الكلمات لا تعكس دائما ما يعتقده الناس، ومايشعرون به، بينما تمتلك لغة الجسد قدرة خارقة على التعبير عما يختلج النفس الإنسانية. ولعل اللمسة الودود جزء لا يتجزأ من هذه اللغة؛ فهي وسيلة للتواصل الطبيعي، وتعبير عن حاجة تفاعلية ماسة. ذلك أن الحق في ملامسة الآخر- وفق ما تفرضه ضوابط الشرع الحنيف- يعتمد على حاجة ضرورية لإقامة العلاقة مع الآخرين.

إن المتأمل في الخطاب النبوي الشريف، يلاحظ أن منهاج النبوة في التعامل مع مظاهر وأشكال التواصل غير اللفظي 1 يروم وضع آليات تتحقق معها التفاعلات البيأفرادية والجماعية داخل هذه البيئة، ورسمَ مقاصد تسعى إلى إعادة الاعتبار للإنسان من خلال تحقيق رغباته واستيفاء راحته النفسية والبدنية والعقلية، والسموَّ به بشكل يجعل منه كائنا اجتماعيا مكرما، يسعى إلى المشاركة الإيجابية وتنمية قدراته التواصلية مع أفراد بيئته، وتبادلَ المصالح والمنافع معهم وفق ما سطرته الحكمة الإلهية من خلق الإنسان، والارتقاءَ به، وتجنيبَه كل ما من شأنه أن يؤذي جسده، والعناية بكل ما يحقق سعادته الروحية والمادية.

إن القراءة المتأنية لبعض مظاهر التواصل غير اللفظي في ثنايا الخطاب النبوي الشريف يكشف عن حضور أشكال تواصلية متنوعة، توحي بسلوك نبوي منظم، وتشكل في نظرنا نسقا متكاملا من العلامات التي تحمل دلالات عميقة، وتحتاج إلى تسليط الضوء عليها في ضوء ما توصلت إليه مباحث علم النفس. ثم إن المتأمل في منهاج التواصل النبوي، يلاحظ أننا أمام متن معتبر لم يحظ مع الأسف بالدراسة التركيبية من جانب علماء النفس المسلمين المحدثين. هذا المتن يوحي بأن العلامات الجسدية في هذا المنهاج (وخاصة ما يتصل بالمسح) تندرج في إطار دينامية ثقافية تروم تأطير وتأصيل هذه الممارسة، وتوجيهها وفق الرؤية الحضارية الإسلامية.

وللوقوف عند حضور هذه الأشكال التواصلية في الخطاب النبوي، سندرس السياق الذي وردت فيه بعض الأحاديث الشريفة ونحللها لمعرفة مدى تطابق النتائج المترتبة عن هذه الأنماط مع التصورات العلمية المعاصرة.

فلقد ورد الفعل (مَسَحَ) في مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة، منها ما أخرجه الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة بلفظ: “من مسح رأس يتيم لا يمسحه إلا لله، كان له بكل شعرة تمُرُّ يده عليها حسنة”، وسنده ضعيف. أما الحديث الثاني، فقد أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: “أطعم المسكين، وامسح على رأس اليتيم”، وسنده حسن. أما الحديث الثالث، فقد رواه الإمام أحمد والطبراني، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه رجل يشكو قسوة قلبه، فقال صلى الله عليه وسلم: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح على رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك”. والحديث صححه الألباني، وقال صحيح.

يتضح من سياق الأحاديث الشريفة أن المسح مرتبط بالجسد الإنساني، فهو تَماس وملامسة للجلد واحتكاك به، وهو ما ندركه من خلال الشروح الواردة في بعض المعاجم العربية. يقول أحمد بن فارس في (مقاييس اللغة): المسح إمرار الشيء على الشيء بسطا… ومسحْتُه بيدي مسحا) 2 . أما اللمس فهو المس باليد 3 . نقول: لَمَسَ الشيء: مسه بيده. والفرق بين اللمس والمس، أن اللمس لصوق بإحساس والمس لصوق فقط) 4 . وأما صاحب (محيط المحيط) فيقول: واللمس مصدر، وفي عرف الحكماء والمتكلمين إحدى الحواس الخمس الظاهرة، وهي قوة منبثقة في العصب المخالط لأكثر البدن، سيما الجلد، تُدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ونحو ذلك عند التّماس والاتصال به) 5 .

