2/ موقع حرية التعبير في المغرب من الوثيقة الدستورية

أ/ الشرط السياسي وقربان حرية التعبير في الدستور

من الارتكازات المميزة لأي نظام ديمقراطي، احترامه الشديد لمبدأ “سمو الدستور” باعتباره الميثاق الجامع، الذي يتضمن أهم المعالم الكبرى، والاختيارات الأساسية لنسق النظام السياسي، في تماسه مع مجال حريات وحقوق المواطنين.

واستحضارا لذلك، فان لحظة إنشاء الدستور، تظل من العلامات الفارقة التي يأبى المشهد السياسي المغربي نسيانها أو القفز عليها، خاصة إذا ارتبط ببروز ظرفية سياسية غير معتادة.

إذ شتان بين أن يقع إفراز دستور في جو عادي من النقاش المجتمعي، النابع من إرادة جامعة لمختلف الفاعلين، وبين أن يكون طوق نجاة، لوقف عدوى التعجيل بسقوط الأنظمة الحاكمة.

ومن هذا المنطلق كان للشرط السياسي، المتمثل في تداعيات الربيع العربي، الأثر الواضح على حركية وضع دستور جديد للمغاربة، يلبي بسرعة حاجات الجميع، حكاما ومحكومين، حيث انقسم المجتمع المغربي إلى قسمين:

* صنف أشاد بخطاب 9 مارس2011، واعتبره مؤسسا على “صوت الحكمة” الذي استمع إلى مطالب الشعب، معلنا عن “الوفاة الثانية للحسن الثاني”، منوها إلى “أن الملك أسقط النظام”، على حد تعبير الصحفي توفيق بوعشرين في جريدة أخبار اليوم بتاريخ 10/3/2011.

* وصنف آخر، رأى في الخطاب الملكي ووعوده، إنتاجا للسقطة من جديد، ومناورة مكشوفة، تروم الالتفاف على مطالب الحراك الشعبي، الذي انبرى إليه الجميع، بكل جرأة غير مسبوقة، لفضح شرذمة الناهبين لخيرات الوطن ومقدراته، ونقد طابوهات تدبير الحكم والقابضين بزمامه.

ولأن للرأيين وجاهة ومنطقا، فإن مجال احترام الحقوق والحريات في الواقع، يظل معيارا كاشفا، وحاسما لصحة أحدهما ومصداقيته، الشيء الذي يفرض التساؤل التالي:

ألا تعتبر طريقة إعداد نص الدستور نفسه، وصيغة إقراره، وما رافقه من شوائب، عنوانا لانتهاك حرية التعبير في المغرب؟

لاستقراء ذلك، ينص دستور يوليوز 2011 في الفصل الأول منه:

على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على… الديمقراطية المواطنة والتشاركية.. وتستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة… والاختيار الديمقراطي).

الواضح للعيان، أن النص الدستوري استعاد توهجه وتألقه في سماء الحريات والحقوق، بالتنصيص على ثابت رابع من مقومات الأمة، انضاف إلى جملة الثوابت المعروفة، وهو الاختيار الديمقراطي، الذي يؤشر على توافر ضمانات ممارسة حرية التعبير، بشكل يعكس أن زمام تدبير الشأن العام، ومناقشة الاختيارات السياسية، أصبح مجالا حيويا لمشاركة المواطنين والتعبير عن سيادة الشعب، عبر الإدلاء بآرائهم الصريحة المعلنة.

لكن، هذا التنصيص الديمقراطي التشاركي، وعلامته المميزة في حرية التعبير، لازمته شواهد خلاف ذلك، أبرزها:

** الولادة القيصرية للجنة كاتبة الدستور، والاختلالات التي طبعتها شكلا ومضمونا، إن على مستوى غياب تمثيلية جميع فرقاء وحساسيات المجتمع، بما يؤشر على ضياع آراء هامة، والإقصاء المتعمد، أو على حدود التطرق لمواضيع الطابوهات، التي تلعب فيه سلطة التعيين والتسمية والعزل في اللجنة، دورا لا ينكر، مما يجعل من التوجيهات العليا، ورؤية المشرع المستتر، العمود الفقري في هذا الإنتاج، وليس النقاش الحر، الذي يكفله انتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور.

طالع أيضا  حرية التعبير في المغربسؤال الالتباس في العلاقة بين النص والواقع (الجزء الأول)

** معضلة مفاهيم الدستور المرتكزة على وحدة النص، لن تسلم من معضلة التنزيل والتأويل، فيتم تحميل مالا يحتمل، وترجيح مقصد لا يسعف، حتى في أقصى تأويل للوثيقة الدستورية، ما دام واقع الأمر، يرتكز على امتلاك السلطة ناصية الأمر، عبر حضورها المحوري في إنتاج النص، واستدعاء تحكيمها عند الخلاف، والحسم وفق المزاج المتبع، البعيد عن المعايير الديمقراطية المتفق عليها، بل وتحييد ثلة الفقهاء القانونيين واضعي الدستور، من إيراد المقتضيات الكفيلة بتحديد مسؤوليات الدولة، والرقابة الصارمة على قراراتها الماسة بالحريات.

