التربية بناء، والمربي الباني أب رحيم حكيم حليم كريم، قبل ومع أن يكون خبيرا عليما، قويا أمينا. وتجمعك بالناس علاقات قرابية رحمية، ومعاملات وظيفية ومادية، ومناسبات مختلفة، فيبهرك هذا بذلاقة لسانه، وسحر بيانه، ويعجبك في غيره حسن سمته، وجمال مظهره، ويشد بصرك إلى ثالث غنى جيبه، وطول يده، ويستأثر باهتمامك رابع بخدمته ولطف معشره، ولين جانبه، لكن التربية كل هذا وغيره، لأن المربي من يفهمك ويهتم بك، ويعزم عليك، فإذا أنت الناهض من رقاد، المتقرب بعد بعاد، العابد العائد من غفلة، المتعلم بعد خجل واستكبار، المتواضع المنكر ذاته بعد منٍ واستكثار، المبدع وقد كنت صريع العي، حبيس التقليد، رهينة التغني بأمجاد الأجداد، أو القاعد حلس بيت الأحلام.

التربية هذا وإلا فهي مجرد كلام، لهذا بحث العالمون عن من يربيهم، رحم الله فقهاءنا العظام، ومحدثينا خدام سنة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، انسلخوا من أنانيتهم، و”أنا” نِيتُهم، لينخرطوا في سلك التلمذة على العارفين بالله أطباء القلوب، مفاتيح الخير، ترياق الأدواء، مصابيح الهدى، بدور الدجى، صوى الصراط المستقيم، ومعالم السبيل القويم، ومنارات الطريق اللاحب الموصول الواصل بسيد المرسلين باب فضل الله ورحمته للعالمين.

ويقنع قانع بلسان واعظ يشنف الأسماع، ومنشد يتقن السماع؛ ويقبع قابع في مكانه بعيدا عمن يدله على الله، منتشيا بمحاضرة محاضر، ومناظرة مناظر، ومبادرة مبادرـ مع تعظيمنا لهؤلاء وأولئك ومن على شاكلتهم من المتخصصين في كل مجال ـ لكن التربية رجال بانون، وبناء رجال، رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب 23). رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة 108). رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (النور 37). رجال على لسان نبي الله لوط عليه السلام، في الكتاب المجيد، يسأل عنهم أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (هود 78) رجال خرجت حروف اسمهم أنوارا من فم من لا ينطق عن الهوى “زيد خير” وقد كانوا من قبل “زيد خيل”، “رجل وأي رجل”! جاء من مسيرة تسع، بعد أن أضنى راحلته فأسهر ليله، وأظمأ نهاره، يسأل المنبئ الخبير عن خصلتين أقضا مضجعه، ونغصا عليه لذيذ العيش: “ما علامة الله فيمن يريده؟ وما علامته فيمن لا يريده؟” فلما سأله الحبيب بالطريقة الجبريلية التعليمية التوليدية الفضلى: 1 كيف أصبحت؟ قال “أَصْبَحْتُ أُحِبُّ الْخَيْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ بِهِ، فَإِنْ عَمِلْتُ بِهِ أَيْقَنْتُ بِثَوَابِهِ، وَإِنْ فَاتَنِي مِنْهُ شَيْءٌ حَنَنْتُ إِلَيْهِ”، يا لله هل يملك من له إلى الله حاجة إلا أن يفعل ما فعل زيد، ويسأل ما سأل عنه زيد. يا ليت لنا من خيل زيد خير ! ولكن هل يملك كل زيد وكل عمرو أن يجد مربيا يشد الرحال إليه، ويسأله عما أرقه وأذهب النوم عن جفنيه، ثم يصبح مجيبا بعد أن كان سائلا، ومصادَقا على جوابه بعد أن كان حائرا مرتابا في أمره، ليعود من رحلته إلى أهله وعشيرته فيقضي الله أمرا كان مفعولا، ويموت قبل أن يأتي للخبر بمبتدئه، وقد كان له فاعلا دون معرفة فلزوم، “رجل وأي رجل”! 2 لو أسعفته حمى المدينة. فهل أسعفتنا أنا وأنت يا سامع الخبر، ويا ملتمسه في السِّير؟ هل أسعفتنا فأحببنا من أحب زيدا، وحبب إليه الخير، فأحببنا زيدا، وأحببنا الخير، وأهل الخير، ومن يعمل به؟!

