هبت رياح التغيير على الدول العربية فأسقطت عروشا وترنحت أخرى، ولم يكن المغرب بمنأى عن رياح الربيع العربي، إذ تحركت الجماهير في مئات المسيرات والمظاهرات والوقفات في إطار حركة 20 فبراير، مطالبة بحقها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم والديمقراطية، فكانت الدولة مضطرة للتجاوب، ولو على مستوى الشكل، مع مطالب المتظاهرين – عملا بقول الناصح انحن للعاصفة حتى تمر – فشكلت لجنة من قبل الملك لإعداد دستور جديد، أسفرت عن صياغه دستور ممنوح، عرض على الاستفتاء بتاريخ فاتح يوليوز 2011، وتم تمريره بمشاركة ضعيفة.

غير أن السلطة السياسية لم تف حتى بالنزر القليل المضمن في هذا الدستور على علاته.

إذ جاء في تصدير الدستور الجديد، كما في دستور 1996، أن المغرب يتعهد بالتزام ما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات، ويؤكد تشبثه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

وزاد الدستور الجديد على دستور 1996، بأن نص على سمو الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب على التشريعات الوطنية.

ويجدر التذكير أن الدستور الجديد نص على أن التصدير جزء لا يتجزأ من الدستور.

وقد نص الفصل الأول من الدستور على أن النظام الدستوري في المغرب يقوم على الديمقراطية المواطنة والتشاركية، بكل ما يوحي ذلك من تعدد الآراء وحرية الاختيار.

كما نص نفس الفصل على أن الأمة في حياتها العامة تسند على عدة عناصر، من ضمنها الاختيار الديموقراطي.

فيما نص الفصل 6 من الدستور على أن السلطات العمومية تعمل على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنين والمواطنات والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية.

ومؤدى هذه الفصول أنه من تمام المواطنة الديمقراطية الحقة المسؤولة، أن يبدي كل مواطن رأيه بكل حرية في الاختيارات السياسية دون قيد أو شرط، ودون خوف من الملاحقة بسبب إبداء الرأي.

في حين نص الفصل 7 من الدستور على أن الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديموقراطية.

ثم أردف نفس الفصل بأن الأحزاب تمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون.

كما نص الفصل 10 على أن المعارضة البرلمانية تشارك في العمل البرلماني والحياة السياسية، ويضمن لها الدستور حرية الرأي والتعبير والاجتماع، وحيزا زمنيا في وسائل الإعلام الرسمية يتناسب مع تمثيلها.

فيما نص المادة 12 من الدستور على أن جمعيات المجتمع المدني تمارس أنشطتها بكل حرية في نطاق احترام الدستور والقانون.

وأكد الفصل 25 على أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها.

وإن الناظر إلى تصدير الدستور والفصول المذكورة آنفا، ليستبشر أيما استبشار، رغم النقائص الكثيرة للدستور، ويعتقد جازما أن المغرب خطا خطوة كبيرة نحو القطع مع سياسة الرأي الواحد والتدبير الفردي للشأن العام بمختلف واجهاته، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتقافيا و…

غير أنه سرعان ما يصاب بخيبة أمل، حينما يثبت له بآلاف الأدلة والشواهد أن هذه النصوص مجرد واجهة براقة للاستهلاك الخارجي فقط.

ومن الشواهد على ذلك عشرات الملاحقات الزجرية بسبب دعوة مجموعة من الأحزاب والفاعلين السياسيين إلى مقاطعة انتخابات 25 نونبر 2011، التي حركت أمام المحاكم بعد خفوت صوت حركة 20 فبراير.

وفي هذا الصدد أدانت المحكمة الابتدائية لابن سليمان السيد يوسف بنصباحية المنتمي لليسار الاشتراكي الموحد، والسيد رضوان مويسي العضو في جماعة العدل والإحسان، بجنحة دفع ناخبين إلى الإمساك عن التصويت طبقا للفصل 51 من ظهير 14 أكتوبر 2011، وحكمت عليهما بشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة قدرها 10000 درهم لكل منهما.

