بين يدي الوصية

ينبغي للمومنين أن يتدبروا معاني هذه الوصية الغالية وأن يبادروا إلى تنفيذها، فإذا كان من البر أن ينفذ الابن وصية أبويه بعد وفاتهما فمن أبر البر أن تنفذ وصية الأب الروحي لأن فيها الحياة لمن بعده. وصية مرشدنا ربانية لما فيها من وصايا ربنا المبثوثة في آيات الكتاب العزيز الحكيم، ومن وصايا الأنبياء والمرسلين لأقوامهم ووصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لنا. وصية شاملة تذكر العبد بربه ومصيره بعد موته وتذكره بما ينتظره من عقبات لا بد له من أن يقتحمها ليفوز برضوان الله ورحمته. وصية تجسد معنى التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

1. غاية الوصية

حدد الإمام المرشد رحمه الله غاية الوصية ومقصدها في أمرين:

– الأول: رجاؤه ممن قرأ وصيته الدعاء له بالرحمة والعفو والغفران، فنسأل الله أن يشمله بواسع رحمته ويرفع مقامه عنده وأن يلحقه أجر الأعمال الصالحة التي تركها من بعده.

– الثاني: التذكير بخلاصة ما يدعو إليه في حياته ليتذكر متذكر المعالم الكبرى لدعوة العدل والإحسان فهي وصية ذكرى للمومنين.

2. التأصيل للوصية

تأصيل الإمام المرشد للوصية من باب تأصيله لأعماله كلها التي يستند فيها إلى سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن ثم يبرز الاتباع الكامل لرسوله صلى الله عليه وسلم. أخرج الأئمة البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده”. معناه لا يحق لأي مسلم أن تمر عليه ليلتان عنده ما يوصي به دون أن يوصي بوصية لخلفه من بعده.

3. المخاطبون بالوصية

الوصية موجهة لكل من يعقل ويسمع أي لكل مومن ومومنة يعيان ويفهمان المراد من الوصية ويطبقانها وينقلانها للأجيال اللاحقة إلى يوم الدين.

4. الافتتاح بأصول عقيدة أهل السنة والجماعة

افتتح الإمام المرشد وصيته بعقيدة التوحيد الخالصة مشهدا الأشهاد إلى يوم القيامة، ومعلنا توحيد الله تعالى، ومثنيا بالشهادة لرسوله بالرسالة والتبليغ، ثم ذكر أصول الإيمان الأخرى من الشهادة بأن الملائكة خلق الله المطهرون والشهادة بأن الرسل عليهم السلام مبلغين عن الله والشهادة بأن القدر حق والبعث وما يتعلق به حق لا ريب فيه. وفي ثنايا شهادته ذكر فضل الصحابة الكرام الذين حفظوا لنا الدين وبالشفاعة الكبرى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبشفاعة الشافعين وبرحمة الله الواسعة.

5. الوصية بالوالدين

تأتي وصية الإمام المرشد بالوالدين بعد توحيد الله تعالى وإعلان أصول الاعتقاد الصحيح الذي عليه علماء الأمة وصلحاؤها، وهذا ما يتوافق مع ما جاء في كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا (سورة الاسراء) وفي سورة لقمان: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الانسان بوالديه. وخصص الأم بمزيد من التكريم والبر وخاصة عند الكبر والضعف.

6. الوصية بوصية الله للأنبياء

في سورة الشورى وصى الله الأنبياء بإقامة الدين والاجتماع على الدين. ومن الدين الشورى في الحكم والشورى في الأمر الخاص والعام. وعلى أمة الاسلام أن تأتمر بكل الوصايا التي يوصي بها الأنبياء أقوامهم باعتبارنا الأمة الوارثة الشاهدة على الناس.

7. وصايا سورة الانعام

في هذه السورة تسع وصايا وصى الله بها المومنين، الوصايا الأربع الأولى:

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. (سورة الانعام 151).

– عدم الشرك بالله. فلا نعبد أصنام الحس والخيال. والإحسان إلى الوالدين.

– لا نقتل أولادنا من إملاق. ومن القتل ترك الأولاد عرضة للفساد والتضليل.