كثير من يحب الخير، وإن الإنسان لحب “الخير” لشديد، ولكن هل مع حب الخير نحب أهله، فإن للخير أهلا عنهم يؤخذ، وبهم يتأهل من طينته خيرة ليصبح من أهله، وإلا فلو كان الخوخ يداوي لداوى علله، سبحان الله يؤخذ القرآن علما لا عن مصحف بل من أفواه الرجال المجازين حفظا وقراءة ورسما وخلقا ورحمة ونورا وهدى كما يؤخذ عن الرجال فهما: “سئل الإمام علي “هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ؟” فَقَالَ: “لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرأَ النَّسَمَةَ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَ اللهُ رَجُلًا فَهْمًا فِي كِتَابِ اللَّهِ…”” 3 .

ويؤخذ الحديث الشريف رواية وسندا عن أهل الحديث المسندين المجازين، ويؤخذ النسب الشريف من سلالة الأشراف… إلا التربية يراها من لا عين لقلبه، ولا بصيرة لعقله سلعة في مزاد، ودعوى بلا إسناد، وحلقة في غير سلسلة تصل أجيالا بأجيال، وأجيادا بأجياد.

إن كانت مفردات الخير لا تؤخذ إلا عن أهله، فكيف والتربية جماع الخير، تؤخذ عن غير أهل؟ !

الخير تحبه، هذا نزوع من الفطرة التي فطرك الله عليها، ومجاهدة وجهد وجهاد واجتهاد أن تلتمس الخير عند أهله، فتحبهم، وتتحبب بالخير إليهم، وبهم إلى من ألهمهم الخير وجعلهم من أهله، والدال على الخير كفاعله، ودعوة الخير لا ينقطع لها سند ولا مدد إلى الأبد، قعد من قعد، واجتهد من اجتهد، وبعد حب الخير وأهله، جميل أن تعمم محبتك على من يعمل به، وإن عمِلت به يا أخي فلنتعلم من زيد الخير هذه المحبة وهذا الأدب، هذا التوق وهذا الذوق، هذه الـ”إن” الشرطية، فهو لا يضمن لنفسه أن يعمل بالخير، ولا يدعي لنفسه أنه يعمل الخير، لكنه إن عمل أتقن، وأيقن بأن الله سيثيبه، لا يضيع الله أجر من أحسن عملا، حاشاه يخيب من علق على حلمه وكرمه أملا.

إخوتي ما هذه الكلمات المبحوحة المجروحة المقروحة إلا مقدمات لأجزاء من رسائل من بريد الصحبة، وصلتني ردا على رسائل، وإجابة عن مسائل، وحلا لمشاكل، ودلالة على وسائل، جاد الله الكريم الحليم الرحيم بعباده علي بالمصحوب الدليل الذي أحببته محبة الولي المرشد، والوالد المعلم، فحبب إلي وإلى إخواني الخير وأهله ومن يعمل به، ودعاني دعوة الخير إلى الخير بحاله المنهض، ومقاله الدال، رحمه الله وجعلنا من أهله، ومن عمله الصالح الذي لا ينقطع.

طالع أيضا  حفل توقيع ديوان "من الأقصى إلى الأقصى" للشاعر الداعية الأستاذ منير ركراكي

أترككم سادتي مع نفحات عطرة، وزهرات عبقة مقتطفة من رسائل الفقيد الحميد السعيد رحمه الله الرقيقة الشفيقة الدقيقة العميقة، عساها تكون لنا شفيعا إن دللنا على الخير ولم نفعله، وعسانا بها نتاجر للمرشد الحبيب في سلعته الغالية علما ينتفع به، وصدقة جارية، وعساها تكون معالم هادية لمن ركب خيل زيد، ورغب في خير زيد، فأسهر الليل وأظمأ النهار وأضنى الراحلة بحثا عن المربي الباني، الحبيب المحبب إلى الخير وأهله، ومن يعمل به.

أترككم مع مقتطفات من رسائل كانت لبناء شخصيتي لبنات في كلمات تلقيتها بشوق المراسل ينتظر من الباث رسالة، والسائل يترقب من المجيب جوابا، والهامل يتلمس من المرشد مصابيح هداية، ومن على قلبه الأقفال يتسول المفاتيح ليكون له مع أرباب القلوب قلب، ومع أهل الخير خير، ومع صناع الحياة حياة، نعوذ بالله من الدعوى، ونبثه الحزن والشكوى أن يرفع عنا كل بلوى، وأن يجعلنا من أهل التقوى، وفيما يأتي عزاء وسلوى.

