لم تزل مدينة فاس عاصمة للعلم والمعرفة ومنارة للتربية والتزكية، يشهد على ذلك جامع القرويين ومدارسها العتيقة ومكتباتها القيمة. وهي التي تخرج من تحت منابرها وكراسيها العلمية علماء وشيوخ ما زالت مراقدهم الشريفة دالة على تأصل البعد الروحي والديني في ساكنتها. غير أن هذه الرمزية العلمية والحضارية للمدينة لم تشفع لها أمام بطش الآلة المخزنية، التي ظلت تفتك بأهل فاس من مختلف مشاربهم السياسية والاجتماعية دون مراعاة لأبسط الحقوق والأعراف. فسجل الدولة في هذه المدينة مليء بالانتهاكات الجسيمة والقمع المفرط، حيث بلغ ذروته إبان أحداث 14 دجنبر الأليمة واستمر مع كل حراك اجتماعي أو فعل سياسي معارض. فعلى سبيل المثال لا الحصر: قوبلت حركة 20 فبراير بفاس بقمع مفرط واستهداف مقيت لأعضائها النشيطين مستقلين كانوا أو منتمين، وقبلها نالت جماعة العدل والإحسان من الحصار والكيد النصيب الأوفر من القمع والاعتقال في شخص أبنائها رجالا ونساء أعضاء وقياديين، والأمر نفسه بالنسبة لمناضلي اليسار والمعطلين… وآخر فصول هذا البطش ما وقع في جامعة سايس حيث حصلت المأساة وأزهقت روح طاهرة تحت وطأة القمع الشرس. وزُجّ بشباب من خيرة الشباب في السجن بسبب مطالب السكن والكرامة… واللائحة تبقى طويلة حيث لا يتيح المجال عدّ ضحايا هذا الاستهداف. لذلك لا يبدو الأمر مجرد صدفة أو نزوة عابرة بل هي خلفيات توجه المخزن ليشدد من قبضته الحديدية على المدينة وأهلها.

– تعتبر مدينة فاس عنوانا لفشل السياسة التنموية في المغرب، وإن كان هذا الوصف عاما في البلاد ففي هذه المدينة يأخذ بعدا أشد وطأة حيث تنعدم الأنشطة المحركة للاقتصاد، والتي يمكن أن تستوعب أفواج العاطلين عن العمل الذين يزدادون باطراد بسبب مخرجات التعليم والهجرة القروية. ومما يزيد الوضع قتامة إغلاق المصانع والمعامل القليلة أصلا وتشريد عمالها وأسرهم نتيجة سياسات اقتصادية تبعية. وقد يكون الأمر عاديا إذا كانت الدولة تسعى لتجاوز هذه المعضلات الاجتماعية عن طريق التجاوب الإيجابي معها، لكن على العكس من ذلك تقابل هذه المطالب بالمقاربة الأمنية كما أورد التقرير الذي نشره مركز إيباتيا الإسكندرية 1 ، كل ذلك ظنا منها أنها قادرة على احتواء هذه المطالب. نتيجة لذلك أصبحت المدينة قنبلة اجتماعية موقوتة لا يزيدها القمع والتنكيل إلا احتقانا.

– خرّجت هذه المدينة على مر السنين رموز المعارضة السياسية للنظام القائم من مختلف التوجهات السياسية والإيديولوجية إسلاميين ويسار، لذلك فالمدينة ارتبطت في ذاكرة المخزن بالمعارضة والتمرد على سياساته. فهي حاضرة المولى إدريس القائم من آل البيت، ومدينة الزيتوني وغيرهم من رموز المعارضة.

– لا يمكن إغفال الموقع الجغرافي لمدينة فاس في هذه المعادلة السياسية، فهي بوابة المغرب المنسي الذي يطاله التهميش شمالا في اتجاه تازة والحسيمة وجنوبا في اتجاه الراشيدية، والعقلية المخزنية تؤمن بسياسة الهيمنة والضبط وليس بالحوار والإدماج.

