تقديـم:

تشرفت ـ أستغفر الله، بل يسر الله عز وجل ـ زيارة قطاع غزة ضمن الوفد المغربي الذي شارك ضمن قافلة أمال من الابتسامات20، إلى جانب وفود أخرى من ليبيا، الجزائر، وبريطانيا. وذلك في الفترة الممتدة من 31مارس إلى 7 أبريل 2013. وككل وافد على بلد ما، أو مدينة أو أي مكان، لا بد أن ترسم في مخيلتك صورة عن شوارع ومدن وقرى وطبيعة وسكان المكان المقصود، بناء على ما قرأته أو سمعته أو تابعته في وسائل الإعلام المختلفة.

ليس من رأى كمن سمع:

في الطريق من القاهرة إلى قطاع غزة، والتي كانت مسافتها حوالي 500 كلم، أخذ مني التفكير في وضع غزة وقتا طويلا، لكن الشيء الذي رسخ في ذهني ـ بناء على ما كنت أتابعه في وسائل الإعلام ـ هو صورة الخراب والدمار: لا بيوت، لا شوارع، بل كنت أعتقد أن يستقبلنا أبناء قطاع غزة متسولين مستعطفين؛ كنت أظنهم في بؤس وفقر وشكوى. لم لا؟ وهم محاصرون جوا وبرا وبحرا، ولا يخرجون من عدوان همجي مخرب إلا ليدخلوا في آخر أشد بطشا وتنكيلا. هكذا كنت أتصور غزة، وهذه هي الصورة التي رسمت في مخيلتي، وكلما اقتربت من معبر رفح كبرت هذه الصورة وسيطرت على تفكيري كله.

بعد مرور حوالي 3 ساعات من الانتظار بمعبر رفح في الجانب المصري، تم “الإفراج” عن قافلتنا، وفي جو من الفرح الممزوج بشيء من الخوف، اتجهنا مباشرة نحو شرطة مرور قطاع غزة، وبعد دقائق قليلة وطأت أقدامنا الأرض المباركة، فكان المشهد الذي لم أحتمله ولم يتحمله أحد. فهذا يكبر ويهلل، والآخر يهمهم بكلام لا يفهم، لا يدري ما يقول وكيف يعبر عما أحس به، وثالث يبكي ورابع يسجد شكرا لله، النساء تزغردن، فالمشهد أكبر من أن تعبر عنه الكلمات أو تختزله المصورات الرقمية.

اِبتسم، أنت في غزة:

هذه العبارة المكتوبة بخط عريض، هي أول ما تقع عليه عيناك مباشرة بعد عبور معبر رفح، وليست صورة فخامة الرئيس “فلان” أو الملك “علان”. تقرأ العبارة وتعيد القراءة، علك تتأكد من كلمة “ابتسم” وتتأكد أنك حقا في غزة فيذهب تعب مسافة 500 كلم، وتبدأ الصورة التي رسمت عن قطاع غزة في التبدد والتلاشي التدريجي أمام حفاوة الاستقبال وأمواج من ابتسامات أهالي غزة تفوق تلك الابتسامات التي تحملها قافلة أميال من الابتسامات، فلا تملك إلا أن تبتسم لأنك في غزة.

“لعله استقبال رسمي وشكلي يخفي وراءه الواقع الحقيقي للقطاع”، هكذا كانت تحدثي نفسي وأنا أمتطي الحافلة لنسبر أغوار غزة. كنت أطل من الحافلة باحثا عن الخراب والبؤس والبنايات المنهارة والمتسكعين في الطرقات. لم تتبدد الصورة بعد، ما هذا الذي أراه: بنايات شاهقة، شوارع عريضة، سيارات وحركة مرور منتظمة، فنادق مصنفة، جامعات ومستشفيات ومدارس، وكل مظاهر الحضارة والحياة الطبيعية موجودة هنا. هل أنا في غزة حقا؟ أحلم هذا أم واقع؟ أنائم أنا أم صاح؟

بدأت نفسي تطمئن وتهدأ. نعم صدقوا لما قالوا “ابتسم، أنت في غزة ” بدأت ابتسم لما رأيت واطمأن قلبي وقلت في نفسي “حُقَّ لمن ولج غزة أن يبتسم”.