الرسالة الأولى

“بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

إخوتي الأعزاء في سجن فاس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(…)

أوصيكم أحبتي أن تخصصوا الوقت الكافي لدراساتكم. تعاونوا ونظموا وقتكم وحافظوا على “يوم المؤمن وليلته”، واهتبلوها فرصة لتعمقوا الصلة بالله القريب المجيب.

وتنافسوا بجد في حفظ القرآن وتدارسه. الحفظَ والفهمَ !

تسابقوا وتعاونوا وعاهدوا الله على أن تكونوا له عبادا مخلصين مستعدين ليوم قريب إن شاء الله تخرجون في الناس للعمل الصالح. والفتح المبين قريب إن شاء الله. وانشروا الدعوة في السجن.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سلا ليلة الخميس 2 رجب 1412

أخوكم عبد السلام ادعوا الله له.”

جزء من رسالة كنت ساعي بريدها إلى طلبة من فتيان العدل والإحسان، اعتقلوا في ساحة الشرف، مناضلين أدوا عن إخوانهم وأخواتهم ضريبة … من هب حين استكان الناس، وأقدم حين أحجموا، ونطق حين صمتوا، وقام حين قعدوا…) والله شاهد، ومن الناس من يقضي بزور، والتاريخ يسجل، وما هي إلا محنة شهور، بل منحتها في رباط حفظ وتلاوة وذكر وقيام وصيام وحبور بفضل الله ورحمته، ثم بأجور إن شاء الله يوم البعث والنشور، ومكر الماكرين هو يبور، لم ينس الوالد دراسة أبنائه، وهو يذكرهم الله والآخرة، فالفانية مطينا نحو الباقية، وإنما نصيبنا من الآخرة هو ما نبتغيه ولا ننسى نصيبنا من الدنيا ينظمه لنا نصيب الآخرة تنظيما، ويحكمه ويؤطره تأطيرا، ويزكيه ويطهره تطهيرا.

لم ينس الدراسة فالطالب طالب علم الغاية الله ثم الآخرة فالطالب طالب وجه الله وما عند الله. ولم ينس الدعوة إلى الله ونصرة المستضعفين من عباد الله والطالب طالب حق. كما لم ينس أن يذكرهم بأن النصر قريب، والفتح مبين بإذن من يجعل العاقبة للمتقين وتلك هي رسالة مبشر المؤمنين ومنذر الظالمين بسوء العاقبة في الدنيا قبل يوم الدين. رحم الله مرشدنا وجزاه خيرا عنا وعن المسلمين كافة أجمعين.

الرسالة الثانية

“بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

أخي الأعز سيدي منير الركراكي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

استكتبتني واستنصحتني. فأنا لك ناصح ولنفسي بلزوم باب التوبة والاستغفار والتضرع واليقين بأن نفوسنا معدن الشر وموطن التقصير. وذلك ما أدعو به لنفسي ولك ولإخواننا جميعا وأخواتنا. فما من أحد يظن أنه تجاوز عتبة التوبة وولج باب العصمة إلا وهو وهم ونزغة من نزغات العدو. فما لنا من ملجإ إلا عتبة البكاء على ذنوبنا.

ومن دله المولى الكريم على باب الطلب وهداه وثبته وبصره بعيوب نفسه فهو على مظنة الفلاح.

جعلني الله وإياك من المفلحين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سلا ظهر الإثنين 19 ربيع النبوي 1414

ادع الله لأخيك عبد السلام.”

“ولنفسي” يا من يتوهم أن أهل الله وأهل الخير يدَّعون العصمة أو يدعي من يحبهم بحق وصدق أنهم من أهل العصمة، العارفون بالله الدالون عليه يخبرون عن أنفسهم أنهم لم يتجاوزوا عتبة الطلب وعتبة التوبة، وأنت تنتصب قاضيا تحكم عليهم بما لا طاقة لك به أن يرجع إليك فتتحمل وزره، وينوء ظهرك القصير بكلكله وثقله، دعك منهم، وتلمس الخير في قولهم، وفي علمهم المنشئ للعمل الصالح الدال على التوبة النصوح، المنهض إلى الفرار إلى الله، والانطراح على عتبة بابه، لجوء إليه، واضطرارا إليه، وبكاء عليه أن يفتح لك الباب، ويدخلك الرحاب مع النبي والآل، والأصحاب والأتباع، والإخوان الأحباب.

