكرامته في ظل التطورات التي باتت تحاول أن تجعل من الإنسان مجرد شيء ككل الأشياء.

خلاصة لما سبق يمكن أن نقول إن التنمية هي ديناميكا اجتماعية واقتصادية يعرفها مجتمع معين، يضطلع فيها الإنسان بمهمة محورية من أجل تحقيق غاياته القيمية والاجتماعية، والتي تنصب أساسا في نطاق الدفع قدما بعجلة التغيير.

فإذا كانت التنمية التي نتحدث عنها هي حقيقةً مدخل أساسي -بما يحمله المفهوم من معاني- لتحقيق طفرة نوعية تنقذ الفقير المسكين من عنجهية المسرفين، وتبعده من لا اكتراث المسؤولين، وجبروت المستبدين، وتمنح للمواطن حق التعبير وإبداء الرأي، وتوفر لطالب العلم ظروف طلبه للعلم والمعرفة، وتمنح للآخر والمعارض حرية التعبير وقوتها، فهل الأمر كذلك على مستوى الواقع؟ أم إنه شتان ما بين الخطاب والواقع، وهل ثمة علاقة بين هذا وذاك؟

خطاب التنمية

هل كل ما يقال بالألسن يطبق على مستوى الواقع؟ هل كل تفوه به المسؤولون والجهات المعنية نجد له صدى على مستوى الفعل؟ إنها أسئلة وأخرى نستفهم بها هذا الموضوع، ونطرح أمامه علامات التعجب والاستغراب، إذ هل الحقيقة تكمن في الخطابات أم في الواقع المرير؟ عن أي تنمية يتحدث هؤلاء، وجبين المسكين ينزف عرقا؟ عن أي تنمية محلية يزخرفون به كلامهم وعين القروي تذرف دمعا؟ وأي تنمية مستدامة ينشدون بلوغها وثروات البلاد تنهب في واضحة النهار؟ وعن أي تنمية بشرية يتبجحون، والجور والظلم وهلم جرا من مظاهر الفساد تنخر البلاد؟ وأي تنمية سياسية ينتظرون، والإرادة الحقيقة للتغيير ما زالت بعيدة المنال؟

لا يمكن أن نتحدث عن تنمية حقيقية، فليس هناك سوى خطابات رنانة تطرب آذان الشعب المفقر لتذهب عنه آلامه ساعته تلك، لكنها سرعان ما تعود بنَفَس مُحرق ومرير يتضاعف أكثر فأكثر من سابقه، فحقيقة الواقع التنموي في البلدان التي تستبد فيها الأنظمة، من سماتها التي تتسم بها هو سيادة الخطاب على الفعل، فيكاد الأول يستبد بنسبة كبيرة ويبقى الواقع في عالم غير الذي يتحدث عنه.

إنها أزمة الإرادة الحقيقية، فالنهوض بتنمية حقيقة يعني ما يلي:

– تقويض بناء الاستبداد والكساد.

– محاسبة المسؤولين.

– الديمقراطية الحقيقية المبنية على إرادة شعبية.

– التمثيلية الحقيقية لجميع شرائح المجتمع.

– الحرية، الكرامة، الحقوق…

فطبيعي جدا أن نستشف جميعا ونحن نعاين هذا الصدع القائم بين الخطاب والواقع، بأن التنمية بما هي تغيير حقيقي ليست في صالح الطغمة المستبدة التي تكتفي فقط بتعكير الصفو بشرارة الخطابات السياسية التي لا تتعدى عتبة الأوراق والصفحات التي كتبت فيها. رامية من ذلك إطالة أمد الفساد والاستمرار في نهج التدجين وامتهان الكرامة، وذر الرماد في العيون، وشراء الذمم وتكميم الأفواه، والحقيقة راقدة في نعش الزمان حتى يأتي من يوقظها من جمودها وسكونها القاتل.

التنمية بلغة الأرقام

إن كان الخطاب شيء والواقع شيء آخر، فهيا بنا نكتشف جميعا فظاعة الأزمة التي يعيشها الواقع التنموي ببلادنا، وعمق الكارثة التي خلفتها السياسات المنخورة جوهرها، فها هو التقرير الأخير الذي أصدرته الأمم المتحدة يصنف المغرب في المراتب الأخيرة وتحديدا في الرتبة 130 بين 186 دولة، ويدرجه بذلك ضمن الدول المتوسطة على مستوى التنمية البشرية، علما بأن أعلاها تدعى بالدول الجيدة وأخرى جيدة جدا، لتلقي إذن هذه الصراحة الدولية بكل ما يزمر له في الواقع المغربي ويطبل له في برك الأكاذيب والأوهام التي يسدل عنها الستار بمجرد أن تصطدم بمجريات الواقع التنموي المرير.

أما بخصوص الوضع الحقوقي فتلك كارثة أعظم، فيكفينا تقرير خوان مانديز عند زيارته الأخيرة للمغرب، والتي ضمها جل تفاصيل الجور والتعذيب الممارس على المواطنين العزل وهو يقول بهذا الصدد: لا زالت الممارسات الوحشية موجودة في القضايا الجنائية وقضايا الحق العام وفي حالات أخرى، مثل القضايا ذات الطبيعة السياسية، أو الإرهاب، أو المظاهرات)، ويضيف أن هناك لجوء متزايدا للتعذيب ولسوء المعاملة أثناء إلقاء القبض وخلال الاعتقال، ويشمل التعذيب، كافة أشكال الضرب وبشتى الوسائل كما يشمل التعليق لفترات طويلة والضرب والفلقة والصفع باليد على الوجه وبالخصوص على الأذنين، كما يشمل الركل والتعريض لدرجات حرارة مفرطة أو برودة مفرطة، والاعتداء الجنسي أو التهديد بالاعتداء الجنسي والعبث بالمناطق الحساسة). (عن موقع الجماعة. نت).

فيكفينا إذن أن نرصد هذا المُعطَى فقط، لنكشف عن زيف الادعاءات ونعري الحقيقة الممزوجة بروح الكذب والبهتان، ونجلي مغرب المفارقات والتناقضات لمن لم يستوعب بعد، فالزمن هو زمن الوعي العميق والتجند لتغيير عميق، بإرادة قوية وسلاح قويم، منهله المعين الفياض الذي لا ينضب ولا يجف حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

فشتان إذن ما بين ما يلاك بالألسن من كلام ونظريات وما بين الواقع الذي يعج بالحقائق المرة والأزمات الناعمة…