يد تبني ويد تقاوم:

سألت صديقي “الغزّاوي” (نسبة إلى غزة) كيف شيدتم هذه البنايات الشاهقة، وقد يقصفها العدو في أي لحظة فتصبح حطاما؟ فأجابني والابتسامة تملأ فاه: شعارنا “يد تبني ويد تقاوم” ثم استرسل شارحا: معنى ذلك أننا نعمل على واجهتين: المقاومة والتشييد حتى النصر، ومهما هدم العدو ومهما خرب وقصف، فلن يهدم إراداتنا وعزائمنا وطموحنا من أجل تحرير فلسطين، والصلاة في المسجد الأقصى إن شاء الله.

الإمام في الأمام:

عجبت لصديقي كثيرا، وهو يجيبني بمعنويات مرتفعة، بطمأنينة وثقة وعلو همة، ففتح لي شهية الأسئلة لمعرفة المزيد عن هذا الإنسان الفلسطيني، من رباه؟ من أين اكتسب هذه المعاني والصفات التي فقدت في الشخصية المسلمة؟ قال لي صديقي: أتدري من أين اكتسبنا كل هذا؟ ثم استرسل في كلامه: نحن في غزة لدينا شعار يقول: “إن أردت أن تكون إمامي فكن أمامي”. قلت: كيف؟ قال: قادتنا قدوتنا في كل شيء، قادتنا أكثرنا حفظا لكتاب الله، قادتنا أفقهنا، قادتنا خطباؤنا، قادتنا علماؤنا، قادتنا آباء الشهداء وأبناء الشهداء وأمهات الشهداء، قادتنا شهداؤنا: الشيخ أحمد ياسين، الطبيب عبد العزيز الرنتيسي، الدكتور سعيد الصيام، الدكتور نزار ريان وأزواجه الأربع، اللائحة طويلة.

