من يرى ما آلت إليه الأوضاع في مصر “الثورة” يظن أن هذا البلد يسير نحو الهاوية.

من يقف عند ما يصوره الإعلام – بعض الإعلام – يتأكد بالفعل أن ظنه في محله.

من يستمع لتصريحات المعارضة يزداد يقينا أن ما وقع في ظنه هو الصواب.

ومن يضيف إلى ذلك تلميحات بعض الدول الغربية ومعها بعض الأنظمة العربية يقطع الشك باليقين أن هذا، فعلا، هو منتهى الأمر في مصر بعد نظام مبارك الذي جثم على الأنفاس ثلاثة عقود من الزمن.

والحقيقة أن ما يجري في مصر يعتبر نتيجة طبيعية لمسار أي تغيير كيفما كان نوعه، إذا كان بالفعل تغييرا حقيقيا يريد أن يضع أصابعه على مفاصل الخلل، فالثورة الفرنسية مثلا لم تأخذ مسارها الحقيقي إلا بعد سبعين سنة – حقيقة عمر إنسان – لكي توجه دفة السفينة نحو بر الأمان، مع أنه حينها كانت فرنسا على الأقل تعيش في عالم شبه منعزل، لا تكاد تُعرَف فيه الأخبار ولا يتأثر الداخل فيه بالخارج إلا لماما، فما بالك بثورة في وقتنا الحالي…

إننا ولكي نقف عند حقيقة الأمر لابد أن ننظر إليه من عدة أبعاد حتى يمكن لنا أن نصل إلى نظرة مقاربة للموضوع:

1. سنة الله: إن سنة الله في خلقه عز وجل أن يسير كل شيء بتدرج تقتضيه حكمة الباري جل جلاله، فالله عندما أرسل رسله عليهم صلوات الله وسلامه كان التدرج أبرز سمات دعواتهم، هذا التدرج يُنظر إليه من جهتين:

أولاهما: أنه ولكي يأخذ أي تغيير مساره الطبيعي كيفما كان لابد وأن يكون تدريجيا لكي يكون عميقا وشاملا، أما التغيير السريع فهذا لا يكون عميقا إنما هو سطحي اهتم ببعض الجوانب فقط أو أنه أدخل مجرد رتوشات على الواقع الذي كان قائما من قبل.

ثانيهما: هو أن لكل تغيير أعداءه وخاصة المستفيدين من الأوضاع السابقة، ما يعني أن هؤلاء ستكون لهم جولاتهم لكي لا يكون هذا التغيير بمعناه الحقيقي، وهؤلاء في محاربتهم لا بد من تدرج منطقي وعقلاني تقتضيه ظروف الزمان والمكان لكل تغيير.

2. خلق الإنسان من عجل: يحلم كل بائس مظلوم مسكين بغد أفضل يكون فيه له مستوى كرامة من العيش الرغيد، وحياة هنيئة ينعم فيها بالرخاء والرفاه والصفاء، وكل تغيير كيفما كان ومهما كان ينظر إليه البائس الفقير أنه هو الحلم الذي طالما انتظره، لذلك فهو يطمح أن يكون هذا التغيير بسرعة تنقله من بآسة العيش المَهين. لذلك كل تأخير – وإن اقتضته سنة الله – يراه المسكين تراجعا غير مبرر.

3. إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي: تحلم كل نفس أن تجني ثمار “نضالها” – بلغة من جعل تحركه لمكسب دنيوي – وطبيعي أنه حينما تقف هذه النفس على واقع آخر غير ما تمنته، من زعامة وريادة فإنها ستتحرك فيها المشاعر الجياشة بالنقمة على القادة الجدد وإن كانوا رفاق الدرب بالأمس، وعليه فإنها تحاول أن تتوسل إلى هدفها بأي ثمن كان وإن خالف هذا الثمن مبادئها المعلنة في الديمقراطية وحقوق الإنسان وهلم جرا من العبارات الرنانة في الآذان المقموعة.

4. ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم: إنه من يظن أن أعداء الإسلام سوف يرضون يوما ما على أتباعه فإنه يعيش في غياهب الضلال والظلام الذي ما منه مخرج إلا بالرجوع إلى البلاغ الرباني في من خلقه سبحانه بيده ويعلم دسائس نفسه ومكرها، لذا فهو حذر نبيه عليه السلام ومعه أتباعه إلى يوم الدين، فلا ننتظر أن يرضى الغرب عما يفعله المسلمون أبدا إلا إذا كانوا معهم في خط ضلالهم، وما يجري في مصر ليس بخارج عن هذه السنة الربانية، لذا من الأجدى أن نتم الآية الكريمة ونمضي قدما قل إن هدى الله هو الهدى.

5. قل جاء الحق وزهق الباطل: إن الباطل حينما يرى مصيره إلى الزوال والزهوق، وهذا تعبير رباني بليغ، حيث قال عز من قائل: وزهق الباطل ولم يقل وذهب الباطل لتأتي مع سياق المجيء والذهاب، وإنما عبر بالزهوق لأن الإنسان حينما تُزهقُ نفسه، فإنما أنت تخرجها رغما عنه وتخرجها على مضض شديد، كذلك حال الباطل ما يجعله يحتاط لهذا الأمر عن بعد، لذا فإن مجموعة من الأنظمة الديكتاتورية في الوطن العربي لها اليد الطولى فيما جرى ويجري في مصر وغيرها من بلدان الربيع العربي، لا لشيء إلا لأنها تخاف أن تهب عليها رياح التغيير الذي لا مفر منه، والتي هي مسالة وقت فقط، وصدق الباري سبحانه في ختام الآية إن الباطل كان زهوقا.

كل هذه الابعاد، وإن نظرنا إليها نظرة مقتضبة، تحيلنا على أن مصر “الثورة” تعيش مخاضا طبيعيا – وإن كان عسيرا – لا بد منه، قد يطول وقد يقصر وذلك بحسب قوة التدافع بين الفريقين، فريق الماضي وفريق الحاضر، بيد أن الحل بيد الصادقين من أبناء البلد، بغض النظر عن توجهاتهم أو انتماءاتهم، فحينما يحل الصدق محل حب الزعامة، حينها يمكن الحديث عن وطن قوي حاضن لجميع أبنائه، فهل من عاقل يقف ليسحب بساط الحجج الواهية من تحت أقدام الحاقدين على ثورة “الجياع” في مصر والوطن العربي أجمع؟