** اضطهاد ومتابعة النشطاء السياسيين، وقمع الرأي المخالف، المقاطع لعملية الاستفتاء على الدستور، مؤشر يؤكد حقيقة الاضطرار إلى بريق النص الدستوري، المشبع بالمسحة الليبرالية، والذي فرضته الشروط السياسية الجديدة، و دقة المرحلة وحساسيتها، وحاجة السلطة إليه، لتجاوز عنق الزجاجة.

هذه المعطيات توضح بجلاء، قدرة السلطة الحاكمة في المغرب، على تجاوز تأثير إفرازات رجة التحرك العربي والمغربي بوجه خاص، ودهاءها في إخفاء تصاميمها السياسية مرحليا إلي حين توقف “عدوى” تغيير الأنظمة، عبر استجابتها على مستوى النص الدستوري، للمطالب الشعبية وتحت رقابة الآليات الدولية، ثم إطلاق العنان للصخب الإعلامي، في المحافل الدولية، للإشادة بتجربة الانتقال السلمي الديمقراطي التاريخي.

ب/ واقع ضمانات حرية التعبير في المغرب

جميع نصوص الوثيقة الدستورية، تنص على ضمانات ممارسة حرية التعبير عن الرأي، باعتبارها إحدى تجليات الاختيار الديمقراطي، الذي يستند عليه المغرب، ويضمن صيانته رئيس الدولة، سعيا وراء إرساء دولة الحقوق و القانون والمؤسسات.

جاء في الفصل 25 من الدستور:

حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها).

وأشار الفصل 28 منه إلى أن:

للجميع الحق في التعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية ومن غير قيد عدا ما ينص عليه القانون صراحة).

لأول وهلة، قد تغمر الباحث في مجال الحقوق والحريات بالمغرب، سعادة ورضى غير مسبوقين، وهو يستنطق هذه النصوص اللامعة، لفهم متونها ومحتواها الجميل، ثم ما يلبث أن تصدمه ناصية الحقيقة، عندما يختفي الإغراء وبريق النصوص، ويحل مكانها، عنف الالتفاف على القواعد القانونية، والتعسف في تأويلها، عندما يلوح الرأي المعارض للسلطة في ساحة الأحداث.

إذ تفقد جميع هذه الأسانيد الدستورية، الدالة على رسوخ هذا الاعتقاد بالحق في التصريح بالرأي معناها، حيث تتوارى إلى الظل، فاسحة المجال لتقدم المتابعات القضائية، التي ترهب كل من حاول أن يخرج النص الدستوري من جموده، ويبعث فيه الحياة.

طالع أيضا  حرية التعبير في المغربسؤال الالتباس في العلاقة بين النص والواقع (الجزء الأول)

تكشف ذلك أحداث النازلة التي توبع فيها المواطنان، يوسف بنصباحية، ورضوان مويسي، والتي تأسست على خلاف سياسي، حول تدبير الشأن العام، قوامه التعبئة لمقاطعة الانتخابات البرلمانية الشكلية، مما يدل على أن إدانة الرجلين، تعكس الرغبة الجامحة في إسكات صوت المخالفين للتوجه الرسمي، وتصفية الحسابات السياسية، من خلال استدعاء قوي لمكانيزمات الدولة الشمولية، التي لا تعترف باستقلال أي سلطة في مواجهتها، ضاربة بعرض الحائط، أهم ضمانتين في الدستور هما:

1/ القضاء، الذي أضفى عليه الدستور الحالي طابع “سلطة قضائية”، ورسم له خارطة طريق، ترتكز على نصوص دستورية : هي المادة 107 من الدستور، التي تنص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية)، والمادة 110 التي تضمنت أن الأحكام لا تصدر إلا على أساس التطبيق العادل للقانون) والمادة 124 التي تحدثت عن عقيدة إصدار الأحكام، فأفادت أنه تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك، وطبقا للقانون).

إلا أنه على الرغم من ذلك، ما زالت هذه “السلطة القضائية” تساهم عبر هذه النوعية من الأحكام، التي آخذت هذين المواطنين على ممارسة حقهما المكفول لهما في التعبير وإبداء وجهة نظرهما، في إفراغ النص الدستوري من محتواه، بل والتخلي حتى عن المكانة التي قررها له الدستور الحالي، عندما أصبح سلطة، المفروض فيها شجاعة اتخاذ القرار، المؤسس على حماية الحقوق وصيانة الحريات، من شطط السلطة القائمة، وإشاعة مناخ العدالة وتحقيقها.

