في الفضاء السياسي العمومي، نحتاج إلى إثارة أسئلة وقضايا كبرى يتغاضى عنها صناع القرار السياسي والإعلامي والأمني بشكل مستمر، بل يعملون على اصطناع أسئلة سياسية واجتماعية ثانوية وهامشية تشيع مزيدا من الغموض والالتباس في أذهان الجمهور.

تتجدد تلك الأسئلة المحرجة كلما حدث عمل عنيف (أو إجرامي أو إرهابي) هنا أو هناك في مناطق المغرب، كما هو الشأن في أعمال العنف التي قام بها مجموعة من الشبان في مدينة الدار البيضاء في سياق متابعة مباريات كرة القدم المغربية، إذ أقدموا على تخريب ممتلكات خصوصية وعمومية على مرأى من الناس. وهو العمل الذي نرفضه بوضوح مهما كان مصدره.

إن الأسئلة التي تعنينا هنا، بوصفنا باحثين مهتمين بدراسة وتحليل الخطاب السياسي المغربي، هي الأسئلة الحقيقية التي يتداولها المغاربة في منتدياتهم اليومية؛ في المقاهي والإدارات والملتقيات… هي الأسئلة المقلقة التي لا يحب حكام هذا البلد أن تثار في وجوههم وعلى مسمع من جميع الناس.

بوضوح…

تحدث السياسيون ورجال الأمن والمحللون عبر وسائل الإعلام الرسمية و”المستقلة” عن جرائم اقترفها بعض المراهقين والشبان الذين “تنقصهم التربية والأخلاق” حينما كسروا وأتلفوا وخربوا بعض الممتلكات في شوارع الدار البيضاء. وألح الكثير من هؤلاء المتحدثين على ضرورة اتخاذ إجراءات حازمة وحاسمة لمواجهة العنف في الملاعب الرياضية والشوارع العمومية تحقيقا لأمن المغاربة وسلامة ممتلكاتهم؛ وأبرز تلك الإجراءات سلوك الخطوات القضائية الضرورية. وبالفعل اعتقل العشرات من هؤلاء “المخربين الشباب” المناصرين لأحد النوادي الرياضية.

لكن ما بال هؤلاء السياسيين والمحللين سكتوا – ويسكتون – عن عنف أجهزة الأمن والاستخبارات ضد الشباب المغربي المتعلم الذي أنفق عليه الآباء والأمهات – وعموم المغاربة دافعي الضرائب – ملايين الدراهم.. وملايين الساعات.. وملايين أحاسيس الألم والمعاناة ليترقوا في مدارج وأسلاك التعليم، ولينالوا شواهد حكومية عليا؟

ما بال هؤلاء السياسيين والمحللين المحترفين سكتوا – ويسكتون – عن العنف الذي مارسته القوات الأمنية العمومية قبل أسابيع في مدينة القنيطرة، ضد الطلبة وممثليهم في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أثناء انعقاد ملتقاهم السنوي الوطني بجامعة ابن طفيل، فنشرت الرعب والخوف، واستولت على ممتلكات وأجهزة الطلاب من ملصقات وصور وحواسيب وهواتف وآلات تصوير؟

ما بال هؤلاء السياسيين وأصحاب “الفهم والذكاء” صمتوا حينما اقتحمت القوات الأمنية الفضاء الجامعي في مدينة فاس، وكسرت عظاما، واعتقلت بعض المعتصمين، وتحركت الأجهزة القضائية لمتابعتهم بجد وصرامة؟

ما بال هؤلاء لم يتحدثوا عن ممتلكات المواطنين المغاربة وحرمة بيوتهم وأمهاتهم وآبائهم وأطفالهم حينما اقتحم جيش من القوات الخاصة (العشرات من رجال الأمن والاستخبارات، وضمن مجموعات) منازل القياديين السبعة لجماعة العدل والإحسان في مدينة فاس العالمة، في الساعات الأولى من فجر ذات يوم صائف قبل سنوات، وكسروا وخربوا وحملوا معهم “غنائم”، واعتقلوا هؤلاء القياديين الذين هددوا “الأمن في المغرب”، وحملوهم على متن عدد من السيارات معصوبي الأعين إلى وجهة مجهولة بمدينة الدار البيضاء، ثم كانت النتيجة بعد ستة أشهر من الاعتقال صدور البراءة من التهم الموجهة إليهم؟؟؟

عفا الله عما سلف…

ليست هذه الحالات المذكورة سوى معالم من واقع هشاشة الأمن الاجتماعي والسياسي في المغرب، وواقع انتشار الخوف في بعض الأوساط الاجتماعية من شبح المخزن وظلم القضاء، وواقع ضياع الحقوق الفردية والجماعية.

وبالمقابل تحدث – ويتحدث – رؤوس من النظام السياسي عن ضرورة وأهمية تجاوز فتح ملفات الفساد الإداري والمالي وفق سياسة “عفا الله عما سلف”، وتحت عنوان “تحولات الربيع العربي” التي جاءت بـ “إسلاميين معتدلين” إلى ساحة التدبير الحكومي.

يرى هؤلاء أن المغرب في حاجة ملحة إلى تحقيق التوافق السياسي والسلم الاجتماعي، وهذا ما يفرض التخلي عن متابعة الملفات الاقتصادية والأمنية المشبوهة التي اقترفها مغاربة ضد مغاربة، وكأن حقوق العباد لا حرمة لها عند الله تعالى خالق الناس إله الناس.

لا إشكال أن يسرق المفسدون الكبار ممتلكات المغاربة الفقراء وأموالهم وجهودهم مدة عقود، بل الإشكال الكبير والمخيف، الوحيد، هو أن يكسر بعض الشبان زجاجات الترامواي والسيارات والبيوت… إنه المعضلة الاجتماعية التي ينبغي أن يتجند لها جميع الفاعلين التربويين والسياسيين والإعلاميين، وأهل القضاء والقانون، وأجهزة الأمن والخَبَر بما ينبغي من الصرامة والقوة والحسم.

كلمات تلتبس بكلمات أخرى، والمغاربة لهم موعد مع يوم ينجلي فيه الغموض والغبش عن الأعين والأذهان.