مقدمة

ابتٌليَت الأمة بدين الانقياد منذ تحول الخلافة الراشدة إلى ملك عاض ثم ملك جبري 1 ، وحُكمت بالسيف قرونا. انفرط عقد جماعة المسلمين باستشهاد الإمام علي كرم الله وجهه، وبدأ الانحدار بانتقاض عروة الحكم التي فتحب الباب أمام انتقاض باقي العرى وصولا إلى الصلاة 2 . فلما بلغ الضعف من الأمة حد الوهن، غلبتها الأمم الأخرى، وجاءتها مستعمرة سالبة مغتصبة، وأنبتت فيها عاداتها وقيمها وسلوكاتها، واتبعت الأمة المغلوبة دين الغالب.

يقف هذا البحث عند مفهومي ”دين الانقياد” و”نِحْلَة الغالب” ليَرصُد تأثيرهما على جماعة المسلمين. يعود هذان المفهومان إلى عبد الرحمن ابن خلدون الذي أوردهما في مقدمته.

يعبر بن خلدون بدين الانقياد عن حال الأمم حين تسلم وتنقاد لحكامها. ففي أول الأمر يتمكن الحكام بالقوة والقهر، فلما يستقر لهم الأمر يرسخ في عقائد المحكومين وجوب الطاعة والتسليم لهم. قال بن خلدون: فإذا استقرت الرئاسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحداً بعد آخر في أعقاب كثيرين ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم وقاتل الناس معهم على أمرهم قتالهم على العقائد الإيمانية فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة بل كأن طاعتها كتاب من الله لا يُبَدل ولا يُعْلم خلافه) 3 .

وتعني نحلة الغالب أن المغلوب يتبع من غلبه في أحواله وعاداته، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب) 4 .

مهد دين الانقياد الذي فرضه الحكام المستبدون لنحلة المستعمر الغالب 5 . ما كانت الأمة لتتبع نحلة الغالب لولا الضعف الذي بلغته بسبب دين الانقياد. أضعف دين الانقياد جماعة المسلمين من الداخل وغزتها نحلة الغالب من الخارج، فلما اجتمعا عليها ضغطاها وسحقاها. أتى دين الانقياد على إرادة الأمة وأتت نحلة الغالب على رابطتها. فكيف ذلك؟

نجيب على هذا السؤال عبر محورين:

– جماعة المسلمين ودين الانقياد: يتناول هذا المحور تمكن دين الانقياد من الأمة وسحقه لإرادتها.

– جماعة المسلمين ونحلة الغالب: يناقش المحور الثاني كيف فككت نحلة الغالب ممثلة في العلمانية والماسونية رابطة الأمة.

1- جماعة المسلمين ودين الانقياد

أ‌- الدعوة نواة الدولة

كانت جماعة المسلمين واحدة متراصة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانت الشريعة الرحيمة هي الحاكمة، وكانت الرابطة هي الولاية في الله. على الهدي النبوي صار الخلفاء الراشدون، حافظوا على نواة الجماعة. كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لا يوليان كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، بل كانا يحصرانهم في المدينة حفاظا على هوية جماعة المسلمين 6 . كانا يخافان على المسلمين مما كان يخاف منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن يتنافس المسلمون الدنيا.

قال صلى الله عليه وسلم: “والله ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم كما بُسِطَت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافَسوها وتُهلككم كما أهلكتهم” 7 . كان أبو بكر لا يولي خيار الصحابة مع أنه كان يعرف فضلهم، ولكنه كان يقول: “أكره أن أدنسهم بالدنيا” 8 . أما عمر فكان يحول بين كبار الصحابة وبين شؤون الإمارة وكان يقول لبعضهم: “قد كان لك في غزوك مع النبي صلى الله عليه وسلم ما يبلغك، وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك” 9 . لما ولي عثمان خلى عن أهل السابقة، فانتشروا في الأمصار، وتجمع حولهم الناس، وشكل كل منهم نواة جماعة علمية دعوية تربوية) 10 .