فالمسح واللمس والملامسة كلها ألفاظ تحيل إلى علامات متعلقة بالجسد، وتؤدي وظائف فيسيولوجية وتواصلية وإبلاغية، تروم الإثارة الخارجية للجلد؛ أي إثارة الحس عبر التّماس. وقد راعى الدرس السيكولوجي الحديث تأكيد هذه الحقائق، تقول (آن ماري فيمونو Anne Marie Vuillemenot): إن بعض أقسام الدماغ لا يمكنها أن تؤدي وظائفها بنشاط مثير stimulé من دون ملامسة؛ لأن اللمس حاجة عصبية فيسيولوجية) 6 .

فالإحساس يبدأ في التكون مع الحمل؛ حيث يسعى الجنين للاتصال بجدار البطن، وهو إحساس مرتبط بالشعور بالأمن والأمان والطمأنينة. وقد تحدث (أشلي مونتاجو Ashley Montagu) عن تجربة اللمس عند الرضع، فيقول: إن السعادة التي يشعر بها الرضيع تعد شرطا ضروريا لكل تطور لاحق يتحقق فيه السلوك المتوازن) 7 . ثم إن حرمان الطفل من الحنان يؤثر سلبا على العظام؛ حيث تظهر خطوط صغيرة لها علاقة بالنمو المتأخر، وتعرف بخطوط هاريس Hariss في نهاية الظنبوب (الشظبة) أي عظم الساق الأكبر، والوكاع (أو الكوع). فيما يؤكد (فريدريك لوبوايي Frederik Leboyer) أنه تم إثبات أن حرمان الطفل من اللمسة الودود في بداية مشواره الحياتي يؤدي الى اضطراب anomalie في السلوك أثناء البلوغ 8 . فاللمسة الحانية، إذن، إحساس عميق يبعث على المودة والألفة والاطمئنان.

ثم إن الطفل الذي لم يحظ في فترة من الفترات بتجربة لمسية كافية، سيجد صعوبة في إقامة العلاقة مع الآخرين. وهنا نشير إلى التجارب التي أجريت على بعض الأفراد؛ حيث تم الحد من فرص الاتصال بالعالم الخارجي (محيط الفرد)، فتبين أن أي جهاز عضوي لا يمكن أن يصمد من دون إثارة خارجية للجلد، مما يجعلنا نقول إن الحاجة الى الإحساس sensation 9 هي حاجة عضوية أساسية. وحتى الطفل الذي يتجاوز مرحلة الرضاعة، يظل بحاجة الى الملاطفة ولمسة الحنان؛ لأن هذا يجلب له الأمن العاطفي ويهدئ من روعه 10 ، ويخفف من بكائه، ويحسن نومه.

إن التواصل الإيجابي مع البيئة المحيطة (محيط العائلة) هو الذي يُشعر الطفل بأن العلاقة التي تربطه بالأم هي علاقة آمنة. ثم إن غياب اللمسة الودود قد يؤثر بشكل خطير على الصحة البدنية والقدرة العقلية والعلائقية، وهذا هو سر الإعجاز النبوي في مجالي اللمس والمسح. فالإنسان لديه ميل فطري إلى استعمال اليدين للتخفيف من حدة الألم، أو من الأرق أو القلق، أو التشنج (وضع اليد على الجبين، أو فرك الكتف…).

إننا عندما نمسح على رأس اليتيم، فكأننا نموضع الشخص ونعيد تشكيل وعيه، ونمنحه بالتالي الدعم، ونتيح له شكلا من أشكال العلاقات، غير العلاقة التي تقوم على لغة الكلام. إننا نجعله يكتشف العالم من خلال لمسة الحنان هاته، ونجعله يشعر بحنان قد فقده لمدة. ثم إن هذه الملاطفة تؤكد الإحساس (لدى اليتيم) بأنه مقبول ومحبوب، وتمنحه الثقة والاعتداد بالنفس.