ناصح لا ينسى نفسه، تائب يدعو إلى توبة، طالب يرجو ربه، وللدعاة القضاة المنابر، وللحكام التعليمات والأوامر، ومن يدعي العصمة تفضحه الكبائر والإصرار على الصغائر، وتفضحه البدايات والأواخر.

الرسالة الثالثة

“بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

سيدي منير الركراكي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

طالع أيضا  الحلقة الثالثة من رسائل لبنات.. نحن منهم ولسنا هم

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. شافاك الله وعافاك. يصلح لك إن شاء الله دواء لداء الربو استعمال الثوم نيئا. وبراعيم شجر الصنوبر (أي الأغصان الوليدة) خمسون غراما في لتر الماء تغلى 10 دقائق ويؤخذ منها ثلاثة أكواب يوميا. يصلح أيضا الخزامى يصب عليها الماء حارا ثم تصفى بعد 10 دقائق ويشرب 3 أكواب يوميا. يصلح أيضا استعمال “السترون” بكثرة ومص الصلصال ملعقة صغيرة.. إن شاء الله جرب دواء بعد دواء.

سلامي المشتاق إلى مجلسكم الذاكر. لكل من الأحبة تحياتي. واذكروا عافاكم الله أنهما حسنيان: أولاهما ولاحقتهما: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى. وثانيتهما وعلامتهما وضمانتهما وشرط الكل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى.

سابقة علمه فيك فضل محض. وسعيك إليه وسيرك ومسارعتك وسابقتك وصبرك. وعملك وصدقك مِنَّة أخرى لا تغتر بأن منك إليه شيء إلا فضله عليك. إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك) رحم الله ابن عطاء.

ولا يغتر بالأماني قاعد عن العمل الجهادي. نعم يصحبك الشعور الدائم بالتقصير. لكن إن كان مع الشعور خمول وقعود فالعياذ بالله.

الذكرَ الذكرَ ! الصدقَ الصدقَ

(…)

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سلا صبيحة الجمعة 4 ذي القعدة 1414

ادع الله، بل ادعوا الله لأخيكم عبد السلام.”

ولي مرشد، ووالد معلم، وطبيب حبيب لبيب أريب، حريص على صحتنا، رؤوف بنا رحيم، يعنيه ما يعنينا، وما نعاني منه، فيسأل عن الحال، ويخفف عنا الأحمال الثقال، ويبحث لنا عن دواء لعللنا، لا يأل جهدا في التقصي، هذا من رعاية الجسد والسؤال عنه، فكيف إذا نظر إليك بعين البصيرة، واستشف من خلال اتصال العين بالعين ورؤية الملامح، وسماع نبض القلب النائح أن لك من الأمراض ما أنت في علاجها طامح، ولم ينفع في كف النفس عنها رادع أو كابح، يقدم لك من طب القلوب محصنات واقية، ومن صيدلية النبوة وصفات علاجية، يحمد لك الشعور بالقصور والتقصير، ولا يقف بك عند جلد الذات وهو من أنواع العبادات بل يبعثك على حملها على ما تكره من الفطام العسير، والسعي إلى الإصلاح والتغيير بمخ العبادة دعاء، وصابون القلوب بكاء، وحسن الظن بالله رجاء.

حسنى سبق منه إليك، وحسنى صدق منك إليه، أستغفر الله هل الخير إلا منه وإليه. فإن الخروج من مشيمة عنايته إلى طفولة توكلك عليه، والرضاع من أمري العدل والإحسان، والفطام عن الفحشاء والمنكر والبغي يقف بك على قدمي الاستواء على صراط الاستهداء والاقتداء بالمنعم عليهم من الصالحين والصديقين والشهداء لتريد ما أرادوا، وتسعى إلى ما إليه سعوا، فهل إلى الرجولة من سبيل؟! الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (الفرقان 59) ما لك عن الدليل من بديل.

الرسالة الرابعة

“بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

سيدي منير الركراكي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(…)

وأوصي إخواني بذكر الله، والصبر مع الله، والصبر على مقادير الله مع مجاهدة النفس وتعنيفها في ذات الله حتى تستقيم على الطريقة. اصبروا على كل من تأنسون منه خيرا حتى يكتشف يقينا وعملا أن له إلى الله عز وجل حاجة، وأنه سبحانه قريب مجيب. فيا رب جد لنا باضطرار إليك مع العافية. إنك حميد مجيد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سلا عصر الإثنين 21 ربيع النبوي 1415

ادعوا الله لأخيكم عبد السلام.”