في رأيي، أعتقد أن هذه الضمانة الممثلة في السلطة القضائية، يجب أن تنزع عنها رداء الانبطاح، أمام تعسف السلطة، وشطط قراراتها، النابع من الخلفيات السياسية، والرغبة في تصفية الحسابات. فقد كان حليا بالسادة القضاة، وهم يبحثون في هذه النازلة، بما لهم من كفاءة مهنية، وحس قانوني فذ، أن يكتشفوا الحجب الكامنة وراء توقيت تحريك هذا النوع من الملفات، من قبل الذراع القوي للسلطة التنفيذية في المحاكم، خاصة وأن الوقائع كانت بتاريخ 18/11/2011، والمتابعة القضائية في أوائل شهرشتنبر 2012، بعد هدوء الشارع المغربي، ونهاية الاستحقاقات السياسية.

2/ المحكمة الدستورية: حيث نصت المادة 133 من الدستور على:

أن المحكمة الدستورية مختصة في النظر في كل دفع متعلق بدستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف، بأن القانون الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.. يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل).

المتفحص لهذا النص الدستوري، لا بد وأن يقف على المعضلة التي تطبع أغلب نصوص الدستور، وهي تقييدها بالنصوص التنظيمية، والتي إن كان من الطبيعي جدا أن تعقب النص المجمل لتفسره، لكن التوجس الذي ينتاب كل مهتم، ويبعث على الشك والريبة، في جدية الانضمام إلى مصاف دول الحقوق والحريات والمؤسسات، هي عملية التحوير والتعويم، وإفراغ النص من قيمته ومحتواه القانوني، المشبع بالقيم الكونية واجتهادات الأنظمة المقارنة، وحياده عن الإرادة المفترضة للمشرع، لاسيما وأن جهة إعداده وتنزيله، هي الخصم والحكم. بل التخوف الأكبر، هو استمرار تحنيط المحكمة الدستورية لأجل غير مسمى، ترهنه الحسابات السياسة، ومتطلبات الظرفية.

طالع أيضا  حرية التعبير في المغربسؤال الالتباس في العلاقة بين النص والواقع (الجزء الأول)

ولا أدل على ذلك، فبعد إقرار الدستور بشهور قليلة، جهدت السلطة التنظيمية في إنتاج ضابط قانوني، أصاب المواطنين -لاسيما الصنف الأول من المتفائلين- بخيبة أمل جديدة، انضاف إلى الترسانة القانونية، ممثلا في ظهير1/ أكتوبر /2011، الذي أدين من أجله هذان الناشطان، والذي يعصف بحرية التعبير في عمقها، بعدوانه الواضح، على الحق في إبداء الرأي في الشأن العام، واتخاذ موقف منه، بدل ترك الحرية للمواطنين، للأخذ به أو رده بالطرق القانونية، علاوة على أنه في نازلة الحال، لم يقع أن أحدا من المواطنين، تقدم بشكاية أمام الجهات القضائية، وعبر عن سخطه من الفعل “الجرمي” الذي قاما به، وهو توزيع بيان مقاطعة الانتخابات، فكيف أمكن إذن، استخلاص توافر التدليس واستعمال الإشاعات الكاذبة، والأخبار الزائفة، لتحويل أصوات الناخبين، أو دفعهم للامساك عن التصويت؟

الشيء الذي لا يعدو معه، إلا أن يكون عنوانا لخرق دستوري، يناقض النصوص الدستورية، المعبر عنها في مجال حريات التعبير، مما يستوجب تدخل المحكمة الدستورية التي ينبغي أن تحقق الطموح الجماعي، بإعلاء صوت القانون فوق كل اعتبار، أسوة بالعمل القضائي المقارن.

فقد أصدرت المحكمة الدستورية المصرية قرارا جريئا بتاريخ 20/5/2010 جاء فيه:

وإن من الخطر، فرض قيود ترهق حرية التعبير، بما يصد المواطنين عن ممارستها وأن الطريق إلى السلامة القومية، إنما يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح، لمواجهة أشكال من المعاناة، ومن تم كان منطقيا، بل وأمرا محتوما، أن ينحاز الدستور إلى حرية النقاش والحوار، في كل ما يتصل بالشؤون العامة، ولو تضمن انتقادا حادا للقائمين بالعمل، إذ لا يجوز لأحد، أن يفرض على غيره صمتا، ولو كان معززا بالقانون). 1

في تقديري، ومن خلال هذه المقاربة المعبر عنها، يظل الإشكال الحقيقي، أعمق من النص القانوني وصياغته، ومن الشروط السياسية الوطنية والدولية المنتجة له، بل يتعداه إلى غياب الثقة، في توفر إرادة سياسية حقيقية للسلطة القائمة، إرادة تفتح مسار مستقبل أفضل للمغاربة، بفسح المجال للجميع دون استثناء، للعمل الجماعي المبني على قبول الآراء واحترامها، بما يخدم الاستقرار الاستراتيجي للبلد.


[1] عن مجلة عدالة جوست عدد 4 أكتوبر 2010.\