يذكر صديقي الشهداء والحياء يغشاه تعظيما وتقديرا لهم. أما أنا ـ غفر الله لي ـ فقد أخذت أقارن بين هؤلاء القادة وبين من حكام العرب، فلم أجد وجها من وجوه المقارنة البتة، وحمدت الله كثيرا أنه لم يستفسرني عن مقومات شخصيتنا العربية وعن طبيعة العلاقة بين الحكام والمحكومين. لست أدري! لو سألني كيف أجيب؟ كيف أجيبه وحكامنا فوق القانون وفوق المحاسبة والمراقبة؟ كيف أجيبه وحكامنا شعارهم: “ما أريكم إلا ما أرى”. كيف أجيبه وحكامنا يستحوذون على ثروة البلاد وأرزاق العباد. كيف أجيبه وحكامنا عاضون على كراسي السلطة إلا أن يأتيهم الموت فيقتلعه اقتلاعا. كيف أجيبه والعلماء عندهم أحرار يغذون المقاومة ويقفون إلى جنبها تعبئة وتحريضا وتوجيها، وعندنا يبتكرون فتاوى الاستبداد ويشرعنون للبهتان. كيف أجيبه، والطبيب عندهم مجند مقاوم في ساحة الجهاد مداويا ومواسيا للجرحى والمصابين، والطبيب عندنا ـ إلا من رحم ربك ـ يوهمك بعملية جراحية أنت في غنى عنها فيبتزك في رزقك ورزق أبنائك ظلما وعدوانا. كيف أجيبه والمسجد عندهم ورشة مفتوحة للتعليم والتعلم وتربية النشء على القيم والأخلاق والجهاد في سبيل الله. والمسجد عندنا لا يعدو أن يكون قاعة للصلاة، تفتح دقائق معدودة لأداء “الواجب الديني” ثم الانصراف الفوري كي تكون مواطنا “صالحا” لا يزعج الآخرين. كيف أجيبه وصلاة الجمعة عندهم فرصة للتذكير بالقضية الكبرى: تحرير فلسطين والصلاة في المسجد الأقصى والتعبئة من أجل الانخراط الكلي في المشروع. والجمعة عندنا درس في التاريخ أو الجغرافيا أو ذكر مناقب الحاكم الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، وفي أحسن الأحوال، الخطبة توعية بالسلامة الطرقية من أجل التخفيف من حوادث السير. كيف أجيبه والجامعة عندهم ورشة مفتوحة لتخريج العلماء في كل التخصصات: الطب والكيمياء والهندسة والعلوم الشرعية، كما أن الجامعة فضاء لبناء الإنسان المنتج والمبتكر والمبدع، وعندنا فضاء للانحلال الخلقي وطمس للهوية وتخريج أفواج من المعطلين بشهادات فارغة معنى مبنى. كيف أجيبه وهو يقول بملء فيه: “ليس في غزة مشرد واحد”. يقولها ويكررها. خجلت من نفسي وأنا أتذكر أبناء شعبي يتسكعون في الشوارع حتى أضحى الأمر “ظاهرة سوسيولوجية ” تستحق الدراسة والتحليل من أجل الوقوف على الأسباب والنتائج . تذكرت بنات المسلمين يمشين في الشوارع كاسيات عاريات، يعرضن أجسادهن طمعا في قوت يوم. تذكرت الشباب المغربي وإدمانه على المخدرات بكل أنواعها. تذكرت البؤس البطالة والحرمان والهشاشة، وتذكرت المقاهي المكتظة بالجالسين فيها صباح مساء و طيلة أيام الأسبوع، وكأن العام كله عطلة. تذكرت دور الصفيح المكتظة بالأسر الفقيرة، وتذكرت حجم الدمار والخراب الذي أصاب أبناء المسلمين، دمار وخراب في الهوية، دمار وخراب في الضمير، دمار وخراب في المروءة، دمار وخراب في الدين، دمار وخراب شاملان أصاب أجيال كثيرة فغدت بلا بوصلة ولا هوية ولا قضية فأسدى حكامنا بتلك الجنايات التاريخية خدمة “جليلة” لعدو الأمة، بني صهيون.

الشعب الغزاوي شعب مضياف:

وأنت تحل ضيفا على أهل غزة يغشونك بابتساماتهم، يغشونك بكرمهم الحاتمي ـ نسبة إلى حاتم الطائي ـ تشعر وأنت تجالسهم بحفاوة الاستقبال والفرح بالضيف، يضعون بين يديك من الأطعمة والأشربة ما لذ وطاب، وحضر وغاب، يجتمعون حولك تقديرا واحتراما: “مرحبا بإخواننا في المغرب، شرفتمونا بهذه الزيارة”. ويدعو الرجل جيرانه وأصدقاءه احتفالا بالضيف العزيز، يبدو لك الناس بسطاء في أول الأمر، لكن تفاجأ عندما تتعرف عليهم، تجد فيهم الدكتور والمهندس والطبيب والعقيد والمخرج السينمائي الذي فاز بجوائز دولية وحضر المهرجان الدولي في هذا البلد وذاك، وتجد فيهم الدكتور الكيميائي الذي اخترع كذا وكذا.

ليس في غزة متقاعد:

إن الذي أثارني كثيرا في هذه الزيارة لقطاع غزة، هو نجاحهم في استثمار العنصر البشري ومحاولة توظيف هذا الرأسمال في المشروع من أجل إنجاح القضية. ففي الوقت الذي نجد فيه المتقاعد عندنا يمضي وقته في لعب الورق أو “الضاما”، حيث يصبح لا قيمة له داخل المجتمع ولا وظيفة، أضحى المتقاعد في غزة عملة نادرة، يوظف من جديد في عمل جليل يطلقون عليه “المصلح الاجتماعي”. سألت صديقي: من هو المصلح الاجتماعي؟ فرد علي قائلا: “إن الرجل عندنا في هذه السن، وبحكم تجربته وخبرته وحكمته ووقاره ومكانته وسط المجتمع يقوم بالإصلاح بين الأفراد والأسر والعائلات في حالة خصام أو سوء تفاهم”. بمعنى مغربي، هو ما نطلق عليه نحن “الخيط الأبيض” ـ قياس الخيرـ فشتان بين الثرى والثريا، بين رجل خبير وتجربة عمرية كبيرة، يقوم بعمل جبار من أجل الإسهام في إصلاح المجتمع وبدون تكاليف تذكر، ويحتسب ذلك عند الله تعالى وبين برنامج تهريجي تدعى إليه الأسر الفقيرة المتناحرة حول دجاجة فلان باضت عند الجيران، ويكلف ميزانية الدولة ملايين الدراهم دون نتائج تذكر.

