لقد كرم الله عز وجل الإنسان غاية التكريم، ورفع منزلته ومكانته على مكانة ومنزلة سائر مخلوقاته، وجعله وحده مستخلفا في الأرض، وسخر له كل ما في السموات وما في الأرض وما بينهما الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون 1 ، ليقوم بأمانة الاستخلاف وعمران الأرض، وذلك بمقتضى العهد الذي أخذه الإنسان على نفسه مع خالقه إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا 2 ، وليتحقق ذلك، جعل الله سبحانه وتعالى دينه دين الجماعة، فجمعت تكاليفه بين الفردية والجماعية… وهذه التكاليف تزداد ثوابا ومردودا في ظل مجتمع تسوده القيم الإسلامية.

فالمجتمع الإسلامي هو مجتمع التوحيد والإيمان، والإقرار بالعبودية لله تعالى، فهو الله الذي لا إله إلا هو، خالق كل شيء ومليكه، مالك الملك، لا رب سواه، ولا معبود بحق غيره، ألا له الخلق والأمر، واحد في ألوهيته، وواحد في ربوبيته، وواحد في أسمائه وصفاته، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم. وهكذا يقرر الإسلام أن الله خالق الكون وما فيه، وهو الرقيب على أعمال الإنسان حسنها وسيئها، وسيرجع إليه ليحاسبه على ما فعل من خير أو شر فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره 3 .

وهكذا يعلم الإنسان أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم المحسن ولا يثيب المسيء ولا يظلم ربك أحدا 4 ، كما يعتقد اعتقادا جازما أن الله عز وجل لا يضيع أجر المحسنين، ولا يصلح عمل المفسدين وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا 5 ، ومن ثم ينطلق الإنسان للإسهام في بناء مجتمع الإيمان والمحبة بدل مجتمع الكراهية والإعراض عن الله تعالى، فتنتشر معاني التراحم ، والتعاطف، والتعاون بين أفراده، وتقديم الإيثار على الأنانية، والعمل للمعاش والمعاد، فيتحقق في أفراد المجتمع قوله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين 6 .

الإنسان مستخلف

لقد أعلى الإسلام مكانة الإنسان ، وجعله مناط المسؤولية والتكليف. وإذا تأملنا في كتاب الله عز وجل نجد أن قصة الخلق كلها تدور حول شخص واحد، جعله الله في الأرض، وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة 7 ودعا الملائكة للسجود بين يديه، وسخر له ما في الأرض جميعا، وأعلن كرامته في أكثر من نص، وخصه بالتكليف والشرائع، ووضع على كاهله العبادات والفرائض، وهداه النجدين.. وأناط به مسؤولية العيش في المجتمع؛ فللجماعة على الفرد حقوق عينية وأخرى كفائية: أوجب عليه الزكاة، وحضه على الصدقة، وإغاثة الملهوف، والعمل على نفع الخلق، والتعاون مع الآخرين على البر والتقوى، كما حرم عليه دماء الآخرين وأعراضهم وأموالهم، إلا بحقها.

وإلى جانب هذه الحقوق العينية، قرر الإسلام مجموعة من الحقوق الكفائية، التي تعتبر بحد ذاتها أصلا تشريعيا فريدا في نظرتها للإنسان. بكل هذا تتميز نظرة الإسلام للإنسان على أنه خليفة ومستخلف.

وهو الذي جعلكم خلائف الأرض 8 .وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه 9 .

هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها
10 .

فالإنسان، في الإسلام، خليفة، عليه أن يقوم بمهامه على أساس الاستخلاف، الذي فرضه عليه المستخلف، صاحب الأمر الأول ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين 11 ، والمستخلف، هو الذي يتصرف في مادة الاستخلاف على أساس ما يقرره المالك الأساسي للحياة والكون.

المال مال الله

لقد عنيت الشريعة الإسلامية بالمال اهتماما بالغا، ووضعت له نظرية متكاملة تحكم تملكه، واستثماره، وكيفية تكوينه، ورسمت المنهج الذي ينبغي أن يسير فيه؛ فقد ورد في ذكره نصوص متضافرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بل إن كثيرا من الآيات قرنت بين النفس والولد والمال. فالمال محبب إلى الناس كحب النفس والولد، ولا يمكن أن يعيش الناس بدونه، ولذلك يحرصون على جمعه واقتنائه. يقول الله عز وجل:

زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب 12 .

ويقول سبحانه: كلا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين، وتاكلون التراث أكلا لما، وتحبون المال حبا جما 13 .