– فشل الآلة المخزنية في إنفاذ سلاحها الفتاك في المدينة؛ سلاح المسخ القيمي والروحي، بخلاف ما وقع في مدن عريقة مثل مراكش والصويرة… ولعل ذلك يرجع إلى رسوخ البعد الروحي في فاس العالمة لوجود منارات علمية ودينية عريقة، خاصة مسجد القرويين وجامعته ذات الأثر الديني المتأصل في النفوس. والله تعالى وحده يعلم سبب تعثر عملية بيع الرياضات للأجانب في المدينة العتيقة بغرض تحويلها إلى فنادق ومراكز استقبال. إذن أمام فشل هذه السياسات يلجأ المخزن إلى سلاح القمع والقبضة الأمنية.

– تمركز البعثات الدبلوماسية ومكاتب القنوات الدولية وكذلك ممثلي المنظمات الحقوقية الدولية في محور الرباط البيضاء. فعقلية الاستبداد التي تؤمن بقوة الضغط، تتوهم إمكانية القمع في ظل التعتيم. لكن والحالة أننا في عصر الوسائط المعلوماتية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تنقل الأحداث في سرعة متناهية ليتفاعل معها العالم من أقصاه إلى أقصاه، تصيب هذه الخطة بالعطب، لذلك انقلب السحر على الساحر في كثير من الملفات في هذه المدينة.

– بطء التنسيق بين القوى الحية داخل المدينة، لأن بعضها لم يستطع تجاوز حقبة المواجهة من تاريخها المشترك. فحالة الفرقة والصراع التي يريد أن يعمقها المخزن بين معارضيه يجعل من مقاومة آلته القمعية بالوسائل السلمية ذات فعالية أقل.

لكن من الملاحظ أن مستوى التنسيق بين هذه القوى قد عرف تقدما نوعيا إبان حركة 20 فبراير وبعدها، وبدأت ثمار هذا التنسيق تظهر في عدد من الملفات الحقوقية والاجتماعية حيث توحدت مواقف هذه القوى حول عدة قضايا محلية مثل: الموظفون الموقوفون والمنقلون تعسفا، الطلبة المعتقلون، حصول إجماع لدى كل الأطراف حول رفض التوظيف السياسي المقيت لملف عمر محب والمطالبة بكشف الحقيقة كاملة…

والذي يُخلص إليه من خلال هذه القراءة: أن عقلية الاستبداد لم تستطع التخلص من المنطلقات التي تحركها حيث تتعامل بنفس الآليات في سياق مختلف. هذا السياق أهم سماته توقان الشعوب لحريتها وكرامتها وبذلها من أجل ذلك التضحيات الجسام. فيكفي هذه المدينة شرفا أن ساهمت بتضحياتها في كشف الوجه الحقيقي للاستبداد، وهي تكون بشهدائها ومعتقليها السياسيين وجرحاها قد شاركت بامتياز في تعرية واقع الحريات وحقوق الإنسان بهذا البلد.

ولم يزد تسلط المخزن ساكنتها إلا وعيا والتحاما؛ فالأشكال الاحتجاجية التي يقودها السكان تعبر عن مستوى راق من الوعي، فلا يخلو حي من المدينة إلا وقد أبدع في شكله الاحتجاجي (الاحتجاج على غلاء الفواتير بمقاطعة الكهرباء وتنظيم مسيرات رمزية بالشموع، الإضراب العام وإغلاق المحال التجارية، مسيرات تحمل نعش أحد ضحايا الانفلات الأمني.. لذلك فهذه القبضة الأمنية مآلها إلى التفكك بفعل ارتفاع منسوب الوعي العام وتكسر حاجز الخوف والتحام مكونات المجتمع الفاسي. وأمام تفاقم المشاكل الاجتماعية واحتقان الوضع يبقى الحل الوحيد هو فتح قنوات الحوار مع المطالب المشروعة للمواطنين، واحترام حق التعبير والاحتجاج السلمي المؤطر.


[1] التقرير نشر على المواقع الإلكترونية ضم بحثا ميدانيا خلص إلى أن سياسة الدولة اتجاه المطالب الاجتماعية تتجلى في القمع والتنكيل بمتزعمي الحراك.\