إن اللمس إجراء وقائي لحفظ الصحة؛ حيث تزداد قدرات ودفاعات الجسم، مما يؤدي الى انتعاش مجموع الوظائف المرتبطة بالجسد. ومما يقوي هذا التوجه، ما ذكره (شارل فيري Charles Feré) من أن الإثارة التي تحصل عندما نضع قطعة من حديد على الكف، تكفي لزيادة حجم العمل الذي يسجله المعمال érgographe (وهو مقياس لقدرة العضلة على العمل). ويردف (فيري) قائلا إن وضع لزقة خردل، أو كيس من الثلج، أو كوز، أو ملامسة خفيفة لريشة، كل هذا يؤثربشكل كاف في زيادة المجهود العضلي الذي يسجله المعمال. لذا فإن المفعول التنشيطي للإثارة الجلدية يلقي بعض الضوء على سيكولوجية اللمس، حيث تعد هذه القيمة فكرة مقبولة بشكل عام) لنضرب لذلك مثلا بأولئك الذين يمارسون رياضة المصارعة، والذين عادة ما يفركون أيديهم أو أعضاء من الجسم). ونستشهد هنا برأي أحد المتخصصين، وهو (لودر برنتون Lauder Brunton) الذي أشار إلى أن بعض الحركات التي يقوم بها الإنسان مثل حك الرأس، أو سحب الشاربين هي بمثابة وسائل لتوسيع الأوردة الدموية للدماغ، عن طريق إثارة العصب الوجهي 11 .

وإذا كان اللمس عاملا رئيسا في التخفيف من القلق 12 ، وتحسين أداء الجهاز المناعي، وقابلية التكيف، فإن (تيفاني فيلد Tiffany Field) يؤكد على حقيقة أخرى، وهي العلاقة التي تربط بين اللمس والدماغ العاطفي. فقد تم اكتشاف شبكة جديدة من الألياف العصبية؛ وهي شبكة دقيقة ومستقلة عن الجهاز الأكبر، وهي التي تنشط مباشرة الدماغ الأكبر الأكثر عمقا؛ أي الدماغ العاطفي 13 .

إن المرء حين يوجه اهتمامه لليتيم وجسده، فإنه يساعده على اكتساب قيم علائقية جديدة (وهو ما تعجز لغة الكلام، أحيانا، عن أدائه)، ويزرع في نفسه الثقة والاحترام، ويحقق له الهناء وراحة البال، ويشعره بأنه شخص مقبول داخل المجتمع. ذلك أنه مما لا شك فيه أن تحقيق التوازن الداخلي للإنسان يعتبر شرطا ضروريا لممارسة الحياة بشكل طبيعي. ثم إن المسح على رأس اليتيم يساعد على انبساط الجسد وانشراحه، ويولد بالتالي لدى صاحبه وعيا جديدا يتحقق بموجبه الإنصات للذات وحاجاتها.

لقد أثبتت بعض الأبحاث أن الأطفال الذين يحرمون من لمسة الحنان، يجدون صعوبة في التكيف مع حياة الجماعة، ويتعثرون في مجال التعلم، إضافة إلى بطء في نمو البدن. ثم إن هناك علاقة بين مزية اللمس والكفاءات في مجال العلاقات البيأفرادية (ثقة متبادلة، احترام متبادل، ترسيخ قيمة الانتباه للآخرين: مودة ولطف، نزاهة واستقامة). وبذلك تتحول اللمسة الحانية إلى حاجة ماسة، بها تتحقق الروابط الاجتماعية وتتمتن.

إن ملامسة الآخر- وفق ضوابط الرؤية الإسلامية الحضارية- تنمي عند من يلمس، أو عند من يمسح رأس اليتيم القدرات الإدراكية والحدسية (يَلنْ قلبُك…)؛ ذلك أنالتهذيب الذي تخضع له بعض الإدراكات الحسية في حياتنا الراهنة، يؤدي إلى مهارات معرفية غير لفظية (غير شفوية)، ولكنها غير معتبَرة، ونادرا ما يُلتفت إليها. ولكن الجسد يدرك المضمر والخفي) 14 . والإنسان يكتشف هذه العلاقة الوطيدة بين المنبهات اللمسية عند من يمسح رأس اليتيم، والشعور الباطني بالسعادة التي تشمل، فيما تشمل، رقة القلب ولينه، باعتبارهما مزية عاطفية مميزة، وحاجة وجدانية. وقد تنبه (ميشال مافيزولي Mafesoli (Michel إلى هذه الحقيقة؛ حيث يقول في معرض حديثه عن هذا الشكل التواصلي الحيوي: إن الآخر هو الذي يلمسني، وهو الذي أعهد من خلاله شيئا ما يدركني).

L’autre est celui que je touche, et avec lequel je faits quelque chose qui me touche 15

لا ضير أن يتحول اللمس، إذن، إلى”أسلوب” 16 Style يساهم في إضفاء التحول على منظومة القيم، وخاصة ما يتصل منها بترسيخ التفاعل مع الغير 17 . ذلك أن هذا الشكل التواصلي الحميد لا يحتاج إلى مجهود، بقدر ما يحتاج إلى خصلتين حميدتين تضفيان الطابع الإنساني الراقي على حركات اليد: اللين والرقة.