كانت الدولة بمثابة هيكل لسكن جند الله، وآلة في أيديهم، ودرع لحمايتهم) 11 . لكن بني أمية انقضوا على الحكم بالقهر لا برضى الأمة. ورث معاوية رضي الله عنه الملك لابنه يزيد، ثم توارثه الأمويون من بعدهما. نتج عن هذا الانقضاض نقض أول عرى الإسلام وهي الحكم وانقلاب الدولة على الدعوة.

ب‌- نقض عرى الإسلام وانقلاب الدولة على الدعوة

نقض بنو أمية أولى عرى الإسلام: الحكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضاً: الحكم، وآخرهن الصلاة” 12 . فلما فعلوا صار الحكم ملكا عاضا بعدما كان خلافة على منهاج النبوة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت” 13 .

كانت ميزة الحكم الراشد على عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ‘أن الطاعة واجبة لأولي الأمر منا بناء على بيعة تُلزِم الحاكم والمحكوم بأمر الله ورسوله، شرْطاها الشورى في الاختيار والحكم بما أنزل الله) 14 . لكن بانتقاض عروة الحكم غيبت تلك الميزة فأصبح الحاكم العاض يحكم بهواه، وعصبيته، وجبروته، لا بالقرآن، ولا بشورى أهل القرآن، ولا بعدل القرآن، ولا بإحسان أمر به القرآن، ولا برعاية لتقوى الله) 15 .

بعدما كانت الدولة جزء من الدعوة وحامية لها في العهدين النبوي والراشدي، أصبحت ندا لها، بل وانقلبت عليها وصارت متحكمة فيها لما أصبح الحكم ملكا عاضا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خذوا العطاءَ ما دام عطاء، فإذا صار رَشوة عن الدين فلا تأخذوه. ولستم تاركيه، يمنعكم من ذلك الفقْرُ والحاجة. ألا إن رَحا الإسلام دائرةٌ فدوروا مع الكتاب حيثُ دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم” 16 .

بدأت الرحى دورانها مع بوادر الفتنة الكبرى إثر مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ومنازعة معاوية بن أبي سفيان عليا بن أبي طالب وهو الخليفة الشرعي، واستيلاء معاوية على الحكم، رضي الله عنهم أجمعين. كان معاوية رجلا ذا مروءة، يسمع ما يقوم بعض العوج 17 . لكن الرحى استكملت دورتها في عهد يزيد بن معاوية، فبدأت الدولة تقاتل فعليا الدعوة، وفعل يزيد ما فعل في سنوات حكمه الثلاث. نال آل البيت والصحابة والتابعون والعلماء والأمة ما نالوه من سيف الملك العاض منذ ملك الأمويين حتى نهاية الملك العثماني. ولم يدخر الملك الجبري ممثلا في حكام دويلات الفتنة وكلاء الاستعمار جهدا في خنق الدعوة والتضييق عليها ووأدها.

ت‌- جماعة المسلمين ودين الانقياد

بانتقاض عروة الحكم وانقلاب الدولة على الدعوة أدخلت الأمة في دين الانقياد وصارت في حالة من الركود العام والرقود العميق 18 . تمكن دين الانقياد من الأمة وفرض عليها ”الطاعة القهرية” مستندا إلى ثلاثة عوامل 19 :

– القوة العنفية: كتب التاريخ القريب والبعيد مليئة بأخبار الملوك العاضين الذين قهروا الأمة وحكموها عنوة تحت السيف، والحال أكثر قسوة تحت حكم ملوك الجبر. يلتقي الأولون مع الآخرين في نقطة واحدة: التدرع بالقوة العنفية لفرض الطاعة.

– العادة القرونية: جرفت العادة الأمة في تيار التبعية للوضع السائد 20 فألفت الخضوع للحاكم أبا عن جد 21 . مهد القهر والاستبداد لتمكن العادة القرونية من الأمة بأن قتل في الأمة الشهامة والإرادة الحرة 22 .

– الوهم: تتوهم الأمة أن طاعة الحاكم المتسلط واجبة وفاء لعقد البيعة 23 . اجتهد السابقون وقالوا بالصبر على الحاكم الظالم والفاسق 24 حفاظا على “بيضة الإسلام” وشوكته وقوته ووحدته 25 . لم يعد للإسلام بيضة وشوكة وقوة ووحدة يطاع الحاكم حفاظا عليها.