– لا نقرب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، أي الحذر من طاغوت التهجين الثقافي والتدمير الاخلاقي.

– لا نقتل النفس التي حرم الله الا بالحق، ومن أشد القتل إقناع الإنسان بأنه حيوان لا معنى لوجوده إلا العبث واللهو.

ومن الوصايا الأربع التي وصى بها الله كذلك:

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة الانعام 152).

– لا نقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.

– نوفي الكيل والميزان بالقسط.

– أن نعدل ولا نحابي في الحق أحدا.

– أن نفي بعهد الله.

هذه الوصايا يجب أن يطبقها الفرد في تدينه الخاص وأن تطبق في العمل الجماعي السياسي (الفهم الخاص المقيد بضوابط العمل في دولة الإسلام والفهم المطلق العام في حياة كل فرد في المجتمع) .

ويوصي أيضا بالوصية الأخيرة في هذه الآيات:

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. (سورة الانعام 153).

وسماها “الوصية الأم”، وهي اتباع الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الارض. وفي الآية تحذير من اتباع السبل التي تبعدنا عن الحق وعن الجادة وتفرقنا وتتفرق بنا عن سبيله.

8. وصية أبينا إبراهيم لبنيه عليه السلام

وصى الإمام المرشد رحمه الله بما وصى به أبونا إبراهيم عليه السلام بنيه وهي الاستقامة على دين الله وأن لا يموتوا إلا وهم مسلمون. وبمثل هذه الوصية وصى سيدنا يعقوب عليه السلام أبناءه. وهذه هي الحنفية السمحة التي جددها وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

9. وصية سينا محمد صلى الله عليه وسلم

وصى بما وصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أمته من بعده؛ حيث وصى ألا نرجع بعده كفارا يضرب بعضنا رقاب بعض، وأن نحذر المسيح الدجال، وأن نمسك عن دماء المسلمين وأموالهم إذ هي علينا حرام، وأن نصون أعراض المسلمين.

وأوصى بما وصى به رسول الله وهو على فراش الموت، وهو الصلاة الصلاة وبملك اليمين. والقصد بملك اليمين اليوم بعد أن كان في الماضي نظاما لاسترقاق الناس واستعبادهم هو امتلاك القوة أي قوة الصناعة وقوة التفكير وإيجاد البديل وقوة السلاح… هي قوة ترهب الأعداء، تكون القوة بجانب الدعوة تدافع عنها. وبامتلاكنا للقوة يكون لنا موطئ قدم ومعنى في الوجود. وأوصى بالنساء خيرا خاصة الأزواج والبنات.

10. الوصية بالصلاة

وصى الإمام المجدد بالصلاة بإقامتها في المسجد والجماعة مع التحري الجميل في الطهارة اتباعا كاملا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومذكرا بقيمة الصلاة في الاسلام باعتبارها عمود الدين وفسطاطه ووصية سيدنا إبراهيم ودعوته الخالدة لنفسه وذريته من بعده.

11. الاستماع والتحفز لسماع داعي الله

ينبغي للمسلم إذا سمع نداء الحق سبحانه بصيغة يا أيها الذين آمنوا أن يصغي له سمعه كما بين ذلك حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فإنما هو أمر يؤمر به أو نهي ينهى عنه. وينبغي للمسلم أن يتحفز لهذا النداء فيصيخ السمع ويحضر وجدانه للسمع والطاعة والامتثال للأمر العلي سبحانه وتعالى.

12. الغاية طلب وجه الله

على المسلم أن يكون مطلبه الأسمى هو العمل لنيل رضى الله تعالى وطلب ما عنده، فطلب الجنة والثواب والرحمة والمغفرة أمر مطلوب شرعا لكن طلب وجه الله هو مطلب ذوي الهمم العالية والقلوب المتطلعة لما عند الله تعالى من فضل كبير وما عند الله خير وأبقى.