خاتـمة

وإجمالا، فإن التطور الذي عرفته المجتمعات الإنسانية، وبخاصة مع الطفرة التكنولوجية، وتراجع العلاقات الاجتماعية التقليدية، في ظل انفراط عقد الاسرة المعاصرة، أدى الى بروز ظواهر سلبية داخل هذه المجتمعات (العزلة، التهميش، الحرمان من اللمسة الحانية…)، مما يجعلنا نقول إن الحاجة الى الملامسة الايجابية- ومنها المسح على رأس اليتيم- أمر مرغوب فيه، به تتحقق التفاعلات البيأفرادية والجماعية. وإذا كنا نعترف بأن اللمس تحكمه شيفرات ثقافية، ويرتبط بالسياق الحضاري للمجتمعات الإنسانية، فإن آكَدَ مقتضيات التعامل مع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في مجال التواصل غير اللفظي، تجلية معالم المنهاج النبوي الذي يجمع بين متطلبات النفس الإنسانية- والذي يعد البعد التواصلي غير اللفظي جزءا منه- والغائية والقصدية من وراء هذا السلوك الإنساني. ومناط الإعجاز هنا، هو أن الخطاب النبوي الشريف يتجاوز تلك النظرة الضيقة، وذلك التنميط الثقافي في التعامل مع اللمس، باعتباره ممارسة تفضي إلى المتعة الجسدية sensualité، فحسب. فالتوجيه النبوي الشريف يحتفي باللمسة الودود، وينظر إليها على أنها أداة حيوية للإبداع وصنع الحياة، ويرسم لها إطارا ثقافيا يرتقي بها إلى ممارسة متوازنة. وبالتالي، فإن تأصيل هذه اللغة الجسدية وفق منظومة قيمية تروم حفظ النفس، يفتح المجال واسعا أمام الإنسانية للوقوف عند التصور الإسلامي الراقي والسامي للإنسان وجسده.

شوقي المقري

أستاذ محاضر، كلية الآداب، جامعة محمد الأول، وجدة


[1] نعني بالتواصل غير اللفظي مجموع المظاهر الهيئية والحركية المرتبطة بجسد الإنسان (سمع، حركات…).\
[2] مادة (مَسَحَ).\
[3] إسماعيل بن حماد الجوهري، مادة (لَمَسَ).\
[4] أحمد رضا، معجم مقاييس اللغة، مادة (لَمَسَ).\
[5] بطرس البستاني، محيط المحيط، مادة (لَمَسَ).\
[6] Anne- Marie Vuillemonot, Réveillez le toucher, Imagine 69, sept et oct 2008.\
[7] Ashley Montagu, La peau et le toucher, p.86.\
[8] Frederik Leboyer, Shantala, p.112.\
[9] الإحساس ظاهرة نفسية فيزيولوجية، يكون فيها للإثارة الخارجية أو الداخلية أثر تعديلي نوعي على الكائن.\
[10] أظهرت التجارب التي أجريت على مجموعة من القردة والجرذان أن تجربة االلمس كان لها دور حيوي على التوازن النفسي والبدني لهذه الحيوانات؛ حيث تبين أن الحيوانات التي تم لمسها بدت أقل توترا وأكثر هدوءا. أما المجموعة الثانية فقد بدت أكثر توترا وعداوة.\
[11] Charles Féré, Travail et Plaisir, chap.xv : influence des excitations sur le travail.\
[12] أظهرت بعض الأبحاث أن اللمسة تعمل على إنتاج ما يعرف بالسيروتين cyrotine (وهي مادة أمينية تولدها بعض خلايا الأمعاء، وتنتقل عبر الدم إلى الأنسجة) والأوكسيتوسين oxytocine، مما يقلل من نسبة الكورتيزون cortizone في الجسم.\
[13] Tiffany Field, Les bienfaits du toucher, p.145.\
[14] Encyclopédie psychocorporelle, Chap. : à lombre de la médecine moderne, les thérapies manuelles.\
[15] Michel Mafesoli, La contemplation du monde, Figures du style communautaire, Biblio Essais, Grasset, 1993, p.42.\
[16] Op.cit., p.71.\
[17] Op.cit., p.71.\