والفصل 51 موضوع الإدانة ينص على أنه يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبغرامة من 10000 درهم إلى 50000 درهم كل شخص أقدم، باستعمال أخبار زائفة أو إشاعات كاذبة أو غير ذلك من طرق التدليس على تحويل أصوات الناخبين، أو دفع ناخبا أو أكثر إلى الإمساك عن التصويت).

والشخصان المذكوران آنفا أدينا بالفصل 51 لإقدامهما على توزيع منشورات لحركة 20 فبراير بابن سليمان، دعت فيها المواطنين إلى مقاطعة انتخابات 25 نونبر 2011.

والسؤال المطروح بقوة ألا يشكل الفصل 51 من ظهير 14 أكتوبر 2011 ردة عما إلتزم به المغرب من احترام المواثيق الدولية التي صادق عليها، واحترام حقوق الانسان المتعارف عليها عالميا.

علما أن المغرب وقع على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نص في الفصل 19 على أنه لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الأراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية).

ووقع كذلك على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي نص في المادة 19 على أنه لكل فرد الحق في اتخاذ الآراء دون تدخل، والحق في حرية التعبير.

ونص في الفقرة الأخيرة من المادة 5 على أنه لا يجوز تقييد أي من حقوق الإنسان الحقيقية المقررة أو القائمة في أية دولة طرف في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية استنادا إلى القانون أو الاتفاقات أو اللوائح أو الأعراف، والتحلل منها.

فلا يمكن في دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، أن يلاحق شخص ويحاكم من أجل إبداء رأيه حول المشاركة في الانتخابات أو دعوته إلى مقاطعتها، من منطلق أن لا شيء تغير، على اعتبار أن المؤسسات التي ستفرزها الانتخابات مجرد مؤسسات صورية، أريد لها أن تؤثث المشهد السياسي دون أن تكون فاعلة فيه.

فهل في هذا اضطراب اجتماعي يبرر التجريم، طالما أن المشرع نص على هذا المناط في الفصل الأول من القانون الجنائي؟ أم إن الاستفراد بالرأي وإشاعته وملاحقه مخالفيه يعتبر شكلا من أشكال الحزب الواحد، الذي حظره الفصل 7 من الدستور في فقرته الثالثة.

وما يحز في النفس أن يصبح التضييق على الرأي المخالف ليس فحسب ممارسة واقعية، بل محميا بنص قانوني يشرعنه.

وقد عن لي أن أحاكم الفصل 51 المنوه عنه أعلاه أمام قاضي الموضوع عبر خوض نهر الدفع بعدم دستورية هذا النص، إلا أنه استحال علي ذلك لعدم تشييد جسر القانون التنظيمي المنصوص عليه في الفصل 133 من الدستور، الذي يحدد شروط وإجراءات ممارسة هذه المسطرة.

وخلاصة القول أن المغرب بمقتضى الفصل 51 من ظهير 14 أكتوبر 2011، الذي جاء بعد بضعة أشهر على الاستفتاء على الدستور، نقض التزاماته الدولية وخرق مقتضيات الدستور، وخيب آمال الكثير ممن راهن على الدستورالجديد للقطع مع الاستفراد والاستبداد وملاحقة كل من له رأي مخالف، فحق عليهم قول الشاعر ابن الرومي:

لقد أنجزت فيه المنايا وعيدها***وأخلفت الآمال ما كان من وعد.

أما أنا فقد تأكد لدي أن الدستور الجديد مجرد تكتيك سياسي، استعمل بدهاء لتجاوز رياح الربيع العربي العاتية، وأن بعض نصوصه التي توصف بأنها اختراق وطفرة نوعية، مجرد واجهة براقة للاستهلاك الخارجي، وخاصة من قبل الغرب.

حسن هروش

محام بهيئة الدار البيضاء