غزة أرض العزة:

تركت بلدي وحيطان المؤسسات والمنازل ملطخة بالشعارات، من قبيل: “أنا ودادي، أنا رجاوي، الموت للريال وديما بارصا، مغربي حتى الموت، عيش وما تحضيش، ….”، وكلها شعارات تعكس مستوى من الوعي الشعبي. وعلى حيطان غزة تقرأ مثلا: “صلاة الفجر تشكو إلى ربها قلة روادها”، “كل شيء يصنع في الصين إلا العزة فإنها تصنع في غزة”، “حي على الصلاة حي على الفلاح”، “أملي أن يرضى الله عني” (من كلام الشهيد أحمد ياسين)، ومثل هذا كثير، فالحيطان لوحات فنية وصور الشهداء معلقة أينما وليت وجهك. المشهد يشبه كثيرا شوارعنا في الأعياد الوطنية، لكن لا قياس مع وجود الفارق.

مهما تحدث الإنسان عن أهل غزة وعن أرض غزة، فإنه يبقى عاجزا عن وصف تلك البقعة الطاهرة وأولئك القوم المجاهدين، ولكن حسبي أن أقول: تلك أرض أحبها الله جلت قدرته فاختار لها رجالها.

شكرا وعذرا:

اقتبست هذه العبارة من كلام الأستاذ عبد الله الشيباني الذي كان على رأس الوفد المغربي في تلك الرحلة المباركة، حيث كان يشكر أهل غزة على ما يقومون به ويعتذر لهم على عدم قيامنا ـ يعني العرب خصوصا والمسلمين عموما ـ بالواجب اتجاههم. وعلى المنوال أقول:

شكرا لكم أحبابي على حسن الاستقبال وكرم الضيافة.

شكرا لكم أحبابي على ابتساماتكم الغزاوية التي أحيت في قلوبنا الأمل.

شكرا لكم أحبابي على ما تقومون به من فريضة الجهاد نيابة عن الأمة.

شكرا لكم أحبابي على صناعة الرجال القادرين على مواجهة العدو.

شكرا لكم أحبابي على أن تفردتم بصناعة العزة، حتى أضحت “ماركة مسجلة”.

شكرا لكم على ما أعطيتمونا من دروس عملية خلال صحبتنا لكم خلال أسبوع.

شكرا لكم أحبابي على تعظيم القرآن وأهل القرآن.

شكرا لكم أحبابي على أن أعدتم للمسجد وظيفته ومحوريته كاملتين، فجنيتم ثمارا طيبة.

ونعتذر…

نعتذر لكم عن تقصيرنا في حقكم.

نعتذر لكم عن شعوب نسيتكم، بعدما ساقها حكام الجور سوقا لخدمته دون غيره.

نعتذر لكم عن سايس بيكو وأخواتها، السرية منها والعلنية.

نعتذر لكم عن حكام فرطوا في القضية مقابل كراسي مهترئة التصقوا بها التصاقا.

نعتذر لكم نيابة عمن طبعوا مع العدو.

دعاء وختم:

وفي الأخير أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن ينصر إخوتي في فلسطين وأن يثبت أقدامهم وأن يقبل شهداءهم، كما أسأله جلت قدرته أن ينصر جنده في مشارق الأرض ومغاربها. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.