حق لها أن تكون امرأة ليست كالنساء، لأنها تنتمي إلى شعب ليس كسائر الشعوب، وإلى أرض ليست كغيرها من البلاد، فهي بنت فلسطين أرض الرباط، وبنت غزة أرض الجهاد ومدرسة الرجال. عرفتها أول مرة في شريط تزف فيه ابنها إلى الشهادة تقبله على جبينه وتوصيه وكأنها تزفه إلى عروسه والفرحة تهلل أساريرها، حينها أكبرتها وأكبرت الأمومة فيها وتساءلت من أي طينة قُدَّ قلب هذه الأم؟ ومن أي مدرسة تخرجت هاته العظيمة التي غالبت فطرة الأمومة فيها لتعطيها معنى أعمق وأعظم وأكبر من معاني التضحية والفداء والعزة والكرامة؟ فاستحقت أن تقلدها فلسطين التي أهدتها فلذات أكبادها تباعا شهداء وأسرى لقب “الخنساء” وأكرم به من لقب وأعظم به من نسب، يربط الحاضر بالماضي، فقد أحيت فينا “أم نضال فرحات” سيرة الصحابيات الجليلات اللائي أعطين للأمومة معنى أوسع وأرفع، فهذه الخنساء حين خرجت إلى القادسية مع المسلمين في عهد الفاروق عمر بن الخطاب قالت لبنيها توصيهم: يا بني لقد أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم..) إلى أن قالت: فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجعلت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة.).. وحين بلغها خبر مقتل أبنائها الأربعة قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته).

سمو روحي وشموخ إيماني، وتعلق بالباقية وزهد في الفانية، هي محجة العزة في الدنيا والكرامة في الآخرة للأفراد والأمة، درس وعته المرأة، وهي خريجة مدرسة النبوة كأسلافها، فحيت به وأحيت به وجعلته حياة تمشي على الأرض، حين قدمت ثلاثة من أبنائها فَرَطا لها في الآخرة، لذا فليس مستغربا أن يصفها إسماعيل هنية خلال تشييعها في المسجد العمري بالمرأة الاستثنائية: هي المرأة الاستثنائية هي النموذج والقدوة لنساء فلسطين ونساء العالمين، وهي من السباقات في الدعوة والجهاد والصبر في التضحية والعطاء)، امرأة استثنائية بكل المقاييس فهي كما قال خليل الحية تلك المرأة التي لم تكن تخاف على ولد ولا بيت ومال ونفس، فاحتضنت المجاهدين وكان بيتها مأوىً لهم، وقفت شامخة وهي تودع أبناءها المجاهدين وتعرف أنهم لن يعودوا، وكانت تصدح بكلمات أصبحت نورًا للمجاهدين، فيوم أن أطلقنا عليها خنساء فلسطين كانت جديرة بهذا اللقب).

حقا هؤلاء الاستثناءات يكونون حجة للقدر على الخلق، ويكونون مدارس تحيا بها الأجيال، وهكذا كانت أم نضال رحمها الله تعالى: هذه المرأة العظيمة مدرسة بأكملها بإيمانها، بتواضعها، بصبرها، وثباتها ورباطة جأشها، وقفت شامخة بكل تواضع تدعو إلى الجهاد، تدعو الأمهات وتدعو شعب فلسطين وتدعو المسلمين) كما شهدت “راوية الشوا” النائب المستقل في المجلس التشريعي.

قد ينصرف إلى الأذهان أن امرأة من هذه الطينة ومع ما توالى عليها من نوائب الدهر، تكون مصائب الدنيا حجَّرت مشاعرها أو أخذت من رقتها، لكنها على العكس كانت رحمها الله تعالى قلبا كبيرا، إنسانية عالية، كتلة من رقة المشاعر ورهافة الحس والشفقة والرحمة، كما شهدت البرلمانية هدى نعيم، أن أبرز ما كان يميز أم نضال: إنسانيتها العالية، فأكثر ما كان يشغلها هموم الناس والفقراء، حيث كانت تقول دائمًا: سعادتي في الدنيا عندما أستطيع أن أقضي حاجة سائل، وأصعب لحظات عمري وأحزنها عندما أكون عاجزة عن مساعدة أو رفع هموم محتاج).

رحم الله “خنساء فلسطين” التي جعلت فلسطين في قلبها فوضعتها فلسطين تاجا على رأسها، وجعلت قضية شعبها أولى أولوياتها، فأفسح لها الفلسطينيون من قلوبهم، وأقر الله عينها بما أسلفت من عمل صالح، وكتبها في المجاهدين وجعلها إماما للمتقين، وعجل بتحرير فلسطين.