اصبروا على الناس لا لتكثروا بهم سوادكم، ولا لتستقطبوهم فيندرجوا في سربكم، وينخرطوا في سلككم، بل حتى يعلموا أن لهم إلى الله حاجة فيحجوا إلى حاجتهم من الله الغني وهم الفقراء، القوي وهم الضعفاء، القادر وهم العاجزون، القاهر وهم الصاغرون، الودود وهم إليه يتوددون، النصير وهم به يتعوذون. يا سعادة القلوب عندما تنكشف لها حجب الأنانية المتمتعة المستعلية، والعادة الجارفة، والذهنية القطيعية الرعوية فتقتحم العقبة على متن الصحبة، وترتع في حياض الجماعة، وأنس المحبة وإلا تغنيك خضراء الدمن عن النخيل ذي الأصل الثابت والفرع النابت والأكل اللافت، وتألف لا تأنف النفوس من السبح في المستنقعات، تستحلي رطوبة الأوحال، وتغوص في الموبوء حتى الأعناق. وهل يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ؟! (الملك 30).

الرسالة الخامسة

“بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصبح وإخوانه وحزبه

أخي سيدي منير الركراكي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشكرك على رسالتك، فما بها من تطويل إنما يثقل الجافي على الجافي وما يفيض الكلام المحب على أكناف الرحاب حلو مقبول.

(…)

أما بعد،

فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حسد إلا في اثنتين… حث على العمل والتنافس في الخيرات والجهاد والتقرب إلى المولى عز وجل وتجيئ النفس بضيقها وحمولتها من أثقالها وحرصها على الاستئثار بالخير فتحول التنافس المحمود، أي العمل ثم العمل، إلى هواجس نفسية، إلى غيرة.

نعم، يحرص العبد على أن لا يفوته موسم عمل وفرصة خير، ويسأل الله عز وجل أن يجعله في الصف الأول من أحبابه (ما دون النبوة التي لا مطمع فيها بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم). لكن لا يكن العبد أعرابيا يضيق واسعا كذلك الذي قال: اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا.

طالع أيضا  تضمن عصارة تجربة شخصية.. إصدار جديد للأستاذ منير ركراكي

ويرجع العبد على كل حال إلى آخيته، إلى وثاق عبوديته، إلى “لا شيئيته” متضرعا مستغفرا فما الخير إلا خيره سبحانه.

(…)

وسلامي إليك وإلى الإخوة مجددا وإلى والدتك وأهل بيتك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سلا، صبيحة السبت 21 محرم 1417

عبد السلام.”

أمراض النفوس لا حصر لها حية هي ما دامت حية)، وكيد الشيطان ضعيف إلا أن يجد من أنفسنا الحليف)، رحم الله صاحب هذا الكلام، سيدي ومرشدي عبد السلام. كلام نفيس، ودواء للنفوس، والإنسان ميال بطبعه إلى الشفوف على الأقران، وحب الرئاسة، والإطاحة بالخصوم، والتشهير بالمنافسين غيرة وحسدا لتسلم له المناصب، ويتأتى له ما هو فيه راغب، لكنه يخفى عليه إلا أن يعيره ذو الفراسة والنور عينا يرى بها دقائق الأمور، وما وراء الكتاب المنشور مما يختفي وراء السطور، أو يختبئ في ثنايا الصدور. الحسد الذي يحول التنافس الشريف إلى اختلاف يؤدي إلى خلاف ثم تهارج قتال، فإذا بالحالقة تحلق ما في القلوب من إيمان، وإذا باللسان منجل حصائد هي أنكى من فعل السنان. لطالما نبهنا الحبيب الطبيب إلى هذه الأدواء ولم يكتف بوصف الداء، بل أمدنا بوصفة دواء.

وشفاء النفوس من هذه الأمراض المزمنة قد يؤثر فيه التذكير والوعظ والإرشاد، ولكن إذا لم يكن من المريض استشعار بهول المرض، وإرادة استشفاء، وذهاب عاجل إلى الطبيب، والتماس كشف وفحص وتشخيص ووصفة دواء، ولم يقتن الوصفة العلاجية من صيدلية سيد الأنبياء، ولم حمل نفسه على أخذ الدواء كما وصف الطبيب بحرص وانضباط واقتداء مع لزوم الدعاء، وهل من غير الله شفاء؟ لا أمل في عافية، وتخدر الألم المسكنات، وتؤجل الإحساس به منشطات ومنومات، ويتوهم المريض أن علته قد غادرته، وما هو إلا تأخر وتأخير وعجز وتقصير، ووهم وسوء تقدير، وإذا للعلة مضاعفات، وما كان أمس تنفع معه وقاية، أصبح اليوم ضروري أن تلتمس له علاجا، وما كان اليوم ينفع معه التداوي مرشح أن يفضي بالمريض إلى الكي آخر الدواء، ويعلم الله كم يأسى الإنسان على ما فاته ولات حين مناص، فقد يتحول المتاح إلى ممكن، والممكن إلى مستحيل، وينعى الناعي بعد حين: مات فلان بعد صراع مع المرض طويل.

