إلى اليوم لا يتقاضى أئمة المساجد بالمغرب أجرا قارا، يحفظ لهم كرامتهم، ويلبي ضرورات الحياة، وإنما يعيشون على منح، إما من طرف الدولة، أو من طرف “المحسنين”، مما يفاقم لديهم الإحساس بعدم الأمان، ولا يجعلهم مطمئنين إلى دخل يكفيهم مؤونة الحياة وهم المعاش.

فأما الدولة فما فتئت تؤكد أن ما تقدمه للأئمة ليس سوى منحة تساعدهم على لوازم العيش، ولئن كان قصد الوزارة الوصية بذلك التنصل من مسؤوليتها عن أرزاق القائمين على بيوت الله. ما دام أن الأوقاف وقفت أصلا لهذا الغرض، فقد أجهدت نفسها إجهادا كبيرا في صرف بعض (أقول بعض، لا كل، ولا جل) الحقوق التي للأئمة على ذمة الدولة، عبر منح كثيرة، (منحة الإمامة، الخطابة، الوعظ والإرشاد، عيد الأضحى، الزواج، ذكرى وفاة الحسن الثاني، تعويض عن حضور اللقاء التأهيلي…) جندت لها أطقما إدارية وميزانية هامة من وثائق ومطبوعات، تعادل أو تتجاوز مبالغ المنح المصروفة نفسها، التي عليها مدار كل هذا التجييش الإداري والوثائقي.

ومع كثرة تلك المنح وتعدد مصادرها (وزارة الأوقاف، المجلس العلمي، مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية) التي ترتبط كلها بمصدر واحد هو المخزن. فإنها لا تنهض بمجموعها أجرا شهريا محترما لموظف متوسط الدخل. (كالموظف المرتب بالسلم العاشر مثلا) ويملأ وزير الأوقاف الدنيا بالملايين من الدراهم، دون أن يتحدث عن الأجر الصافي للإمام الواحد. ومدى اعتماد الإمام على ذلك الأجر، في تسيير حياته. هل يستطيع مثلا الاستدانة بناء عليه؟ ويعجز حتى بعض المهتمين أن يدرك وجه المعاناة لدى الإمام ما دامت هذه الملايين من الدراهم تصرف له.

لو كانت هذه المنح تصرف للائمة جميعا بدون استثناء، وفي جميع الأحوال، فإن مجرد ارتباط الإمام، بهذه المواعيد الكثيرة لصرف المنح، فيه من سياسة التجويع والإذلال ما يكفي، ليفقد الإمام رمزيته وكرامته. فكيف وهذه المنح لا يتمتع بها كاملة إلا بعض المحظوظين من الأئمة، الذين ساعدتهم الظروف على الاستقرار في مساجدهم دون تنقل ولا قلاقل.

أما الباقون فإن لهم قصصا يومية مع هذه المنح، لا نستطيع عدها لكن يمكن الإشارة إلى نتف منها للدلالة:

1- بمجرد أن يغادر الإمام المسجد لأي سبب من الأسباب يفقد تلقائيا جميع هذه المنح، باستثناء منحة الوعظ والإرشاد في حالة ما إذا سجل الإمام باعتباره واعظا متجولا -ولو لم يكن كذلك في واقع الحال- وأين الأغلبية الساحقة من الأئمة من هؤلاء الوعاظ المتجولين المحظوظين بقربهم من مشايخ المجلس العلمي؟ مع التذكير بأن هذه الصفة تمنح غالبا لأشخاص غير الأئمة، كبعض رجال التعليم الذين استمرؤوا أموال الأوقاف فهم في منافستهم يعمهون.

ومن القصص المضحكة في هذا الصدد، -وشر البلية ما يضحك- أن يتحول الإمام من مسجد لآخر داخل نفوذ نفس المندوبية، وأحيانا داخل نفس الجماعة الحضرية أو القروية الواحدة، فيحتاج إلى التعريف بنفسه من جديد لدى مندوبية الشؤون الإسلامية، التي تعامل معها طيلة المدة التي قضاها بالمسجد السابق. وهذا يعني فيما يعني:

2- أن ينتظر الإمام شهورا تقل أو تكثر حسب الأحوال بدون أجر تماما، يمارس كافة مهامه، إلى أن يتم تعيينه رسميا والاعتراف بوجوده. وفي انتظار ذلك التعيين الشكلي الذي ينهض بمفرده ملفا ضخما للفساد في ردهات الشؤون الدينية بجل المندوبيات، ومن يصدق أن المساجد الرئيسية التي بها منزل وظيفي فاخر وفي حي راق يعين بها الأئمة بمقتضى مساطر شفافة؟ ذلك الانتظار الطويل الذي يستدعي من الإمام إلى جانب الصبر، التحلي بأكثر ما يمكن من صفات التزلف والتملق، لمن يهمهم أمر المسجد المعني. ويثبت بكل وسائل الإثبات، أنه خاضع موال مستجيب لكل ما يطلب منه رسميا، وعبر الهاتف، وحتى بالإشارة، بل ومستعد للاجتهاد في إثبات ولائه لدولة المخزن العتيد، بنبذ أكثر معارفه ظهريا، أو الاحتفاظ بها لخاصة الناس لديه ووضع رأيه أسفل “بلغته” حتى لا ينفلت منه ما لا يرضي الدولة المانحة. ويحدث أن يغادر الإمام المسجد بعد شهور أو سنة، قبل أن تسوى وضعيته فيخرج بدون فلس من أوقاف الأجداد.

