ثلاث سنوات ونصف من الاعتقال للإمام في مستشفى بمراكش وخمسة عشرة شهرا من الاختطاف للأحمدين بمعتقل سري بالدار البيضاء، كان ذلك جوابا صريحا وفصيحا على رفض النصيحة.

للتذكير فصل الإمام عن صاحبيه في الاعتقال، وكان من وراء ذلك هدف: التأثير على الأحمدين حتى لا يتم اللقاء مع الإمام، بعد حين!!

اعتقل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله صبيحة فاتح رمضان 1394 ه الموافق ل 17 شتنبر 1974م على الساعة العاشرة صباحا، تم اعتقال الإمام من البيت الذي كان يكتريه آنذاك بحي الداوديات بمراكش، حيث نقل الرجل إلى مستشفى الرازي للأمراض الصدرية في سيارة إسعاف برفقة ممرضتين. وتم تفتيش مكتبته وحجز بعض الكتب منها.

حدث الاعتقال المتوقع، هيأ له الإمام نفسيا، الوالدة الرحيمة “للا رقية” رحمهما الله والزوجة الصالحة “للا خديجة” ونجلته الكريمة “ندية”، اللواتي أوصاهن بملازمة زوج الملاخ (27 سنة) وزوج العلوي (39 سنة) 1 . ندية ياسين (16 سنة) انتفضت انتفاضة كبرى يوم الاعتقال حيث بدأت تسأل المبعوثين المأمورين بتنفيذ أمر الاعتقال بتلك الطريقة الفولكلورية، قائلة وبصوت مرتفع حتى يسمع القريب والبعيد، أن الوالد لم يقترف جرما وليس بالمريض، كما تريدون إيهام الناس، إنما هو رجل قام بواجب النصيحة للملك.

وفي اليوم الموالي عصرا، الأربعاء 2 رمضان 1394هـ الموافق ل 18 شتنبر 1974م، تم اعتقال الأستاذ محمد العلوي من مقر سكناه بمدرسة الإمام الجزولي بدوار العسكر حيث طبعت الرسالة، والأستاذ أحمد الملاخ من بيته الكائن بحي الداوديات بمراكش. في تلك اللحظات كانت توجد كريمة الإمام – ندية- ببيتنا، وخرجت تصيح مرة أخرى، دون خوف أو تردد، بأعلى صوتها مكبرة ومناصرة مستنكرة.

إن موقف الأستاذة نادية ياسين، حفظها الله، ترك في نفسي – وأنا ابن عشر سنوات- وقعا كبيرا، حيث أحسست بعد ذلك بالاعتزاز والفخر بموقف الوالد صحبة الإمام، في وقت خرس الناس وخاف الناس.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمةظرف رسالة الإسلام أو الطوفان (4)

تم اقتياد الأحمدين إلى ولاية الأمن بجيليز، حيث احتجزا لمدة 48 ساعة بالمكتب رقم 8. لينقلا بعد ذلك إلى مكان مجهول لم يعلن عنه رسميا.

خمسة عشرة شهرا من الاختطاف، والشائعات تتنوع وتتلون حول مصير الرجلين (العلوي والملاخ). تارة تصل أخبار من وراء الأبواب بأن الأحمدين تم إعدامهما بـ”دار المقري” بالرباط، وتارة تصل أخبار بأنهما يتعرضان للتعذيب والتنكيل بمعتقل مولاي الشريف بالدار البيضاء!!!

وفي يوم من الأيام وصلتنا أخبار عن مكان وجود الرجلين، حيث كانا يقبعان في دهاليز معتقل مولاي الشريف بالدار البيضاء، محرومين من أبسط حق من حقوق الإنسان. خمسة عشر شهرا 2 في زنزانة في ظلام دائم، معصوبي العينين ومكبلي اليدين في مساحة مترين على مترين، وحظيا بمعاملة وحشية من طرف زبانية المعتقل الرهيب… أدى ذلك إلى تعرض الصاحبين لأنواع من المشاكل الصحية، مما تسبب في نقل الأستاذ الملاخ إلى مستشفى السويسي بالرباط 3 ، وقضاء أيام فيه للعلاج عدة مرات من مضاعفات داء السكري التي خلفت أزمات دماغية حادة.

وفي جلسة حميمية للأستاذين الجليلين عندما سئلا عن محنة الاختطاف 4 ، تبادل الشيخان النظرات، مبتسمين وفرحين بما كتب الله لهما في تلك الفترة، التي كنا نراها عصيبة (محنة) لكنهما كانا يريانها خصيبة (منحة)، لاعتقادهما أن ما عند الله خير وأبقى وأن الله مع الصابرين، قال الأول للثاني -والخطاب موجه للسائل ومن خلاله لقارئ هذه الشهادات-: … إن بعد العسر يسرا وإن دوام الحال من المحال، فإن الليل ولو طال لا بد له من الفجر، كما أن الإنسان ولو عمر ما شاء الله لا بد له من القبر وكل ما هو بهذا الاعتبار وبهذا الفهم هان..).

بينما الإمام وضع في مستشفى الأمراض الصدرية بحي أمرشيش بالداوديات، حتى تدب لجسمه النحيف العدوى المنتشرة في المكان، ويتخلص منه المخزن بشكل لطيف. بعد سنة نقل الإمام إلى مستشفى الأمراض العقلية بحي أكدال بمراكش في ظروف سيئة. ثلاث سنوات ونصف من الاعتقال، يقول عنها الإمام رحمه الله: كانت فترة هدوء وتأمل وتفكير وخلوة ومراجعة ما كان فقد من القرآن الكريم، كما قرأت فيها كتبا كثيرة… وفي كلمة جامعة، كانت فترة ذكر، وكان هذا أهم شيء منّ به الله علي في ذلك الوقت..).

فترة الاختطاف تحملت العائلات الثلاث الشيء الكثير من الاضطراب وتلقي الأخبار المتناقضة بعضها مدسوس وبعضها لا يفي بالحقائق. خرج الإمام والصاحبان من عتمة الظلام، واستمر موكب النور في تبليغ رسالة الإسلام.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (6)

ثمن “رسالة الإسلام أو الطوفان” محنة في طيها منحة ربانية عظيمة، ألا وهي انطلاق سفينة العدل والإحسان.


[1] ذكرني أحد أنجال الأستاذ محمد العلوي السليماني وهو يتابع هذه الحلقات بأمر كدت أغفله في هذه الورقات، وهو قطب رحى هذه الرسالة الشهيرة، لولاه ما كان لهذه الرسالة الخالدة من معنى، ألا وهو القولة الشهيرة المتداولة عند كثير من الناس: “وراء كل عظيم امرأة”. سوف أخصص لدور المومنات الأوليات حلقة خاصة، لما لهن من إسهام ومشاركة في بناء مشروع الإمام رحمه الله.\
[2] “دقيقة واحدة في معتقل مولاي الشريف تعادل سنة في مكان طبيعي”: من شهادة أحد زوار المعتقل المذكور.\
[3] خلال فترة وجود الأستاذ أحمد الملاخ بمستشفى السويسي، وصلت أخبار مكانه لأخته تدعى رقية الملاخ، فسألت عنه بالمستشفى المذكور، إلا أن أجهزة الأمن اعتقلتها لمدة أربعة أيام حيث تعرضت لأشد التعذيب والتنكيل بسبب سؤالها عن أخيها.\
[4] في مجلس من مجالس الجماعة سنة 2004، انظر شريط سيرة الرجال.\