واقٍ أن تعرف الداء فتتفادى مسبباته، ومتاح أن تعالجه بطبيب من الرجال تعرض حال نفسك عليه، وممكن أن تعالجه إذا أخذت الدواء بإذن الطبيب ومن صيدلية الحبيب، وللمدمن مستوصفات علاج خاصة وإلا فأمراض النفوس لا تموت، وحذار أن تتوهم العافية فتموت أنت بأمراضك دون أن تلتمس طريق العلاج، أو لا تلتمسه إلا بعد فوات الأوان، هيهات حين يفوت.

رحم الله من كان دليلنا على الخير أن نحبه ونسأل عنه، ونحب أهله ومن يعمل به، وأن نعمل به موقنين بثوابه، ورحم الله من كان يسألنا هل لنا إلى الله حاجة ويدلنا على حاجتنا من الله لنحج إليه ونقصد إلى ما عنده، ورحم الله بوابل من الرحمات من حذرنا من الشر مخافة أن نقع فيه، وأنذرنا أن نكون من أهله، أو نركن إلى أهله، أو نحب من يعمل به أو نعمل به، ووصف لنا من الأدوية ضافيا كافيا وافيا، وعلمنا أن الشافي هو الله لنستعين بالله ونستعيذ بالله.

تلكم سادتي لقطات معبرة واصفة لكيف يكون رجال البناء، وكيف يكون بناء الرجال، وهل ينفع الواصف وصفه إلا أن يتصف بما وصف، وإلا هرف وما عرف.

منا الرجاء ومنكم الدعاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وآخر دعوانا أن الحمد لله.


[1] إشارة إلى حديث زيد عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ حَتَّى أَنَاخَ بِالنَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنْ مَسِيرَةِ تِسْعٍ، أَنْضَيْتُ رَاحِلَتِي، فَأَسْهَرْتُ لِيَلِيَ، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، لِأَسْأَلَكَ عَنْ خَصْلَتَيْنِ أَسْهَرَتَانِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: أَنَا زَيْدُ الْخَيْلِ، فَقَالَ: «بَلْ أَنْتَ زَيْدُ الْخَيْرِ، فَاسْأَلْ فَرُبَّ مُعَطَّلَةٍ قَدْ سُئِلَ عَنْهَا»، قَالَ: أَسْأَلُكَ عَنْ عَلَامَةِ اللهِ فِيمَنْ يُرِيدُ، وَعَنْ عَلَامَتِهِ فِيمَنْ لَا يُرِيدُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟» قَالَ: أَصْبَحْتُ أُحِبُّ الْخَيْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ بِهِ، فَإِنْ عَمِلْتُ بِهِ أَيْقَنْتُ بِثَوَابِهِ، وَإِنْ فَاتَنِي مِنْهُ شَيْءٌ حَنَنْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذِهِ عَلَامَةُ اللهِ فِيمَنْ يُرِيدُ، وَعَلَامَتُهُ فِيمَنْ لَا يُرِيدُ، وَلَوْ أَرَادَكَ بِالْأُخْرَى هَيَّأَكَ لَهَا، ثُمَّ لَمْ يُبَالِ فِي أَيِّ وَادٍ هَلَكْتَ». رواه أبو نعيم في الحلية والطبراني في المعجم.\
[2] “رجل وأي رجل” قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيد الخير لما علم من إرادته الخير وسعيه لسؤال عنه ليأخذه عن أهله ويعمل به ويعمله غيره والدال على الخير كفاعله قالها وعقب صلى الله عليه وسلم: “لو أن حمى المدينة تسعفه”، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. لكنها أصابته في طريق العودة فمازالت به حتى أردته بإذن الله فمات بوسام ثناء الحبيب الطبيب وعلى نية المريد الساع الملبي المجيب رضي الله عن زيد، وزادنا منه كل خير، وزودنا منه كل خير.\
[3] جزء من حديث عن علي كرم الله وجهه في مصنف ابن أبي شيبة، ج5 ص409.\