فالمال له وظيفة اجتماعية، يجب أن ينتفع به المجتمع، وأن تستفيد منه الكائنات الموجودة، حتى يتحقق التكافل الاجتماعي.

فإذا طغى الإنسان بماله، أو منع حقه، أوحال بين وصول نفعه إلى الخلق، انتقم الله سبحانه منه، ونال عقابه الإلهي، مثل ما حدث مع “قارون” الذي خسف الله به وبداره الأرض.

وباستقراء النصوص الشرعية المتعلقة بالمال، نجد نوعين منها: نصوص تسند ملكية المال إلى الله سبحانه وتعالى، وأخرى تسند ملكيته إلى الناس.

وتملك الإنسان للمال مجاز، أي أنه مؤتمن على المال ومستخلف عليه، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه قال عروة رضي الله عنه: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتا فهو أحق به)، ويترتب عليه أن الإنسان ملزم بالتقيد بأوامر الله سبحانه في التملك بحسب ما يريده صاحب الملك. والناس على السواء، لهم حق في تملك خيرات الأرض. والملكية الفردية حق ممنوح من الله سبحانه وتعالى، والمال ليس غاية مقصودة لذاتها، وإنما هو وسيلة للانتفاع بالمنافع وتأمين الحاجيات 14 .

الاعتدال والتوازن

بما أن المال مال الله، وأن الإنسان مستخلف فيه، فعليه أن يقوم بمهام الاستخلاف ضمن الحدود التي يضعها الإسلام ويقرها.

والتصرف في المال، كيفما كان نوع المال، له ضوابط، فصاحب المال ليس حرا في إنفاقه كما يشاء، بل الضابط والأصل في هذا النوع من التعامل الاعتدال والتوازن: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا 15 .

يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين 16 .

فالإسلام لا يحرم طيبات الحياة، بل يدعو إلى التوازن والاعتدال، ليس في الإنفاق فقط، بل في كل مناحي الحياة، ولهذا نجده ينهى عن كل ما يؤدي إلى المفاسد الفردية والاجتماعية على السواء. فقد حرم الإسلام الترف، والغش، والظلم، كما كره تكدس الثروات في أيدي قليلة في المجتمع لما يؤدي إليه ذلك من إفساد واستغلال، ولذلك يوصي الله تعالى بتجنب ذلك كي لا يكون دولة بين الأغنياء 17 ، أما إذا جمع المال بالطرق المشروعة، وأنفق منه بالاعتدال، فهو مصون في يد صاحبه، والمجتمع يحترم هذا النوع من الملكية، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل 18 .

فالاعتدال والتوازن في جميع مجالات الحياة يسمح باستقرار النظام الاجتماعي، ويحقق البعد عن الغلو والتعسير، ولذلك قال الله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا 19 ، كما ذم سبحانه ما خالف الاعتدال فقال: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين 20 .

وهذه الروح البناءة لا تتوفر لأية منظومة أخرى مستمدة من الأصول الوضعية، وتتجلى الأهمية الكبرى لهذا الأمر في كل ماحض عليها الإسلام، والمراد منها الثواب والقرب من الله تعالى لتحقيق المنافع المشروعة على اختلاف أنواعها وتعدد مجالاتها.

فالمسلم يتنازل طائعاً مختاراً عن أمواله أو عن جزء منها وإعادتها إلى المالك الحقيقي الله تعالى، مما يسهم بفاعلية في تطور المجتمع المتماسك.


[1] سورة الجاثية: الآيات 12-13.\
[2] سورة الأحزاب: الآية 72.\
[3] سورة الزلزلة: الآية 7-8.\
[4] سورة الكهف: الآية 49.\
[5] سورة الإسراء: الآية 16.\
[6] سورة الأنعام: الآيات 162-163.\
[7] سورة البقرة: الآية 30.\
[8] سورة الأنعام: الآية 165.\
[9] سورة الحديد: الآية 7.\
[10] سورة هود: الآية 61.\
[11] سورة الأعراف: الآية 54.\
[12] سورة آل عمران: الآية 14.\
[13] سورة الفجر: الآية 20.\
[14] وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته ج 5 ص 516.\
[15] سورة الإسراء: الآية 29.\
[16] سورة الأعراف: الآية 31.\
[17] سورة الحشر: الآية 7.\
[18] سورة البقرة: الآية 188.\
[19] سورة البقرة: الآية 143.\
[20] سورة ص: الآية 86.\