3- أما إذا وقع هناك خطأ “خارج عن الإرادة أو داخل فيها لا فرق” فليس هناك من يتحمل المسؤولية عن ذلك الخطأ. ولأن الإمام أعلم من غيره بعقلية وعنجهية ومكر مانحيه، فإن أقصى ما يمكن أن يطلبه الإمام، بما يليق من الاحترام والتقدير بالمانحين، أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الخطإ، أما التسويف فهو سلوك مألوف أشبه بشرب الدخان في الشارع العام.

لقد فتح تفريخ المنح في مجال الشأن الديني المجال واسعا أمام سماسرة الملفات والوثائق، المتصيدين لخطإ يصدر عن الإمام ليقنعوه أنه فرط، ومن فرط “كرط”، لكنهم سيبذلون ما في وسعهم لتسوية الوضع مستقبلا، ليفهم الإمام أن المستحقات الماضية فات عليها الأوان. وما عدا أهل الدار الذين يعرفون مدى امتنان الإمام لتلك المجهودات الوهمية، فلن يصدق أحد أن الإمام يستسلم للأمر كما لو كان قضاء لا مفر منه إلى قضاء آخر ينتزع حق الإمام كاملا. ولا يزال يرن في أذني كلام لرئيس مجلس علمي، وهو يعلق على احتجاجات الأئمة الشهيرة، وحين تأسف لحال الأئمة الذين “فقدوا هيبتهم حين نزلوا للشارع العام مقلِّدين بعد أن كانوا يقلَّدون”. حكى كيف أن وزير الأوقاف في لقاء له مع أعضاء المجالس العلمية عقب احتجاجات الأئمة والتدخل الهمجي والسب والشتم، ثم الحوار الذي تولاه والي الرباط بدل الوزير المكلف بالقطاع، وبدل أن يبرر الوزير غيابه عن الملحمة الحقوقية الأولى للأئمة، قال إن ما أثار أسفه على حال الأئمة هو “رفعهم لشعارات سوقية تنقض أهلية الإمام وتلطخ سمعته”. ولا تَعجبوا لهذا الذي لم تثره الوضعية المزرية التي عاش عليها الأئمة لعقود، ولا التدخل الأمني الذي لطخ الجلابيب البيضاء، حقيقة لا مجازا، بألوان الدم والتراب، والله المستعان. وتحية إلى أحد عناصر القوات المساعدة الذي انفجر باكيا وهو يرى أئمة المساجد في مملكة حامي الملة والدين يسقطون أرضا تدوسهم الأحذية الغليظة.

لقد كان الأجدر بالدولة إن هي أرادت تسوية الوضعية المادية للائمة أن تصرف لهم دخلا واحدا محترما، موظفين مرتبين في سلالم الأجور حسب أهلية كل منهم، يكفل لهم كافة الحاجات الأساسية التي لا تكفلها تلك المنح بمجموعها، بل هي العبء الآخر المضاف إلى أعباء الحياة، وأن يصرف ذلك عبر الحسابات الشخصية للأئمة بدل تدخل الوسطاء، “سماسرة الوثائق”، أو أن تعلن أن منصب الإمامة تطوعي وتكف هي عن ملاحقة بعض الأئمة، وتترك المجال للجماعة تدبر أمورهم كيفما تيسر… إلاَّ تفعلْ تترك المجال مفتوحا المتاجرين الساعين للاستغناء بتسول الجهات المتدخلة في المسجد، التي ألفت الإمام ذليلا متزلفا، ينتظر ما تجود به أياديهم العليا على يده السفلى.

ولعل سائلا يسأل: ولكن بعض أئمة المساجد ليسوا موظفين ولا تجارا، ويملكون من العقارات والسيارات مالا يملكه الكثير من الناس. والجواب: أن أولئك القلة لم يراكموا ثروتهم إلا في الظلام، وفي أماكن غالبا ما تكون بعيدة من المسجد، وبقلب مرتجف، ولسان سؤول. واحسرتاه على إمامنا القدوة، بل واحسرتاه على الصفوف الخاشعة وراء شخص سابح في صفقاته وعلاقاته التي لا يستطيع الإفصاح عنها. فلا غرو أن يستعجل الصلاة أو يتغيب تماما ليدير أعماله، التي يخرج منها كلما استدعى الأمر حقا معلوما لأولياء النعمة بالمندوبية والمجلس العلمي، عبر غذاء أو عشاء يليق بفضيلة الرئيس أو العضو أو سيادة المندوب، وتسأل أنت عن الدعوة ما فعل الله بها؟

وقد أكدت الوزارة عن استشراء الفساد، وطغيان الريع في أموال الأوقاف، المخصصة للشؤون الإسلامية حين تم طرد بعض المندوبين (طاطا، تارودانت، تزنيت، نموذجا) ولم يقدموا للمحاكمة، لتنكشف فصول القصة كاملة أمام الرأي العام. ولنرى ولو مرة واحدة قضية هذه الأوقاف المقدسة تمر تحت ضوء العدالة ويحكمها القانون.

تحية إلى المرابطين في المساجد القابضين على الجمر، وأغلى منها إلى أولئك الذين انتفضوا ليخرجوا قضية الإمام من دائرة المسكوت عنه. تحية إلى المكتب المسير لرابطة أسرة المساجد والمتعاونين معهم. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.