13. إقامة العدل وبلوغ مراتب الإحسان

إن كلمتي العدل والإحسان مقترنتين في كتاب الله الكريم ولا ينبغي للمسلم أن ينشغل بالتأسيس لدولة العدل ويتناسى أو يغفل عن الجهاد لبلوغ مراتب الإحسان، فلا ينشغل بهم الأمة عن هم آخرته ومعاده. ولأجل أن لا نغفل عن هذا المقصد لا بد من صحبة تأخذ بالوارد وتسلك به في مسالك الترقي لبلوغ مدارج الإحسان.

14. شروط التربية

إن التربية هي الأساس في جماعة العدل والإحسان، ولهذا فقد ذكر بها الإمام المجدد رحمه الله تعالى، وبدأ بالصحبة والجماعة كشرط أول وأساسي، ومن الشروط الأخرى الذكر في الملاء والخلاء وكذلك الصدق مع الصادقين صبرا ومصابرة وحملا وتحملا. ووصى باقتحام العقبة وإلا فإن السهول الواطئة مرتع لغيرنا.

15. باقي الخصال العشر

ثم ذكر الإمام المجدد رحمه الله بباقي الخصال العشر كما هي مفصلة في كتاباته وهي: العلم والعمل والبذل والتؤدة والسمت الحسن والاقتصاد والجهاد.

أوصى بالبذل والحرص الدقيق على أداء الزكاة، واعتبره نظاما لسد ثغرات الفاقة والحاجة في دولة العدل.

أوصى بطلب العلم، العلم الضامن سَعادَة آخرةِ كل فرد فرد، والعلوم الكونية الضامنة قوة الأمة.

أوصى بالعمل الصالح، كل عمل صالح يؤديه المومن والمومنة في عبادتهما وكل ما يقربهما إلى الله زلفى من الفرض والنفل، وتوجها بالجُهد العامل البعيد النظر الصابر على مشاق الطريق لجمع شتات الأمة وبناء الخلافة على منهاج النبوة.

أوصى بسمت الإسلام، السمت الجميل في خُلق المومن والمومنة ومظهرهما ومخبرهما، التميز عن الناس الغافلين.

وأوصى بالتؤدة رائدا حكيما، وبالاقتصاد توجها سليما، وبالجهاد في سبيل الله جهاد القوي الذي لا يعنُف، الرفيق الذي لا يضعُف.

16. الصبر

بعد أن وصى الإمام المجدد بالحق والخير العميم يوصي بالصبر أي الصبر على مشاق الطريق مختتما وصيته بتعبير المولى عبد القادر الجيلاني قدس الله سره وتحت ميزاب القدر نتوسد الصبر. ليجسد بذلك قول الله تعالى في محكم ذكره وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

17. دعاء الرابطة

ختم الإمام المرشد رحمه الله تعالى الوصية بذكر فضل وأهمية دعاء الرابطة الذي ما فتئ يوصي به في حياته لما فيه من خير عميم وفضل كبير فيقول بعد أن ذكر بفضل الثلث الأخير وما تتنزل فيه من البركات والرحمات: فإلى دعاء الرابطة وهدية الرابطة. أوصي بدعاء الرابطة لا يُبَطِّئْنا عنه مبطئ ولا يشغلنا عنه شاغل).

ثم ختم الوصية بطلب الدعاء له وسلم على كل من قرأ وصيته أو استمع إليها ثم بالصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبالدعاء لله بمحبة رسول الله والرسل الكرام والصحب والآل خير الخلق في الآخرين. والحمد لله رب العالمين.

خاتمة

إن هذه الوصية العظيمة ينبغي أن تخصص لها مجالس للمدارسة ولتستخلص منها الدروس والعبر، ولتتجدد الصحبة مع الأخ المرشد رحمه الله بتذكر ما يدعو إليه، ولنعمل جاهدين لبناء صرح الأمة، وتذكر المعاني الإيمانية التي ينبغي أن نسعى إليها في حياتنا وفي طريق بناء دعوتنا وتأسيس معالم دولة الخلافة الراشدة الموعودة، ولنتذكر لحمة الصحبة والجماعة وتلازم العدل والإحسان ولنتذكر أيضا الوصايا الإلهية بالرجوع إلى كتاب ربنا ونتدارسها ونفهمها كما يحب ربنا، كما نتدارس سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة ونستلهم منها الدروس ليرضى عنا حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه وسلم تسليما.