نتج عن تمكن دين الانقياد نتيجتان أساسيتان:

– خروج الدولة من كنف الدعوة: سبقت الإشارة إلى انقلاب الدولة على الدعوة، غلب الأمراءُ وهم ”أهل اليد والقدرة” العلماءَ وهم ”أهل العلم والكلام” 26 . استأثر من استأثر بالحكم وقهروا الأمة وحصروا العلماء في زاوية العلم والتعليم بعيدا عن أمور السياسة ومصالح الأمة. أصبحت الدعوة تحت إمارة السيف تابعة مكفولة كما يُكفل اليتيم) 27 . نتج عن ذلك توجيه الدعوة لخدمة الدولة، فأفتى العلماء تحت قهر السيف أو حرصا على دم المسلمين بفتوى الاستيلاء 28 وثبوت الإمامة بالقهر والغلبة 29 . لم تعد الدولة درعا لجماعة المسلمين وحاميتها بل صارت هي المتحكمة وصارت الدعوة تابعة وخادمة لها.

– سيادة ”روح الطاعة الخانعة” 30 : قتل دين الانقياد إرادة الأمة فغلبت فيها ”النفسية الخانعة المنقادة”ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م، ص 102.)، وصارت سهلة القياد عالة لا تنكر ”منكر الحكم الفاسد” 31 . أصبحت الأمة غثاء سادت فيها ذهنية النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل) 32 . لم تعد الأمة قادرة على الفعل بسبب ثقل طوق التقليد 33 الذي يجعل الأمة سجينة اجتهادات العلماء الذين اجتهدوا لزمانهم، وغير قادرة على كشف مؤامرة حكام العض والجبر و”فقهاء” القصور 34 .


[1] انظر حديث الإمام أحمد في الفقرات المقبلة.\
[2] انظر حديث انتقاض عرى الإسلام في الفقرات المقبلة.\
[3] بن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، بيروت، مؤسسة المعارف، ط1، 2007م، ص 173-174.\
[4] بن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، بيروت، مؤسسة المعارف، ط1، 2007م، ص 166.\
[5] تلتقي الفكرة مع مقولة مالك ابن نبي أن المسلمين استُعمروا بعدما أصبحوا قابلين للاستعمار.\
[6] ياسين، عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، بيروت، دار لبنان، ط1، 2011م، ص 74.\
[7] رواه الشيخان والترمذي.\
[8] أخرجه أبو نعيم وابن عساكر.\
[9] أخرجه سيف وابن عساكر.\
[10] ياسين، عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، بيروت، دار لبنان، ط1، 2011م، ص 74.\
[11] ياسين، عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، بيروت، دار لبنان، ط1، 2011م، ص 16.\
[12] أخرجه الإمام أحمد في باقي مسند الأنصار.\
[13] أخرجه الإمام أحمد في أول مسند الكوفيين.\
[14] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م، ص 101.\
[15] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، طنطا، دار البشير، ط2، 1995م، ص 31.\
[16] رواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل.\
[17] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م، ص 75.\
[18] ياسين، عبد السلام، العدل : الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م، ص 102.\
[19] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م، ص 101.\
[20] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط2، 1994م، ص 23.\
[21] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م، ص 102.\
[22] ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، ط2، 2001م، ص 60.\
[23] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م، ص 102.\
[24] ياسين، عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، منشورات الصفاء للإنتاج، ط1، 2001م، ص 9.\
[25] ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ط1، 1989م، ص .\
[26] ورد مفهوما ”أهل اليد والقدرة” و ”أهل العلم والكلام” في مجموع فتاوى ابن تيمية.\
[27] ياسين، عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، بيروت، دار لبنان، ط1، 2011م، ص 26.\
[28] ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، ط2، 2001م، من الصفحة 66 إلى الصفحة 68.\
[29] ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، ط2، 2001م، من الصفحة 63 إلى الصفحة 66.\
[30] ياسين، عبد السلام، الخلافة والملك، ط2، 2001م، ص 62.\
[31] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، ط1، 2000م، ص 102-103.\
[32] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط2، 1994م، ص 23.\
[33] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، طنطا، دار البشير، ط2، 1995م، ص 15.\
[34] ياسين، عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، طنطا، دار البشير، ط2، 1995م، ص 15.\